١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


أولًا: مفهوم الطهارة والوضوء

بيّن الإمام ابن رشد -رحمه الله- اتّفاق المسلمين على أنَّ الطهارة الشَّرعية تَنقسم إلى قسميْن:
القسم الأول: طهارة من الحَدث.
القسم الثاني: طهارة من الخَبث.
فما هي الطهارة؟ وما هو الحَدث؟ وما هو الخَبث؟
مفهوم الطهارة لغةً وشرعًا:
الطهارة لغةً: النَّظافة، والتَّخلص من الأقذار ومن النَّجاسات.
الطهارة شرعًا: إزالة حُكم الحَدث؛ لأداء الصلاة أو غيرها ممّا تُشتَرط فيه الطهارة بالماء، أو بالبَديل عَنه، وهو التَّيمم.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


الحَدَث لغةً وشرعًا:
أما الحَدثُ لغةً، فهو: الشَّيء الطارئ.
وشرعًا: صِفة أو وَصف يتعلَّق بالمُكلَّف، يَمنعه من إقامة الصلاة إذا لم يَتخلَّص منه.
والحَدث نوعان:
حَدثٌ أصغر: وهو الذي يَتطلَّب الوضوء.
وحَدثٌ أكبر: وهو الذي يَتطلّب الغُسل بتَعميم الجَسد بالماء الطاهر.
أمّا الخَبث: فهو النَّجاسة، سواء كانت خَمرًا، أو خِنزيرًا، أو دَمًا، أو ميتة، أو بَولًا، أو بُرازًا، أو غير ذلك من أنواع النَّجاسات، وتُسمَّى: الأخباث.
والطهارة مَطلوبة في كل الأحوال من الحَدث صَغيرًا كان أو كَبيرًا، ومن الخَبث، أي: النجاسة العَينيّة ونحو ذلك...
والطهارة صِفة من صِفات المؤمن؛ لأن الرسول يقول: (الطَّهور شَطر الإيمان). والله -تبارك وتعالى- كما جاء في كتابه الكريم: (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة:٢٢٢].

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


أنواع الطهارة: طهارة من الحَدث، وطهارة من الخَبث:
والطهارة من الحَدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغُسل، وبَديل وهو: التيمم:
تابع ابن رشد كلامه فقال: "واتفقوا -أي: اتفق العلماء- على أنَّ الطهارة من الحَدث -سواء كان أصغر أو أكبر- ثلاثة أصناف".
فهو يقسم الطهارة من الحدث إلى أصناف ثلاثة: الوضوء، والغسل، والبديل عنهما عند عدم تحقّقهما أو عدم القدرة على استخدام الماء، لعدم وجوده أو لعدم القدرة على استخدامه، وهو: التيمم، أي: قَصْد التُّراب الطَّاهر لضَرْبه ضربتيْن بالكفّيْن، ضَربة للوجه نَمسح بها الوجه، وضَربة نَمسح بها اليديْن.
يقول ابن رشد: وذلك لتضمّن آية الوضوء الواردة في ذلك هذه الأصناف الثلاثة.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


الباب الأول: الدليل على وجوب الوضوء وعلى مَن يَجب

يبدأ ابن رشد -رحمه الله- بكتاب الوضوء فيقول: "إن القَول المحيط بأصول هذه العِبادة، يَنحصر في خَمسة أبواب:
الباب الأول: في الدليل على وجوبها، وعلى مَن تَجب، ومتى تَجب؟
الباب الثاني: من أبواب الوضوء: في مَعرفة الأفعال المَطلوبة في الوضوء.
الباب الثالث: في معرفة ما به تُفعل هذه الأفعال، وهو: الماء.
الباب الرابع: في مَعرفة نَواقِضها -أي: نواقض الوضوء حتى يتطلَّب وضوءًا جديدًا-.
الباب الخامس: في مَعرفة الأشياء التي تُفعل من أجْلها، أي: لماذا نَتوضأ؟ ومتى نَتوضأ؟
نحن نَعلم أنَّ الصلاة من شُروط صِحتها: الوضوء، أو الطهارة، وكذلك الطَّواف، وهناك أمور أخرى تحتاج إلى وضوء أو تحتاج إلى طهارة، وهذا ما سيتعرض له ابن رشد في الباب الخامس.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


