٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


الأسلوب الذي نهجه أرسطو في منهجه العلمي التجريبي
المنهج العلمي الخاص بالمسلمين في البحث تم استمداده من القرآن الكريم، ثم من دراسة العلوم الخاصة بالدراسات الإسلامية، وبخاصة في مجال علم الفقه، وأصول الفقه.
إن وضع مناهج البحث في مختلف فروع المعرفة الإنسانية يجب أن تعتمد في الأساس العلمي الخاص بها على واقع مستمد من الخبرة، وذلك على مر العصور.
والجدير بالذكر أن العصر القديم يتضمن العديد من الدراسات المنهجية التي لا يستطيع أن ينكرها الإنسان، ويتمكن أيضًا من خلالها أن يستدل على المنهج المتبع فيها، وأن المنهج الذي اتبع في الدراسات الإسلامية المختلفة يعتمد على فكره الخاص به.
ولا نستطيع أن ننكر أنه كان للفكر اليوناني جهده، وبخاصة أرسطو في التفسير للظواهر المختلفة العلمية، والفلسفية.
اعتمد أرسطو على فكرة أساسية وهي: الاستقراء، الاستقراء لدى أرسطو: هو الحكم على الكل، بما يتوفر في تلك الجزيئات الخاصة به جميعًا.
المقصود هنا: الحكم على الكل بما يتوفر داخل جزيئاته. ومن هنا يبدأ بالاستقراء ليصل إلى التعميم، وبذلك يعد منهجًا أيضًا تجريبيًا؛ لأنه ينتقل من الواقعة إلى القانون، وذلك ما عرف على مر الزمان، على الرغم من اختلاف الأماكن، وتنوعها.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


لقد رأى أرسطو ضرورة رسم منهج للوصول إلى المعرفة الصحيحة التي يمكن الوثوق بها، والتي تقوم على أساس من المشاهدة الفعلية، وليست اتباع السابقين، وعليه يجب تطوير المنهج، فإن منهج البحث في العلوم الطبيعية نجده أيضًا يرجع إلى الاستقراء، وبخاصة الاستقراء الحقيقي، وهو الذي يقبله أرسطو، والذي يعد الاستقراء التام.
أرسطو لم يخصص موضعًا بعينه للاستقراء، والسبب في ذلك: أن الاستقراء له معنى جزئي، وقد كان أرسطو يدرك ذلك تمامًا، وأن المقدمات في القياس لا يتم تحصيلها إلا عن طريق استقراء جزئي.
أيضًا اهتم أرسطو بالقياس؛ لأنه أداة العلم والبرهان، وهو الوسيلة للمعرفة الكلية، ومعرفة الكلي أسمى من معرفة الجزئي، وهو ما هدف إليه من تأسيس نظرية القياس كنظرية برهانية.
فإذا كان القياس استخدامًا للعقل، وإعمالًا له، فالاستقراء استخدام للحس؛ لأن معرفة المحسوس، وإدراكه لا تتم إلا من خلال الحواس؛ فعلم النفس يرى أن عملية الإدراك الحسي عملية حسية، وعقلية في آن واحد.
لأننا في الإدراك نضيف إلى مدركاتنا الحسية معنى، ومغزى ذي دلالة، تلك الدلالة تنبع من العقل البشري.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ومن ثم، فهناك فروق بين مجرد الإحساس والإدراك؛ لأن الإدراك يقصد به: مغزى ذلك الشيء، وتحديد وظيفته. فدعا أرسطو إلى ضرورة الدقة في الملاحظة، وأيضًا تدوين تلك الملاحظة، وعدم الاعتماد على ملاحظة الآخرين، فكان يتجه للبحث على مبدأ ثابت، وهو: المشاهدة، والملاحظة المرتبة المدونة؛ فيجمعها، ويفكر فيها، ويرتبها، ومن ثم يستنبط القاعدة، أو النظرية منها، وتلك القاعدة والنظرية تعد الحقيقة التي يجب التسليم بها؛ وبذلك نجد أرسطو يذهب في معالجة مفهوم الاستقراء بمعنى: الاستقراء الكامل، والتام.
فأرسطو يعالج الاستقراء من خلال معالجته أيضًا للقياس. مما سبق، أو من المقدمات التي قدمها من خلال الملاحظة، والمشاهدة، واستقراء المعلومات منها يتمكن من القياس، ومن ثم يصل إلى النتيجة. والجدير بالذكر، أن تلك النتيجة لا تقرر شيئًا جديدًا لم يكن متضمنًا فيما سبق من المقدمات، ولكن المقدمات تعد إحصاء تامًّا للجزيئات، والنتائج تلخيص للمقدمات، وهي التي تعتمد عليها، ومن ثم فالنتيجة اختلافها تبعًا لاختلاف المقدمات التي قُدمت لنا.
ومعنى هذا: أن أهم خصائص الاستقراء التام: هو الاستدلال الكلي لمقدماته، والربط بين المقدمات والنتائج؛ وذلك يجعل صفة الاستقراء لدى أرسطو تعتمد على الاستقراء القياسي، ومن ثم فإن الحدود في المقدمات ليس أفرادًا جزيئية، وإنما هي أنواع؛ لأنه لا يمكن القيام بإحياء كامل بناء على تعريف جزئي لتلك المقدمات.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


