١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


أحكام الغسل

الآن نتكلَّم عن الغُسل الذي يُعتبر الطهارة الكبرى، ويجب من الحدث الأكبر. والأصل في وجوب هذه الطهارة: أمْره  في قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: ٦]. والكلام المحيط عند ابن رشد بقواعد الغُسل وأحكامه ينحصر بعد معرفة وجوبها وعلى من تجب، ومعرفة ما به تفعل، وهو: الماء المطلق وينحصر في ثلاثة أبواب، يقول:
الباب الأول: في معرفة العمل في هذه الطهارة، أي: كيف تتمّ هذه الطهارة؟
الباب الثالث: في بيان معرفة نواقض هذه الطهارة.
يقول ابن رشد: فأمّا على مَن تجب؟ فعلى كل مَن لزمَتْه الصلاة.
ودلائل ذلك، هي: دلائل الوضوء بعيْنها التي سبق أن درسناها، والتي منها:
أما من الكتاب: الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٦].

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


وأمّا من السُّنّة: فقوله : (لا يَقبَل الله صلاةً بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، وقوله : (لا يَقبل الله صلاة مَن أحدث -أي: حدثًا أصغر- حتى يتوضّأ).
وأما الإجماع: وقد أجمع المسلمون في جميع الأزمنة والأمكنة على وجوب هذه الطهارة، ولو كان هناك خلاف عند بعضهم لنُقل، إذ العادات تقتضي ذلك.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


أحكام الجنابة

وأمّا: مَن تجب عليه؟
فهو الإنسان البالغ العاقل، وذلك أيضًا ثابت بالسُّنة والإجماع. أما من السُّنة: فقوله : (رُفِع القلم عن ثلاث. فذَكَر: الصّبيّ حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق).
وأمّا الإجماع: فلم ينقل في ذلك خلاف. إذًا، أدلَّة وجوب الطهارة بالغسل هي نفس أدلّة وجوب الطهارة بالوضوء، إلَّا أنّ الوضوء يكون من الحدث الأصغر، والغسل يكون من الحدث الأكبر. لماذا سُمِّيت: "جنابة"؟
لأن الإنسان الذي يعتريه الحدث الأكبر يجتنب الصلاة، ويجتنب المسجد، ويجتنب قراءة القرآن الكريم، ويجتنب الطواف، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) [النساء: ٤٣].

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


ولِغسل الجنابة صفتان:
صفة إجزاء: أي: كافية ومجزئة، ويتحقَّق الغرض من خلالها.
وصفة كمال: وهي التي تجمع إلى ذلك كلّ المستحبات -كما سنبيِّن-.
يقول ابن قدامة: فالذي ذكَره الخرقي ها هنا: صفة الكمال. قال بعض أصحابنا: الكامل -أي: الغسل الكامل- يأتي فيه المغتسِل بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغَسل يديْه ثلاثًا، وغَسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثًا يروي بها أصول الشَّعر، ويفيض الماء على سائر جسده، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيده، وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميْه. ويستحبّ أن يخلّل أصول شَعْر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه.
قال أحمد: الغسل من الجنابة على حديث عائشة، وهو ما روي عنها قالت: (كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة غسل يديْه ثلاثًا، وتوضّأ وضوءه للصلاة. ثم يخلّل شَعره بيده، حتى إذا ظنّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات. ثم غسل سائر جسده)، متفق عليه. وقالت ميمونة: (وضع رسول الله وضوء الجنابة، فأفرغ على يديْه فغسلهما مرتيْن أو ثلاثًا، ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسَل مذاكيره. ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط مرتيْن أو ثلاثًا، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه، وذراعيْه. ثم أفاض الماء على رأسه. ثم غسل جسده. ثم تنحّى عن مقامه ذلك فغسل رجليْه. فأتيته بالمنديل فلم يردّها، وجعل ينفض الماء بيديه) متفق عليه.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


