٢.١ أحكام المسح على الخفين


الخُفّان اللّذان يَجوز المَسح عليهما

الخُفّان: مُثنّى خُفّ، والخُفّ هو: ما يُلبس على القَدميْن من جِلد أو نَحوه، بحيث يكون ساتِرًا لهما إلى الكعبيْن على الأقلّ.
وقد شُرع المسح على الخُفّيْن في أحاديث عَديدة رُويت عن رسول الله حتى قيل: إنها بلغت حَدَّ التَّواتر، ذلك أنه قد يَصعُب على لابِس الخُفّيْن أن يَنزعهما عند كل وضوء، أو عند كلّ صلاة، فشُرع المَسح على الخُفّيْن للتَّخفيف على الناس؛ لأن مَنهج الإسلام ومَبدأه العام -كما سَبق أن بيّنّا- هو: التَّيسير ورَفع الحَرج، يقول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: ١٨٥].
يقول ابن رشد -رحمه الله- : وممّا يَتعلّق بهذا الباب -أي: باب الوضوء- مَسح الخُفّيْن إذ كان من أفعال الوضوء؛ لأنه يتعلّق بالقدميْن. وقد علمنا أن غَسل الرجليْن -كما جاء في الآية الكريمة- فَرْض مِن فرائض الوَضوء، فهل لا بدَّ من الغَسل، أم يَجوز المَسح إذا كانت القَدمان مَستورتان بالخُفيْن؟ ويُضيف ابن رشد: والكلام المُحيط بأصوله -أي: بأصول هذا الباب- يتعلّق بالنظر في سبْع مسائل: في جَوازه، وفي تَحديد مَحلِّه، وفي تَعيِين محلِّه، وفي صِفته -أعني: صِفة المَحل- وفي تَوقيته، وفي شُروطه، وفي نواقِضه.
إذًا، نحن أمام سبْع مسائل تجمع فيها الأحكام الخاصة بالمسح على الخفّيْن.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


حكم المسح علي الخفين وكيفيته

الخُفالمسألة الأولى: حُكم المَسح على الخُفّيْن
يُبيِّن ابن رشد أنّ حُكم المَسح على الخُفيْن، في المَشهور من أقوال الأئمة الفقهاء: هو الجَواز.
المسألة الثانية: كيفيّة المَسح على الخُفّيْن
يقول ابن رشد: أمّا تَحديد المَحلّ، فاختلف فيه أيضًا فقهاء الأمصار:
فقال قوم: إنّ الواجب من ذلك: مَسح أعلى الخُفّ، وأن مَسح الباطن -أي: أسفل الخُفّ- مُستحبّ. وممَن رأى هذا الرأي: الإمام مالك، ومعه الإمام الشافعي.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


ومن الفقهاء من أوجب مَسح ظُهورهما وبُطونهما. وهذا مذهب ابن نافع من أصحاب مالك. ومن العلماء مَن أوجب مَسْح الظهور فَقط، ولم يَستحبّ مَسح البُطون. وهذا مذهب أبي حنيفة، وداود، وسفيان، وجماعة، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل أيضًا. اختلافهم في القَدْر الذي يُجزئ من المَسح: أهو الخُفّ كلّه، أو الأسفل كلّه؟
فقال أبو حنيفة: لا يُجزئ أقلّ من ثلاثة أصابع، أي: أنّ الإنسان يَبلّ ثلاثة أصابع ويَمسح بها.
وقال الشافعي: يُجزئ مُطلق المَسح، ولو بإصبع واحد.
وقال أحمد: يُجزئ مَسح الأكثر.
أما مالك فيرى الاستيعاب لمحلّ الفرْض، أي: مَسح الجزء الأعلى كلّه، ويُستحبّ مَسح الأسفل كلّه أيضًا.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