إذًا، فإن قوام البرهان الأساسي هي المقدمات الأولية الصادقة، والسابقة على النتيجة، ومدى معرفتنا لتلك المقدمات الأولية هو المنهج، أو الأسلوب الذي يوصل إلى الإدراك الحسي، وإلى الإدراك الكلي، ومن ثم نتمكن من التوصل للمعرفة الكلية بفضل الحواس. نجد أرسطو يتحدث عن المعرفة التي تتعلق بالكلي، ومن ثم تصبح قوة الحدث، المعرفة تتحول إلى قوة للشعور والإحساس لديه، والاستنباط منه. فقوة الحدس تعد متعلقة تمامًا ومرتبطة تمامًا بنظرية المعرفة، وليس باستقراء المنهج فقط.
أيضًا اهتم أرسطو بقضية أخرى هامة جدًا وهي: الجدل، فالجدل في نظر أرسطو استدلال، تستخدم فيه مقدمات، تلك المقدمات محتملة، يتم استمدادها من آراء الجمهور والعلماء. ومن الملاحظة أن الاستدلال الجدلي لا تتصف مقدماته ونتائجه باليقين المطلق، بل هي فقط ظنية احتمالية خاضعة للمراجعة؛ لأن الاستدلال الجدلي يعتمد على الآراء الخاصة للجمهور، والعلماء، ومن ثم لا يمكن التسليم بتلك الآراء بدون التيقن منها.
وبذلك؛ فالاستقراء في الطوبيقيا: هو انتقال من الأفراد، أو من الأجزاء إلى الكليات، ومن المعلوم إلى المجهول، بشرط البحث عن أوجه الشبه التي تربط بينهما بالفحص والتدقيق والملاحظة؛ فالاستقراء يعد الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، فمن خلال استقرائنا لتلك الجزئيات نتمكن من الوصول إلى الكليات.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


