١.١  التعريف بالدعوة وحاجة البشر إليها


التعريف بالدعوة

الدعوة في اللغة :
جاء في لسان العرب: "الدعوة": المَرة الواحدة من الدّعاء.
و"الدُّعاة": قومٌ يدْعون إلى بَيعة هدىً أو ضلالةٍ، واحدُهم: داعٍ. ورجُل داعِيَة، إذا كان يدعو الناس إلى دِين أو بدعة، وأُدخِلت الهاء في
"داعية" للمبالغة.

الدعوة في اصطلاح العلماء:
عُرِّفت بعِدّة تَعريفات، أوفاها بحق أبعاد الدعوة ما يلي:
هي حَثّ الناس على الخَير والهُدى، والأمْر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ليَفوزوا بسعادة العاجل والآجل.



١.١  التعريف بالدعوة وحاجة البشر إليها


حاجة البشر إلى الدعوة إلى الله

لقد خلَق الله الإنسان في أحسن تقويم، واستخلفه في أرضه، وائْتَمَنَه على بعض أسرار كوْنه، وفضَّله على كثيرٍ مِن خَلْقه. قال تعالى:
((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)).
هذا التكريم والتفضيل ليس لكوْن الإنسان يأكل، أو يشرب، أو يتناسل؛ فهذه أمور يَشترك فيها مع كثير من الكائنات، ولكنْ خَلقه الله
لرسالة كريمة وغاية عُظمى، تَنحصر في الأمور التالية:

الأول
استخلاف الله للإنسان في الأرض، وتسخير الكون لخدمته. قال تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)).




١.١  التعريف بالدعوة وحاجة البشر إليها


الثاني
تحمُّل الأمانة التي شرَّفه الله بحَمْلها، واصطفاه للقيام بأعبائها، وتقبَّلها طَواعيةً، بينما اعتذرت السماوات والأرض والجِبال عنها، لِعِظم شأنها وخُطورة تبِعاتها. قال تعالى: ((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)).


الثالث
عبادة الله -سبحانه وتعالى- وطاعتُهُ، والتزام ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. قال تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)).


الرابع
تَوطيد الرَّوابط الأُسَريّة من خِلال النَّسب والمُصاهرة. قال تعالى: ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)).
كما عمّق العلاقات الإنسانية بالتعارف والتعاون. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)).





١.١  التعريف بالدعوة وحاجة البشر إليها


ولن يستطيع الإنسان أن يُحقِّق هذه الأمور بنفسه، أو أن يَمضيَ في الحياة مُعتمداً على عَقله فقط، أو أن يَسير وفْق رغباته ونَزواته وتَبَعاً لأهوائه؛ فكان من رَحمة الله بالبَشر أن أرسل لهم الأنبياء والمرسلين، وأيّدهم بالوحي والمعجزات، ليدْعُوا الناس إلى الطَّريق المُستقيم. قال تعالى: ((رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)).


حاجةُ البشرية الشديدة للدّعوة إلى الله

هذا، ولقد ظهرت حاجةُ البشرية الشديدة للدّعوة إلى الله، التي تَرتكز على وحْي السماء، ورسالات الأنبياء، وسلوك الأتقياء، وذلك للأسباب التالية:


الأول
الصراع بين الإنسان والشيطان؛ فلو تُرك الإنسان في هذا الصراع وَحْده دون وحيٍ من السماء يَحفظُه، والرسل لتُرشِده، والدعاة ليُحذِّرونَه، لتمكَّن الشيطان منه، وأفسَدَ عَقيدتَه، وشوّه فِطرتَه.





١.١  التعريف بالدعوة وحاجة البشر إليها


الثاني
لقد أودع الله بين حنايا النَّفس البَشرية العديدَ من الغَرائز. قال تعالى: ((زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)).
وهذه الغرائز إن لم تُحكم بميزان الشَّرع، وإن لم تُضبط بمقاييس وحْي السماء ورسالات الأنبياء، فإنها تَنطلق مَسعورة لإشباع حاجاتها دون تَدبّر ورَويّة، ولذلك كانت الحاجة ضروريةً للدّعوة إلى الله، لتنظيم تلك الغَرائز البشريّة، وإشباعِها في إطار الشَرْع.


الثالث
إنّ العَقل البشري، مع أنه مَركز التَّوجيه، ومحور التَّفكير، ومَناط التَّكليف، وهو الذي يُميِّز الإنسان عن الحَيوان، فإنه لا يُحقِّق وحده سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وإنما يحتاج إلى نور من الرسالة السماوية.


الرابع
إنّ الدعوة إلى الله أثَرٌ من آثار رحمة الله بالعباد، وشفقته -سبحانه وتعالى- بهم، وتَعطّفه عَليهم؛ فهي تَحمل بين ثناياها ينابيع الخير للإنسان، حيث تَزْكو بعَقله، وتُطهِّرُ قَلْبَه، وتُنقِّي نَفسَه، وتُربِّي ضَميره، وتُوقِظ فيه معانيَ الفِطرة السّويّة التي فَطر الله الخَلْق عليها. ولقد شَملت...





١.١  التعريف بالدعوة وحاجة البشر إليها


...الرحمةُ الإنسانية كلّها، بدعوة أشرف الخَلق وخاتم الرُّسل محمد -صلى الله عليه وسلم-. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)).
وقال -صلى الله عليه وسلم : ((إنّما أنا رَحمة مُهداة)).


ركّزْ:
وبهذا، يتبيَّن مَدى حاجة الإنسانية إلى الدّعوة إلى الله، وأيدِي البشرية تَمتدّ لأمّة الدعوة، تَستغيث بها، وتُناشِدها أن تُنقِذها ممّا هي عليه الآن. قال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)).