حُكم المَسح على الجَوربيْن

الخُفالمسألة الثالثة: حُكم المَسح على الجَوربيْن
الجَوربان هما: نَوع من القُماش يلبسهما معظم الناس إن لم يكن كلُّهم، على القَدم ومع الحِذاء .وهما ما يُعرف بـ"الشُّرَّاب".
يقول ابن رشد: وأمّا نوع مَحلّ المسح: فإن الفقهاء القائلين بالمَسح اتفقوا على جَواز المسح على الخُفّيْن، واختلفوا في المسح على الجَوربيْن: فأجاز ذلك قوم، ومَنعه قوم.
وليس ذلك غريبًا ما دام الفقهاء قد اختلفوا في مُطلق المَسح على الخُفيْن، فمن باب أوْلى أن يَختلفوا في المَسح على الجَوربيْن.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


صِفة الخُفّ

المسألة الرابعة: صِفة الخُفّ
وفيها يقول ابن رشد:
وأمّا صِفة الخفّ: فإنهم اتّفقوا على جَواز المسح على الخُفّ الصَّحيح، أي: السليم، الخالي من الخُروق والقَطْع.
واختلفوا في المُخَرّق:
فقال مالك وأصحابه: يُمسح عليه إذا كان الخَرق يَسيرًا. وحَدّد أبو حنيفة بما يكون الظاهر مِنه أقلّ من ثلاثة أصابع. وقال قوم بجَواز المسح على الخُفّ المُنخَرق ما دام يُسمَّى خُفًّا، حتى وإن تفاحَش خَرقه، وممَن روي عنه ذلك: الثوري. أما الشافعي: فمنع المَسح إن كان الخَرق في مُقدّم الخُف، وظهرت منه القَدم ولو يَسيرًا، وذلك في أحد القوليْن عنه.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


مُدّة المسْح على الخُفّيْن

المسألة الخامسة: مُدّة المسْح على الخُفّيْن
يقول ابن رشد: وأمّا التوقيت، فإن الفقهاء أيضًا اختلفوا فيه.
فرأى مالك: أن ذلك غير مؤقّت، فيُمْسح على الخفيْن دون التَّقيُّد بمُدة مُعيَّنة، ولابسهما يَمسح عليهما ما لم يَنزعهما، أو تُصيبه جَنابة؛ لأن الجَنابة تَقتضي الغُسل، فلا بدَّ من خَلع الخفيْن. وبدون الجَنابة يَمسح المرء عليهما ما دام لابسًا لهما، وإن طال به الزمان. وذهب أبو حنيفة، والشافعي، إلى أنّ المَسح على الخفيْن مؤقت ومُحدّد بمُدّة مُعيَّنة وهي: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمُسافر. السبب في اختلاف الفقهاء كما يقول ابن رشد: هو اختلاف الآثار.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


وذلك أنه ورد في ذلك ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: حديث علي قال: (جَعل رسول الله ثلاثة أيّام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم)، خرجه مسلم، والنسائي.
ومعنى ذلك: أنّ المُدّة مُحدّدة بثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.
الحديث الثاني: حديث أُبيّ بن عمارة، أنه قال: (يا رسول الله، أأمسح على الخفّ؟ قال: نعم. قال: يومًا؟ قال: نعم. قال: ويوميْن؟ قال: نعم. قال: وثلاثًا؟ قال: نعم. حتى بلغ سبعًا، ثم قال: امْسَحْ ما بَدا لك).
وهذا ما استند إليه الإمام مالك في الاستدلال على أنّ المَسح غَير مؤقّت بمُدّة مُحدّدة؛ لأنه تَجاوز الثلاثة ولياليها. وهذا الأثر أخرجه أبو داود، والطحاوي، ولكنه كما قال عنه أبو داود: ليس بالقويّ.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