يتضح لنا أيضًا مدى فهم أرسطو للاستقراء؛ لأنه يبدأ من مقدمات احتمالية، وظنية، وأن النتيجة هنا نتيجة طبيعية؛ لأنها احتمالية يمكن رفضها، ويمكن قبولها. يمكن رفض تلك النتيجة إذا كانت من خلال اكتشافها باتباع المنهج والاستدلال والمعرفة عليها والقياس، تصبح سالبة؛ فيتم رفض تلك النتيجة. أما إذا كانت تلك النتيجة غير سالبة، وازدياد الحالات الموجبة يزيد من صدق تلك النتيجة، ويتضمن لنا انتقال النتيجة من كونها نتيجة احتمالية إلى أنها نتيجة يقينية.
أيضًا اهتم أرسطو بالتفكير الاستنباطي في المنطق الصوري، التفكير الاستنباطي في المنطق الصوري هو عبارة عن البرهنة عن اليقين، أو يقين تلك النتيجة، كيف نبرهن، أو نتأكد عن صحة تلك النتيجة؟ من خلال المقدمات التي قدمت إلينا، وبذلك اعتمد على استقراء المعلومات من المنطق المادي، ثم يرجع إلى الخبرة، والواقع الملموس، والملاحظة، من خلال ذلك الاستقراء، وتلك الخبرة، والواقع يتمكن من استنباط النتائج الجديدة في صورة موضوعية، ويقينية.
وبذلك يتضح لنا اعتماد أرسطو على الاستقراء، والاستنباط، والمراجعة، والملاحظة، والمشاهدة؛ ليتضح لنا أنه اتبع المنهج التجريبي كثيرًا، وذلك المنهج التجريبي هو ما يطلق عليه: المنهج الاستقرائي، على اعتبار ارتباط الخبرة الحسية لدينا، وهي المنطق الأول في البحث؛ لأن الظواهر الموجودة في الحياة يجب أن نرصدها بالحدس، والحس.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


وملاحظة تلك الظواهر بدقة، والوقوف على تفصيلاتها، يمكنا من اكتشاف الجوانب الخاصة بها المتشابهة، وجوانب الاختلاف الموجودة في تلك الظاهرة. إذًا يجب التسليم أن عملية الاستقراء والقياس في والبحث العلمي كان لها دورها البارز، وكانت عنصرًا رئيسيًّا من العناصر التي اعتمد عليها أرسطو في فكره. إذًا القياس لدى أرسطو هو ضرب من الاستدلال الاستنباطي.
فمعنى هذا: لزوم القياس عنده هو لزوم النتيجة من خلال المقدمات التي قدمت إلينا.
ونتبين مما سبق أن منهج أرسطو اليوناني القديم كان له أسلوب علمي يلتزم به في البحث والدراسة، فأرسطو لم يعتمد إلى النقل فقط، فكان الاستقراء منهجًا أساسيًّا من المناهج العلمية القديمة؛ وذلك إشارة إلى قدم التراث الفلسفي اليوناني الذي استخدم القضية الكلية التي تندرج أسفلها الجزيئات المدركة إدراكًا حسيًا أي: تم تجريبها، تم ملاحظتها، تم رصدها بالحدس، وتم تجريبها بصورة حسية، وإدراكها بصورة حسية.
يجدر بنا أن نشير هنا بأن أرسطو قد بدأ بداية علمية بحتة، فالموقف العلمي الأرسطي موقف سابق على أي فيلسوف غيره. نحن نجد في إطار موقفه العلمي أنه حصل على العلوم الجزئية المتصلة بالظواهر الطبيعية والبيولوجيا وغيرها؛ لأنه كان يدعو إلى الدقة في التدوين، والملاحظة للوصول إلى الحقائق، وعدم الاعتماد على ملاحظة الآخرين.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ومن خلال ذلك، يتبين لنا دائمًا أن المبدأ المنظم للملاحظات والشواهد يؤكد على جمع الحقائق، وأنه لا يعتبر بذاته علمًا، فلا بد أيضًا من التفكير والتدبير والإدراك، وترتيب تلك الحقائق؛ حتى نتمكن من استنباط القاعدة، أو النظرية التي تدل على تلك الحقيقة. وهذا الموقف وضحه لنا أرسطو كعالم يتمسك بالملاحظة الواقعية التي هي رصد الواقع الذي نعيش فيه.
وذلك ما ميز أرسطو في بيان الاستقراء والقياس؛ فتوصل بذلك إلى البرهان القياسي الذي يرتقي إلى الكل؛ وذلك على الرغم أن النتيجة تعتمد على البرهان القياسي الذي يرتقي إلى الكلي، فهو اعتمد على الاستقراء من الجزيئات؛ ليظهر الكلي المتضمن من تلك الجزئيات؛ فنجد أن المقدمات الأولى للقياس تعرف على طريق الاستقراء؛ باعتباره المنهج الذي توصل به الإدراك الحسي لمعرفة كلية.
فموقف أرسطو يؤكد أن أسلوب أرسطو في الاستقراء يلائم عقول الجمهور، لماذا؟ لأنه أكثر إقناعًا ووضوحًا، وأسرع في التعلم باستخدام الحواس، وأيضا هو أكثر قوة وتأثيرًا؛ لأنه يعتمد على الاستدلال البرهاني.
فإذا كان الاستقراء يصلح للاستخدام عند مستوى وصفي للعلم، فهو أداء أيضًا للتأثير الخطابي في الجمهور يتسم بطبيعة استنباطية تخاطب العقول والمتخصصين؛ لذلك قال أرسطو: "ينبغي أن تمارس الاستدلال الاستقرائي مع الصغار، والاستدلال الاستنباطي يمارس مع المتخصصين".
وبذلك تتبعنا موقف أرسطو من خلال كتاباته في أسلوبه، اتباعه أسلوب منهج علمي أرسطي قائم على الاستقراء في كشف عن الحقيقة، وفهمه، وحله للمشكلات.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


