١.٢  حكم تبليغ الدعوة، وآراء العلماء في هذا


إن الأمّة الإسلامية في مَجموعها أمّةُ الدّعوة إلى الله، ولقد أوضح القرآن الكريم، وبيَّنت السُّنّة النبوية الشريفة، حُكمَ تَبليغ الدّعوة إلى الله؛ ومِن خِلال نُصوص الكتاب والسُّنة، قسَّم العلماء هذا الحُكم إلى قسميْن:

لقسم الأول
إنّ الدّعوة إلى الله فَرْض عَيْن على الأنبياء والمرسَلين، ثم العلماء الذين فقِهوا دين الله، ووقفوا على أحكامه، وتَعرَّفوا على شَرائعه.

أدلّة الوجوب من القرآن الكريم
ما أمَر الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم- في أوائل ما نَزل من الوحي، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)).
وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)).
ولقد أمَر الله المسلمين أن تَكون مِن بينهم جماعةٌ تَتَفرّغ للدّعوة والقيام بأمْرها، قال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)).
الأدلّة من السنة النبوية الشريفة
وأنها فَرْض عَين على العُلماء، يشاركُهم في المَسؤولية ولاةُ الأمر من حُكَّام المسلمين وزُعمائهم:


١.٢  حكم تبليغ الدعوة، وآراء العلماء في هذا


عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((مَن رأى منكم مُنكراً فليُغيِّرْه بيَده، فإن لم يَستطع فبِلسانه، فإن لم يَستطع فبقَلبه؛ وذلك أضعفُ الإيمان))، رواه مسلم.
وعن حذيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده! لتأمُرُنّ بالمَعروف ولتَنهوُنّ عن المُنكر، أو ليوشكنّ اللهُ أن يَبعث عَليكم عِقاباً منه، ثم تَدْعونه، فلا يُستجاب لكم))، رواه الترمذي بإسناد حسَن.
القسم الثاني
هو حقّ على جَميع المسلمين، كفَرْض كِفاية، إذا قام به البَعض سَقط الإثم عن الجَميع. أمّا إن تقاعست الأمّة عن التَّناصُح فيما بينها، فإنّ الجَميعَ مسؤولون عن هذا التقاعس ويأثمون عليه.

أدلة القرآن على ذلك
قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)).
قال ابن كثير: "هذه الآية عامّة في جَميع الأمّة كلّ قَرن بحَسَبه".
وقال تعالى آمراً المسلمين جميعاً بالتعاون فيما بينهم على البِرِّ والتقوى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)).


١.٢  حكم تبليغ الدعوة، وآراء العلماء في هذا


ومِن السُّنّة
عن أبي رُقيَّة تَميم بن أوس الدَّاري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الدِّين النَّصيحة))، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: ((للهِ، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم))، رواه مسلم.
ولقد بيّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مَسؤولية المُجتمع المسلم، ووجوب التَّناصح فيما بَينهم، وأثَرَ ذلك في نَجاة المُسلمين من الفِتن والأحداث؛ فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-: أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَثل القائمِ على حُدود الله والواقع فيها كمثَلِ قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها؛ فكان الذين في أسفلها إذا استقوْا من الماء مرّوا على مَن فَوقَهم، فقالوا: لو أنّا خَرقْنا في نَصيبنا خَرْقاً ولم نُؤذِ مَن فوقَنا. فإن يَتْركوهم وما أرادوا، هلكوا جَميعاً. وإن أخذوا على أيديهم، نَجَوْا، ونَجَوْا جَميعاً))، رواه البخاري.
ركّزْ:
ممّا سبق، يتَّضح عِظم أمْر الدّعوة إلى الله، وشَرف القيام بتَبليغ الإسلام ونَشْره، وأنّ هذا فَرْض عَيْن على العُلماء والأمراء، وأنه فَرْض كِفاية على مَجموع الأفراد، يقومون به وفْق قُدرات كلّ فَرد وإمكاناته، وحَسب مسؤولياته تجاه أهله.