خروج المنيِّ

من نواقض الغسل: خروج المني على وجه الصحة، في النوم أو في اليقظة، من ذكَر كان أو أنثى. في المقابل قال الإمام أحمد: "إذا فكّر أو نظر، فأحسّ بانتقال المنيّ من الظّهر إلى الذّكر، وجب الغُسل وإن لم يخرج".
أمّا جمهور العلماء فهم متفقون على أن الخروج يُقصد به الخروج من الذّكَر إلى خارجه، إلَّا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على المرأة غسلًا من الاحتلام، مع أن الاحتلام يُقصد به خروج المنيّ أثناء النوم من الذكر أو من الأنثى.
إذًا له هذه المواصفات:
أوّلًا: أنه ماء سائل، ثانيًا: أنه غليظ، ثالثًا: أنه دافق ليس كالمذي أو الودي، ويخرج عند اشتداد الشهوة وليس بدايتها أو أثناءها كما يحدث من المذي، يقول: "ومنيُّ المرأة رقيق أصفر"، وذكَر ذلك ليفرّق بين منيّ المرأة ومنيّ الرجل.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


وروى مسلم في (صحيحه) بإسناده: أنّ أم سليم حدثت: أنها سألت النبي : "المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل"، وقال ابن رشد: إنها أمّ سلمة، وأمّا ابن قدامة فيقول: إنها أمّ سليم. وقد كانت أم سلمة حاضرة كما يتّضح من هذا الحديث، أمّ سليم حدّثت أنها سألت النبي : "المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟" فقال رسول الله : (إذا رأت المرأة ذلك -أو إذا رأت ذلك المرأة- فلْتغتسلْ)، فقالت أم سليم واستحيت من ذلك: "وهل يكون هذا؟" فقال رسول الله : (نعم، فمن أين يكون الشّبَه؟)، يعني: شبَه الطفل الصغير المولود بأمّه وأبيه، إنّ شبهه بهما دليل على أنه تكوّن من مائهما، كما يقول الله -تبارك وتعالى-: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان: ١- ٢].
فالنطفة الأمشاج: هي خليط من ماء الرجل وماء المرأة؛ ولذلك قال رسول الله : (فمِن أين يكون الشّبَه؟). فماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا أو سبَق يكون الشّبه به أكثر. وكما يقول الأطباء في العصر الحديث، عصر المنجزات العلمية الكثيرة، عن الكروموسومات (٢٣) من الأب و(٢٣) من الأم التي منها يكون الجنين، فإذا سبَق ماء الرجل كان المولود ذكرًا، وإذا سبق ماء الأنثى كان المولود أنثى.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


وفي لفظ أنها قالت: "هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟" فقال النبي : (نعَم. إذا رأت الماء)، وهذا الحديث متفق عليه.
فخروج المنيّ الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة، في يقظة أو في نوم؛ وهو قول عامة الفقهاء، قاله الترمذي: "ولا نعلم فيه خلافًا".
ولكننا رأينا ابن رشد -رحمه الله- يذكر أنّ النخعي خالف في ذلك، أو رُوي عنه أنه خالف في ذلك، و فرّق بين الرجل والمرأة، فقال: ليس على المرأة غُسل من الاحتلام.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


انقطاع الحيض

يقول ابن رشد: "وأمّا الحدث الثاني الذي اتفقوا أيضًا عليه، فهو: دم الحيض، أعني: إذا انقطع". فإذا انتهت الدورة الشهرية، وانتهى نزول دم الحيض، وجب على المرأة الغسل؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قال في كتابه الكريم: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [البقرة: ٢٢٢]، وفي قراءة: "حَتَّى يَطَّهَّرْنَ"، (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني: بالغسل، ((فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[البقرة: ٢٢٢]. ولذلك صدّر ابن رشد هذا الباب بقوله: الأصل في هذا الباب: قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) ، فاعتبر خروج المنيّ حدث الجنابة، أما الحدث الثاني فهو: انتهاء الحيض وانقطاع الدم.
ويَستدل على وجوب الغسل من الحيض إذا انقطع الدم، بتعليمه الغُسل من الحيض لعائشة في قصّة حيضها وهي مُحرمة، كما رواه البخاري. كذلك علّم غيرها من النساء، حيث روى مسلم وأبو داود من حديث عائشة (رضي الله عنها): أنّ امرأة سألت النبي كيف تغتسل من حيضتها، فذكرت أنه علّمها كيف تغتسل. يقول ابن رشد: إن العلماء قد اختلفوا في هذا الباب -أي: باب نواقض الغسل- في عدّة مسائل، ممّا يجري مجرى الأصول، ونعرض منهما لمسألتيْن مشهورتيْن:

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


المسألة الأولى: الوطء:
يقول ابن رشد: اختلف الصحابة في سبب إيجاب الطّهر -أي: الغسل- من الوطء: فمنهم من رأى الطّهر واجبًا في التقاء الختانيْن أنْزَل أو لم يُنزل، وعليه أكثر فقهاء الأمصار: مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، -أي: الأئمة الأربعة-، فيقولون: بوجوب الغسل بالتقاء الختانيْن سواء نزل المنيّ أو لم يَنزل. والمقصود بالختانيْن في هذه المسألة: أي فرْج الرجل، وفرْج المرأة. قال قوم آخَرون من أهل الظاهر: بإيجاب الطّهر مع الإنزال فقط، أمّا إذا لم يَحدث إنزال مع التقاء الختانيْن فلا يجب الغُسل.
هذا الكلام الذي ذكَره ابن رشد يبيِّن لنا أنَّ في هذه المسألة قوليْن:
قول جمهور الفقهاء بما فيهم الأئمة الأربعة: بأن التقاء الختانيْن يوجب الغسل، سواء نزل المنيّ أو لم يَنزل، ومعهم جماعة من أهل الظاهر. لكن ذهب قوم من أهل الظاهر إلى إيجاب الطّهر مع الإنزال فقط، يعني: التقاء الختانيْن ليس موجبًا للغسل، لكن الذي يوجب الغسل هو إنزال المنيّ فقط مع التقاء الختانيْن.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


المسألة الثانية: صفة المنيّ الموجبة للغسل: أما المسألة الثانية، وهي أيضًا تجري مجرى الأصول كالمسألة السابقة، فهي عن: صفة المني الموجبة للغسل:
يقول ابن رشد -رحمه الله-: "اختلف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المنيّ موجبًا للطّهر"، يعني: متى يكون المني موجبًا للطهر؟ "ذهب مالك وأبو حنيفة إلى اعتبار اللذة في ذلك، وذهب الشافعي إلى أنّ نفس خروجه هو الموجب للطهر، سواء خرج بلذة أو بغير لذة" -أي: بتدفّق أو بغير تدفّق-. "وقال البقية: إذا خرج بغير تدفّق فلا غسل".

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


الأحكام المتعلقة بموجبات الغسل، أو بالجنابة والحيض

الباب الثالث من أبواب الغسل: الأحكام المتعلّقة بموجبات الغسل، أو بالجنابة والحيض. يبدأ ابن رشد -رحمه الله- تحت عنوان: الباب الثالث في أحكام هذيْن الحدثيْن اللّذيْن اتفق العلماء على أنهما ناقضان للغُسل وموجبان له. يقول: "أعني: الجنابة والحيض". أمّا الجنابة فقد عرفناها بنزول المني، وأما الحيض: فهو ما يعتري المرأة في كل شهر من نزول الدم منها. وقد أضاف ابن رشد إلى هذيْن الحدثيْن الأكبريْن مسألتيْن مشهورتيْن، يكثر فيهما الاختلاف بين العلماء: مسألة التقاء الختانيْن مع نزول المني أو عدم نزوله.
المسألة الثانية: اعتبار اللّذة في خروج المني أو عدم اعتبارها. وقد بين اختلاف العلماء في تلك المسألتيْن، وأسباب الاختلاف التي أدّت إلى ذلك، وتوجيه قول كل فريق من الفقهاء.
أمّا الآن، فيحدثنا ابن رشد عن أحكام هذيْن الحدثيْن، أي: من كان به حدث من هذيْن الحدثيْن، هل يقوم بهذه الأفعال الآتية أو لا يقوم؟ وماذا قال الفقهاء فيمن عليه جنابة، أو عليها حيض؟ يقول ابن رشد: "أمّا أحكام الحدث الذي هو الجنابة، ففيه ثلاث مسائل" -ويؤجّل الكلام عن أحكام الحدث الآخَر الذي هو الحيض؛ ليتحدّث عن الدماء التي تخرج من المرأة بصفة عامة، وإن كان سيُبيِّن في كل مسألة من المسائل التالية أنّ الحائض مثل الجُنب في ذلك.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


