٣.٢  لم كانت أمة الإسلام هي المكلفة شرعا بالدعوة إلى الله دون غيرها من الأمم


إنّ أمّة الإسلام اختصّها الله من بين أُمَم الأرض بواجب الدّعوة إلى الله، وشرَّفها دون غَيرها بحَمْل الأمانة، وتَبليغ الرسالة، وتَقديم النُّصح لشعوب العالَم؛ وذلك للأسباب التالية:

الأول
هي الأمة الوَحيدة التي تَحمل على عاتِقها وَحْيَ السماء، ورسالات الأنبياء، من لَدُن آدم إلى أن يَرث الله الأرض ومَن عليها. فبعد أنِ اندثرت الكُتب السابقة، وحُرّف ما بَقي منها إثر انتهاء حياة النبي أو الرسول، أصبحت الأمّة الإسلامية هي الآن الأمينة على شَرع الله، والمُؤتَمَنة على عقائد البَشر، المُصحِّحة لِمَا انحرف منها، الدّالّة على المَنهج القَويم والسلوك المستقيم في شتّى جَوانب الحياة، عقائدياً وأخلاقياً وسياسياً واقتصادياً، قال تعالى : ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)).

الثاني
هذه الأمّة صاغَها القرآن الكريم صياغة فَريدة، وربّاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- تَربية مُميّزة، تؤهِّلها لهداية البشَر، قال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)).



٣.٢  لم كانت أمة الإسلام هي المكلفة شرعا بالدعوة إلى الله دون غيرها من الأمم


الثالث
هذه الأمّة بما تَحْمله من دِين الله، وبما أوجبه الله عليها مِن تَبليغه ونَشْره، هي اليد الحارسة الأمينة على كلّ مَعروف وخَير وبِرّ، والعَين الساهرة على حُرمات الله وحُدودِه، تَرصد كلّ مُنكر وتَتعقّبُه، وتَنهَى عنه وتُجْهِز عَليه، وتَتصدّى للظّلم والبَغي وتَقضي عليه. وهي بهذا التَّفويض الإلهي شاهِدةُ صدقٍ وحقٍ على الأمم السابقة ومَواقفها من أنبيائها، قال تعالى:((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)).وهي أيضاً مَسؤولة عن صلاح البشَر وإصلاحهم إلى يوم القيامة، قال تعالى: ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ)).

الرابع
إنّ هذه الأمّة أمّة راكعةٌ ساجدةٌ عابدةٌ، مجاهدةٌ في سبيل الله، ومُختارة من بيْن أمم الدنيا، لتَنال شَرف اجتباء الله لها، وشهادة الأنبياء بأحقِّيّتها، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)).



٣.٢  لم كانت أمة الإسلام هي المكلفة شرعا بالدعوة إلى الله دون غيرها من الأمم


الخامس
حينما يتلفّت الإنسان حَوله ويُبصِر أحوال العالَم بأسرِه، يجِد دُوَلاً قَويّةً تدَّعي العَدل وتزعُم الحُرية والديمقراطية ونُصرة الشُّعوب، وهي في الحَقيقة والواقع مصدرُ الخَوف والاضطراب في العالَم. أيدي هذه الدول مُلطَّخة بدماء الشُّعوب، وتاريخها تاريخ أسود، سوَّدتْه بما ارتَكبتْه في حَقّ الأمم من نَهب خيراتها وثَرواتها، والقضاء على آمالها في أن تحيى حياة آمنة كريمة. وقد اصطنعت هذه الدّول مؤسسات عالَميّة وهيئات دوليّة، كالأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وغيرهما، تُحرِّكِها كالدُّمى وتُسخِّرها لأغراضها، والوَيل لمَن يَرفع يَده مُعتَرضاً، أو يَعلو صوته مُحتجاً. وكان حصاد الإنسانية -ولا سيما العالَم الإسلامي- مُؤلماً ومَريراً؛ فاختلَّت القِيم الإنسانية، ومُسِخت الفِطرة البشرية، وعمَّ الظُّلم وفَسدت الأخلاق، قال تعالى:((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)).

هذا كلّه يُلقِي العِبء على أمّة الإسلام، ويُلزِمها أن تَتصدّى لِكلّ عوامِل الفَساد والانحراف. وهي مُهيّئة تماماً لهذا الأمْر بما تَحمِله من خصائص وثوابت شرَّفها الله بها، وإمكانات وموارد حباها الله بها، لِتُسخِّر جزءاً منها للدّعوة إلى الله. والظروف العالمية والتهيؤ النفسي والاستعداد القلبي صالح تماماً لنجاح الدعوة إلى الله واستمرارها. وعوامل الفَوز والفَلاح للدّعاة مُتحقّقة بما يلي:

الأول
إنّ دفاع الله عن عباده، وتأييده لهم، وتَمكِينهم في الأرض، سُنَّة من سُنن الله في هذا الكون لا تَتخلّف، قال تعالى:((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ...

