١.٦  ملكة البيان، ووسائلها


القرآن الكريم هو حُجّة الله البَالِغة على عِباده، ومَوضع الحُجّة القاهِرة فيه أوجه متعددة للإعجاز، ومنها الإعجاز العلمي في الأنفس والآفاق التي لم يكتشف العلماء إلا بعضا منها، وهذا يدل على أن القرآن مرآة لعظمة الله في الكون، وعلى أن الكون صورة صادقة لآيات القرآن الكريم التي تحدثت عن علوم الفلك، والنبات، وطبقات الأرض، والحيوان والسحاب، والمطر، والصواعق.
فعِلْم الكَونيات وغيره من العلوم التطبيقية، لَذو صِلة وثيقة بعلْم الدّعوة، وعلى الداعية أن يَتعرّف على الآيات التي تتناول سُنناً كَونية، أو ظاهرة فَلكيّة، لتكون من مَوضوعات دَعْوته، يَدعم بها حَديثه، ويُوطِّد بها استدلالاته.

وينبغي للداعية عند استدلاله بالإعجاز العلمي أن يأخذ في الاعتبار الأمور التالية:

الأول
إن القرآن الكريم هو كتاب الله المُحكَم المُفصّل.

الثاني
هناك تَوافق بين آيات القرآن الكريم وسُنن الله تعالى في الكون.



١.٦  ملكة البيان، ووسائلها


الثالث
يَنبغي أن لا يُفسّر القرآن، ولا يُستدلّ به على نَظريّات لا تَزال محلّ بحث وفَحص، ولم تَرْقَ إلى مرتبة القوانين العلميّة الثابتة.

الرابع
يَنبغي ألاّ يُستدلّ بالحقائق العلميّة على صدْق القرآن، ولكن يَجب أن يُستدل بالقرآن على صِحّة الحَقيقة العِلميّة.

الخامس
إنّ الإعجاز العِلمي للقرآن الكريم ليس في اشتماله على النَّظريات العِلميّة ؛ وإنما الإعجاز العلميّ يهدف إلى توجيه العقول إلى التفكّر فيما يحيط بالإنسان في هذا الكون.

السادس
يَنبغي ألاّ يُتعسّف في التأويل، ولا يُشتَطّ في التفسير، لإخضاع كلّ القوانين العلْميّة للقرآن الكريم؛ فمِن الخطأ الاعتقاد أن يتضمّن القرآن كلّ نظريّة علْميّة، وكلّما ظَهر سِرّ نظريّة جَديدة، سارع البعض يلتمس لها تأويلاً وتفسيراً في القرآن الكريم.



١.٦  ملكة البيان، ووسائلها


ومن العلوم التي لها صِلة بعلْم الدعوة: علْم التّاريخ والمَغازي والسِّيَر
إنّ علْم التاريخ مرآة لأحداث الماضي ووقائعه، سطّرته الأمّة بدماء شهدائها، ومداد علمائها. وتاريخ الإسلام يفيض بالدروس ويزخَر
بالعِبر، ولا سيما في القرون الأولى لدعوة الإسلام. والدّاعي إلى الله يحتاج إلى أن يَدخل مِحراب التاريخ ويَدرس عوامل نُهوض الأمّة، ويَقف على أسباب انكسارها، ينقل ذلك بأمانة وصدْق عاطفة، فيُحرِّك السّاكن، ويُنبِّه الغافِل،
بجانب هذه العلوم التي ذَكرناها، فإنه يَجب على الدّعاة أن يكونوا مُلمِّين بثقافة العصر، دارسين للمذاهب الفكريّة، والتيارات المعاصرة؛
حتى يتكوّن لديْهم كمٌّ هائل من المعرفة، ورصيدٌ ضخمٌ في شتّى الثقافات، فيكونون بذلك أقدر على الإقناع، وأقوى على سَوْق الحُجج والبراهين.