الحديث الثالث: حديث صفوان بن عسَّال، قال: ((كنّا في سفر فأمرنا أن لا نَنَزِع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلَّا مِن جَنابة، ولكن من بَول، أو نوم، أو غائط)). يعني: لا نَنزِع الخِفاف في حالة البَول، أو النَّوم، أو الغَائط؛ لأن هذه تُسبّب حدثًا أصغر، أمّا في الجَنابة فنَنزِعها؛ لأنها تَقتضي الغُسل.
يقول ابن رشد:
قلت: أمّا حديث علي فصحيح خَرَّجه مسلم، وهو التَّوقيت بثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم. وأمّا حديث أبيّ بن عمارة، فقال فيه أبو عمر بن عبد البَر: إنه حديث لا يَثبت، وليس له إسناد قائم؛ ولذلك قال عنه أبو داود: "ليس بالقوي"؛ فلا يَنبغي أن يُعارض به حديث علي. وأمّا حديث صفوان بن عسال، فهو وإن كان لم يُخرجه البخاري ولا مسلم، فإنه قد صَحّحه قَوم من أهل العلْم بحديث الترمذي، وأبو محمد ابن حزم، وهو بظاهره مُعارض بدليل الخِطاب، لحديث أبيّ كحديث علي.
وقد يُجمع بينهما فيقال: إن حديث صفوان وحديث علي خَرَجَا مَخرج السؤال عن التَّوقيت، وحديث أُبيّ بن عمارة نَصّ في تَرك التوقيت، لكن حديث أبيّ لم يَثبت بعد.فعلى هذا، يَجب العمل بحديث علي وصفوان، وهو الأظهر، ويَجب التوقيت بمُدّة مُعيّنة، كما يَجب نَزع الخفّ عند الجَنابة، إلَّا أن دليل الخِطاب في ذلك يُعارضه القياس، إذ التَّوقيت غير مُؤثر في نَقض الطهارة؛ لأنّ النواقض هي: الأحداث الصغرى، من بول، أو نوم، أو غائط، أمّا الجَنابة فحدث أكبر يَجب نَزع الخفيْن فيه.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


شُروط المسْح على الخفّيْن

المسألة السادسة: شُروط المسْح على الخفّيْن:
وفيها يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأمّا شَرط المَسح على الخفيْن: فهو أن تكون الرِّجْلان طاهرتان بطُهر الوضوء، بمعنى: أنّ الإنسان يتوضأ أولًا وضوءًا كاملًا يَغسل فيه الرِّجليْن، ثم يَلبس الخفيْن على هذه الطهارة. فإذا جاء وقت الوضوء الآخر بعد ذلك، مَسَح على الخفيْن؛ لأنه لبسهما على طهارة. يقول ابن رشد: وذلك شيء مُجمَع عليه، إلَّا خِلافًا شاذًّا -والخِلاف الشاذ لا يُعتدّ به-.
وقد روى ذلك ابن لبابة في (المُنتخب) عن ابن القاسم، عن مالك. وقال به الأكثر؛ لثبوته في حديث المُغيرة وغيره، إذ أراد أن يَنزع خُفّ الرسول فقال: (دَعْهُما، فإنّي أدخلتُهما وهما طاهرتان)، ومعني ذلك: أنّ النبي نَهاه أن يَنزع خُفيْه؛ لأنه أدخل رجْليْه فيهما وهما طاهرتان. والمُخالف حَمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية.

٢.١ أحكام المسح على الخفين


نواقِض المسْح على الخفّيْن

المسألة السَّابعة: نواقِض المسْح على الخفّيْن:
ما ينقض المَسح على الخفّيْن، وما يُوجب نَزعهما، وبدء الطهارة الكاملة من جديد:
يقول ابن رشد: "أمّا نَواقض هذه الطهارة، فإنهم -أي: الفقهاء- أجمعوا على أنها نواقض الوضوء بعَيْنها".
فكلّ ما يَنقض الوضوء ينقض المَسح على الخفيْن. ونواقض الوضوء منها ما يَخرج من السبيليْن، ومنها زوال العَقل بسُكْر أو مرض، ومنها لمْس الرجل للمرأة الأجنبية من غير حائل -على خلاف بين الفقهاء كما سنحكيه فيما بعد-. فكل ما ينقض الوضوء ينقض المسح على الخفيْن، وكلّ ما يُوجب الوضوء من جديد يُوجب المسح على الخفّ من جديد.