الدليل على وجوب وفَرضية الوضوء:
فهو الكتاب، والسُّنّة، والإجماع.
أما من الكتاب: فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:٦]؛ وهذا أمْر من الله بعد نِداء المؤمنين: أن يَغسلوا (فَاغْسِلُوا)[المائدة:٦]، والأمر يَدلُّ على الوجوب.
يقول ابن رشد: "فإنه اتفق المُسلمون على أنّ امتثال هذا الخِطاب واجب على كلّ مَن لزمتْه الصلاة إذا دَخل وقتها".
وأما من السّنة النبوية: قوله : (لا يَقبل الله صلاةً بغَير طَهور، ولا صَدقةً من غُلول). ويقول: (لا يَقبل الله صلاةَ مَن أحدث حتى يَتوضّأ). وهذان الحديثان -كما يقول ابن رشد- ثابتان عِند أئمة النَّقل.
وأمّا الإجماع: فإنه لم يُنقل عن أحد من المسلمين في ذلك خِلاف، ولو كان هناك خِلاف لنُقل، إذ العادات تَقتضي ذلك؛ فلم يُؤثَر عن أحد من المسلمين خِلاف في أنَّ الطهارة بالوضوء واجبة كما جاء في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


مَن الذي تَجب عليه هذه الطهارة؟ أو مَن الذي يجب عليه الوضوء؟
ُبيِّن ابن رشد: أنَّ الذي يَجب عليه ذلك هو: البالغ العاقِل؛ وذلك ثابت بالسُّنّة والإجماع:
أما السَّنة: فقوله : (رُفِع القَلم -أي: التكليف- عن ثلاث:فذكَر الصّبيَّ حتى يَحتَلم، والمَجنون حتى يفيق). -ونحن نعلم أن الثالث: (النائم حتى يَستيقظ). ومن هذا يَتبيَّن أنّ الصبي لا وَضوء عليه، أمَّا إذا أراد الصلاة فنعلِّمه الوضوء؛ لأنه لم يَصِل سِنّ التَّكليف بعد. وكذلك المَجنون لا وضوء عليه؛ لأنه لا يَعْقِل ما يَفعل.
وأما الإجماع: فإنه لم يُنقل خِلاف في وجوب الوضوء على البالغ العاقِل لأداء الصلاة. ثم يَنتقل ابن رشد إلى الكلام عن وَقت وجوب الطهارة بالوضوء، متى تَجب هذه الطهارة؟ فبيّن أن هذه الطهارة تَجب في حاليْن:
الأول: إذا دخل وقت الصلاة؛ لأن الصلاة فَريضة (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء:١٠٣]، ولا يَتحقق القِيام بالصلاة إلَّا إذا تَطهّر الإنسان واستعدّ لها بالوضوء.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


الثاني: إذا أراد الإنسان أن يَفعل شَيئًا من الأشياء التي يُعَدّ الوضوء شَرطًا فيها، كالطواف مثلًا، وإن لم يكن ذلك متعلقًا بوَقت؛ فمن أراد أن يَطوف فعليه أن يَتوضّأ كما يتوضأ للصلاة. أما وجوبه: فعلى المُحدِث عند دخول وقت الصلاة، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا) [المائدة:٦]؛ فأوجب الله تعالى الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ومن شروط الصلاة دخول الوقت.
وأمَّا دليل وجوب الوضوء عند القيام بأي فِعل من الأفعال التي يُعْتبر الوضوء شرطًا فيها، فيحيل ابن رشد الكلام على ذلك إلى ما بعد -إن شاء الله-؛ لأنه سيُفصِّل ذلك. وقد نَبهنا إلى أنّ من أمثلة ذلك: إرادة الطَّواف؛ فالطَّواف لا يَجوز إلا بالوضوء كالصلاة تمامًا، كما جاء في حَديث الرسول: (الطَّواف كالصلاة إلَّا أنَّ الكلام مباح فيه).

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


الباب الثاني: مَعرفة أفعال الوضوء

ما المُراد بأفعال الوضوء؟
هي الحَركات والأعضاء التي يتحقّق بها إتمام الوضوء. والوضوء أيضًا، يعني: الوَضاءَة، والحُسن، والنَّظافة، كالطهارة تمامًا. أما شرعًا: فهو القيام بغَسل أعضاء من الجِسم مَخصوصة، بطريقة مَخصوصة، مع النِّية عند بعض الفُقهاء. يقول ابن رشد: "أما مَعرفة فِعل الوضوء، فالأصل فيه ما وَرد من صِفته في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:٦]. إذًا الآية الكريمة نَصَّت على وجوب غَسل الوجوه، والأيدي إلى المَرافق، ومَسح الرأس، وغَسل الأرجل إلى الكَعبيْن؛ هذه أعضاء أربعة يَجب القيام بها كما ذَكَرتْها الآية الكريمة، والقيام بها بغَسلها؛ لأن الآية تقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:٦].