٣.٢  لم كانت أمة الإسلام هي المكلفة شرعا بالدعوة إلى الله دون غيرها من الأمم


... آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)).
وما على أمّة الدّعوة إلاّ أن تَستَشعر حَقيقة هذا التأييد والوَعد، وأن تَعمل بكلّ طاقاتها لتحصيل أسبابه، وأن يَتعمَّق في مشاعِرها وعُقولها
أنّ هذا وعْد من الله مُحقّق لا يَتخلّف، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)).

الثاني
إنّ عُلوّ كلمة الحق وغَلبة أهله، وإزهاق الباطل وهَزيمة حِزبه، عَدلٌ إلهي مُتحقَّقٌ، وسُنّة كَونيّة لا تَتخلّف. قد يَتعثَّر الحَق أحياناً لضَعف
يعْتري أصحابه، قد يَتخلَّف أحياناً لابتلاء أعوانِه واكتشاف معادن إيمانهم وقُوة عَقيدَتهم، وقد يتأخّر لأن قَومه لا يَملكون مُقوِّمات إظهاره... ولكن في النهاية لا بدَّ للحق أن تَعلو رايتُه، وتَخفِق أعلامُهُ، ويَسودَ أهلُهُ، وأن الباطل مهما عَلا صَوته سيأتي وقتٌ يأذن الله فيه بانكسار شَوكتِه، واندحار جُنده، وفَضيحة حِزبه، قال تعالى: ((وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)).

٣.٢  لم كانت أمة الإسلام هي المكلفة شرعا بالدعوة إلى الله دون غيرها من الأمم


فشأن الحَق في ارتفاع، وأمْر الدعوة إلى الله في انتشار، وجُند الله ودُعاته سيُكتب لهم الانتصار، قال تعالى:((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ
وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ))، أي: الإسلام. ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).
قال تعالى: ((إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ
الدَّارِ)).
الثاني
إنّ عُلوّ كلمة الحق وغَلبة أهله، وإزهاق الباطل وهَزيمة حِزبه، عَدلٌ إلهي مُتحقَّقٌ، وسُنّة كَونيّة لا تَتخلّف. قد يَتعثَّر الحَق أحياناً لضَعف
يعْتري أصحابه، قد يَتخلَّف أحياناً لابتلاء أعوانِه واكتشاف معادن إيمانهم وقُوة عَقيدَتهم، وقد يتأخّر لأن قَومه لا يَملكون مُقوِّمات إظهاره... ولكن في النهاية لا بدَّ للحق أن تَعلو رايتُه، وتَخفِق أعلامُهُ، ويَسودَ أهلُهُ، وأن الباطل مهما عَلا صَوته سيأتي وقتٌ يأذن الله فيه بانكسار شَوكتِه، واندحار جُنده، وفَضيحة حِزبه، قال تعالى: ((وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)).

٣.٢  لم كانت أمة الإسلام هي المكلفة شرعا بالدعوة إلى الله دون غيرها من الأمم


الثالث
إنّ أمم الكُفر ودوَل الظُلم والبَغْي قد انفضَح أمْرها، وانكشفت سَوْءتها أمام العالَم؛ فشعوبُهم، وإن تَقدَّمت عِلمياً ومادياً، وتَفنّنت في
أساليب التَّرف والانغماس في الشَّهوات، إلاّ أنهم فقدوا طمأنينة القَلب، وانشراح الصَدر، واستقرار النَّفس، فانتشرت عوامِل القَلق والتَّوتر والاكتئاب، وكَثُرت حوادث الانتحار، وزادت مُعدَّلات الجَريمة، وغدا الناس غَير آمنِين على أموالِهم وأعراضِهم.
وهذه الأحداث، وذلك الخواء الروحي، والإفلاس الفِكري، والانهيار الخلُقي، والفوضى التي انتابت العالَم، والفِتن التي تَعْصف بشعوبه،
يُلقي عِبئاً ثَقيلاً على أمّة الإسلام، ويَضع على عاتِقها -إن طَوعاً أو كَرهاً- إصلاح الفِطرة الإنسانية التي فَسدت؛ فهي الأمّة المُهيّئَة لذلك، والمَسؤولة أمام الله عن هداية الأمم للنور المُبين، والصراط المستقيم.
قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)).
فالدّعوة إلى الله باقية ما دامت السماوات والأرض، مُستمرّة ما تعاقَب الليل والنهار، وسوف يُمكِّن الله للدّعاة في الأرض إذا ما خَلُصت
النِّيّة، وتَحرّر المسلمون من التَّبعيّة، ووحّدوا جُهودهم، واستغلّوا مَواردهم، ونظّموا شُؤونهم وفق شرْع الله وأحكامه، قال تعالى: ((وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)).