قال ابن رشد: "إنّ أحكام الحدث -أي: الجنابة- فيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: دخول المسجد للجُنب والحائض:
يقول ابن رشد: "اختلف العلماء في دخول المسجد للجُنب على ثلاثة أقوال:
القول الثاني: "قوم منعوا ذلك، إلَّا لعابر فيه لا مقيم"، يعني: أن الجُنب لا يجوز أن يقيم في المسجد، ولا يدخله للإقامة، ولكن العبور من باب إلى باب فيجوز، كأن يكون المسجد في طريق أو موصلًا بين طريقيْن، فيعبر الجُنب من هذا الباب؛ ليخرج من الباب الآخر. يقول الإمام الشافعي: إن الجُنب ممنوع من دخول المسجد، إلَّا لعابر فيه، عملًا بالآية الكريمة: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣].
القول الثالث: "قوم أباحوا ذلك للجميع": للجُنب وللحائض، وسواء كان ذلك للإقامة، أو للعبور، أو للنوم. ومنهم داود وأصحابه، أي: أهل الظاهر.
المسألة الثانية: مَسُّ الجُنب للمصحف:
هل يجوز للجنب أن يمسّ المصحف، أم لا يجوز له ذلك؟
وهذه المسألة حكى ابن رشد أن الفقهاء اختلفوا أيضًا فيها كسابقتها، لكن على قوليْن وليس على ثلاثة أقوال.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


يقول: "ذهب قومٌ إلى إجازته" أي: يجوز للجُنب مسّ المصحف، "وذهب الجمهور إلى منعه"، والجمهور فيهم الأئمة الأربعة، يعني: الأئمة الأربعة ومن على شاكلتهم من الأصحاب ومن العلماء. "ذهب الجمهور إلى منْعه، وهم الذين منعوا من قبل أن يمسّه غير متوضئ".
إذًا عندنا في مسّ الجُنب للمصحف قولان:
القول الأول: الجواز والإباحة.
القول الثاني: المنع المطلق من ذلك، ليس فقط الجُنب، بل حتى غير المتوضئ، والمحدِث الحدث الأصغر، كما ذكرنا ذلك في أحكام الوضوء أو الأفعال التي يشترط لها الوضوء، ومنها: مس المصحف.
المسألة الثالثة: قراءة القرآن مِن الجُنب والحائض:
والآن مع ابن رشد في المسألة الثالثة من المسائل التي سمّاها: أحكام هذيْن الحدثيْن. هل يجوز للجُنب أن يقرأ القرآن؟ أو لا يجوز له أن يقرأ القرآن؟
اختلف الناس في ذلك:
فذهب الجمهور -الذين سبق ذِكر أكثرهم- إلى منْع ذلك. يقول المعلّق -جزاه الله خيرًا-: "إلى منع ذلك قليلِه وكثيره عند الشافعي وأحمد". وأجاز أبو حنيفة قراءة بعض آية، وأجاز مالك قراءة آية أو آيتيْن.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


إذًا، نحن أمام قوليْن رئيسيْن:
القول الأول: إن الجمهور يمنعون من قراءة القرآن مطلقًا. القول الثاني: ذهب قوم إلى إباحته، يجوز للجنب أن يقرأ القرآن.
وهذا كلام مطلق، لكن الأئمة استثنى بعضهم بعض الآيات للقراءة، كما يقال مثلًا في آيات الأدعية.
أما الإمام أبو حنيفة، فيجيز قراءة بعض آية، مثل آيات الدعاء: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: ٢٨٦]، أو (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) [البقرة: ٢٨٦]، أو (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) [البقرة: ٢٨٦]، أو (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: ٢٠١]، وهكذا... وأجاز مالك قراءة آية أو آيتيْن، إذًا هناك تفصيل.

١.٣ أحكام الغسل، والجنابة والحيض


xxxxxxxxxxxx

xxxxxxx