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


كما وردت صِفة الوضوء في أحاديث النبي التي ذَكَرت صِفة وضوء النبي. يقول ابن رشد: "ويتعلّق بذلك مسائل اثنتا عَشرة مشهورة تَجري مَجرى الأمّهات، وهي راجعة إلى مَعرفة الشُّروط والأركان، يعني: شُروط الوضوء، وأركان الوضوء، وصفات الأفعال، وأعدادها، وتَعيينها وتَحديد مَحل أنواع الأحكام في جَميع ذلك. يُريد ابن رشد أن يُبيِّن في هذا الباب جَميع الأفعال المُتعلقة بالوضوء.
المَسألة الأولى: النِّية:
ويَعدُّ هذه المَسألة من الشُّروط؛ لأنها ليست فِعلًا. هل النِّية فِعل؟ لا. النِّية ليست فعلًا؛ لأنّ مَحلّها القَلب، فهي ليست فعلًا من الأفعال، ولكنها تُعدّ من شُروط غَسل الأعضاء -أي: من شُروط الوضوء.
المسألة الثانية: غَسْل الكَفّيْن:
المُراد بالكَفّيْن: أطراف اليَديْن، فهل غَسلهما جُزء من أفعال الوضوء؟ أو أن المَقصود هو اليدان إلى المرفقيْن؟ -كما جاء في الآية الكريمة-.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


اختلف الفقهاء في غَسل اليد قَبل إدخالها في إناء الوضوء. فهل غَسل الكفيْن قَبل إدخالهما في إناء الوضوء واجب أو ليس واجبًا؟
يقول ابن رشد: "ذهب قوم إلى أن غَسل الكفّيْن من سُنن الوضوء مطلقًا، وإن كانت اليد طاهرة، وإن تَيقّن طهارة اليد؛ وهذا الرأي هو مَشهور مذهب مالك، والشافعي. وقيل: إنه مُستحب للشاكّ في طهارة اليد، وهو أيضًا مَروي عن مالك. وقيل -وهذا رأي ثالث-: إن غَسل اليد واجب على المُنتبه من النَّوم -يعني: يفرّق بين حالة اليَقظة فلا يكون واجبًا، وبين حالة القيام من النوم فيكون غسل الكفين فيها واجبًا-، وبه قال داود وأصحابه.وفَرَّق قوم بين نَوم الليل ونَوم النهار، فأوجَبه في نَوم الليل، ولم يُوجب غَسل الكفيْن في نَوم النهار، وبهذا قال الإمام أحمد بن حنبل.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


يقول ابن رشد: فتحصّل من ذلك أربعة أقوال:
قول: إنه سُنّة بإطلاق -أي: غَسل الكَفيْن-.
وقول: إنه استحباب للشاكّ في طهارة اليد.
وقول: إنه واجِب على المُنتبه من النَّوم مُطلقًا.
وقول: إنه واجِب على المُنتبه من نَوم الليل فَقط دون نَوم النهار".
إذًا، عندنا أربعة أقوال للفقهاء في غَسْل الكَفين قبل المضمضة والاستنشاق وغير ذلك... فما السبب في اختلاف الفقهاء في هذه القضية؟
المسألة الثالثة: المضمضة والاستنشاق:
ابن رشد -رحمه الله- حكى أقوال الفقهاء الثلاثة في حُكم المضمضة والاستنشاق: فقول يَرى: أنهما سُنّة في الوضوء. وقول يَرى: أنهما فَرض. وقول يَرى: أنّ الاستنشاق فَرض، والمضمضة سُنّة. والراجح من ذلك: أنهما سنتان، وهو قَول جمهور العلماء الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


المسألة الرابعة: غَسل الوجه:
يقول ابن رشد: "اتفق العلماء على أنّ غَسل الوجه بالجُملة من فرائض الوضوء، يعني: ما يُطلق عليه اسم: "الوجه"، دون الدخول في تفاصيل تَتعلّق بالمضمضة، أو الاستنشاق، أو بالأذنيْن، والعِذار، وغير ذلك من التفاصيل. واتفق العلماء على أنَّ غَسل الوَجه بالجُملة من فرائض الوضوء؛ لقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة:٦].
المسألة الخامسة: غسْلُ اليديْن:
يقول ابن رشد: إن العلماء قد اتفقوا على أن غَسل اليديْن والذِّراعين من فُروض الوضوء، عملًا بالآية الكريمة وهي قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة:٦].
المسألةُ السادسةُ: مَسْح الرأس:
اتفق العلماء -كما يقول ابن رشد -رحمه الله- على أنّ مَسح الرأس من فُروض الوضوء. وذلك لأنَّ الآية الكريمة نَصّت على ذلك: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة:٦].
المسألة السابعة: التثليث في الوضوء:
يقول ابن رشد: اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المَغسولة في الوضوء أو في الغُسل هو: مَرّةً مَرّةً إذا أسبغ.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


فما دام الماء قد عَمّم العضو من أعضاء الوضوء، أو عمَّم الجَسد عند الحَدث الأكبر، فهذا كافٍ، وهذا هو الفَرض، وأنَّ الاثنيْن والثلاث مَندوب إليهما. وهو من باب الاستحباب وليس من باب الفَريضة؛ لما صَحَّ عند مُسلم: (أنه تَوضأ مَرة مَرة، وتَوضأ مَرتيْن مَرتيْن، وتَوضأ ثلاثًا ثلاثًا).
المسألة الثامنة: المَسْحُ على العِمامة:
والعِمامة هي: غِطاءُ الرأس. يقول ابن رشد: "اختلف العلماء في المَسح على العِمامة، بديلًا عن مَسح الرأس، أو عن مَسح الشَّعر". فأجاز ذلك أحمد بن حنبل، بشرط أن يكون تَحت الحَنك منها شيء، كما أجازه أبو ثور، والقاسم بن سلام، وجماعة. ومَنع من ذلك جماعة منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


المسألة التاسعة: مَسح الأذنيْن:
يقول ابن رشد: اختلفوا في مَسح الأذنيْن هل هو سُنة أو فَريضة؟ وهل يُجدّد لهما الماء أم لا؟ فذهب بعض الناس إلى أنّ مَسح الأذنيْن فَريضة، وأنه يَجب تَجديد الماء لهما. وممّن قال بهذا القول جماعة من أصحاب مالك، ويتأوّلون مع هذا أنه مذهب مالك؛ لقوله فيهما: إنهما من الرأس، وما دام الله قد فَرض مَسح الرأس، فالأذنان مِن الرأس فيَجب مَسحُهما.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: مَسحُهما فَرْض كذلك، إلَّا أنهما يُمسحان مع الرأس بماء واحد. وقال الشافعي: مَسحهما سُنة ويُجدّد لهما الماء. وقال بهذا القول أيضًا: جماعة من أصحاب مالك، ويتأوّلون أيضًا أنه قول الإمام مالك؛ لِما روي عنه أنه قال: حُكم مَسحهما حُكْم المضمضة.
المسألة العاشرة: غَسل الرجلين:
يقول ابن رشد: اتفق العلماء على أنَّ الرجليْن من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما. أمَّا الاتفاق فسببه الآية الكريمة: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:٦]، أي: اغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المَرافق، وأرجُلَكم إلى الكعبيْن.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


المسألة الحادية عشرة: الترتيب:
يحكي ابن رشد اختلاف العلماء في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على ما جاء في الآية الكريمة، بمعنى: أن نَبدأ بالوجه، ثم اليديْن إلى المرفقيْن، ثم مَسح الرأس، ثم غَسل الرجليْن إلى الكَعبيْن، على نَسق الآية.
قال قوم: إن هذا التَّرتيب سُنة، وهو الذي حكاه المُتأخِّرون من أصحاب مالك عن المَذهب، وبه أيضًا قال أبو حَنيفة والثَّوري وداود.
وقال قوم: هو فَريضة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو عُبيد. هذا كلّه في ترتيب المَفروض مع المَفروض، يعني: لا نُقدِّم اليديْن إلى المرفقيْن على الوجه، أو لا نُقدِّم مَسح الرأس على اليَديْن، أو لا نُقدِّم غَسل الرجليْن على مَسح الرأس. وأمّا ترتيب الأفعال المَفروضة مع الأفعال المَسنونة، فهو عند مالك مُستحبّ مثل: المَضمضة، والاستنشاق، ومَسح الأذنيْن. وقال أبو حنيفة: هو سُنة أيضًا.

١.١ مفهوم: الطهارة، وأفعال الوضوء


المسألة الثانية عشرة: المُوالاة:
إذا كنتُ أتوضأ، فهل المَطلوب مني أن أتمّم جَميع الأفعال من أوّل المَضمضة والاستنشاق، إلى نهاية غَسل الرجليْن إلى الكعبين دُفعة واحدة، أم يَجوز الفَصل بين عُضو وعُضو آخر بطعام أو شراب أو غير ذلك؟ هذا معنى المُوالاة.
اختلف العلماء في المُوالاة في أفعال الوضوء:
فذهب مالك (رضي الله عنه)، وأحمد بن حنبل (رضي الله عنه) ، إلى أن المُوالاة فَرض مع الذِّكر ومع القُدرة. فما دام الإنسان مُتذكرًا وقادرًا، يَجب عليه ذلك، أمّا إن كان ناسيًا أو مَعذورًا فتَسقط عنه المُوالاة؛ ولذلك فمذهب مالك أن المُوالاة فرض مع الذِّكر و القُدرة، ساقِطة عند النِّسيان، والذِّكر مع العُذر، ما لم يَتفاوت التَّفاحُش والتَّباعد بين الأمريْن. وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنّ المُوالاة ليست من واجبات الوضوء.