بذلك يتبين لنا أن منهج الاستدلال، أو منهج الاستقراء لا يختص بجيل دون جيل، أو فرد دون فرد، بل يكون كل الأفراد لهم نفس المنهج الذي يسيرون عليه؛ حتى يكون ذلك المنهج العلمي التجريبي مناهج وقفت أساسًا على البحث العلمي، فمنهج البحث هو المعبر عن روح الحضارة لأية أمة من الأمم من خلال الاستدلال، ويعتمد ذلك على أسلوب أيضًا المنهج لدى المسلمين.
فنجد أن ذلك الأسلوب الذي اتبعه أرسطو هو نفس أسلوب المبحث العلمي لدى المسلمين، وإنما اعتمدوا على ما استمدوه من آيات القرآن، ثم من دراسات العلوم الإسلامية، فنجد أن جميع الظواهر والأحداث في الكون إنما تسير على سنن ثابتة ونسق واحد يعتمد عليه طبيعة هذا الكون لجميع الأفراد.
ثم اقتضت هذه الطبيعة لدى بعض الأفراد التزام حكمًا معينًا ثابتًا، وهذا هو الأساس الخاص بعملية الاستقراء. الاستقراء لدى المسلمين اعتمد على الانتقال أيضًا من الحالات الجزئية إلى القوانين العامة. انتقل المسلمون من الجزء إلى الكل، ولكن راعوا أسسًا محددة ومعينة عند الاستقراء الجديد؛ فقام أولًا على قانون يسمى: قانون العلية، أو فكرة العلية. والمقصود بفكرة العلية: أن لكل علة معلول، وأن الحكم إذا ثبت في الأصل لعلة ما، كلما وجدت علة مرتبطة بها، أو تدور معها وجودًا أو عدمًا، فمعنى ذلك: وُجِد المعلول. مثال على ذلك: حرمان القاتل من الميراث؛ لأنه استعجل غرضه قبل أوانه؛ فعوقب بالحرمان.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


فحكم أيضًا التحريم في الخمر معلول بالإسقاط. إذًا هنا لأن الخمر يغيب العقل، وهناك معلول هي إغابة العقل والإسقاط، فوجدت العلة، ومن ثم وجد الحكم. هذا خاص بالقانون الأول، يسمى: قانون العلية، أو اعتمد على فكرة العلية.
القانون الثاني: يعتمد على الاطراد في وقوع الحوادث، المقصود بالاطراد في وقوع الحوادث: بأنه عند توفر نفس المعلول ممكن تطبيق الحكم على أي شيء شبيه له، الأشباه الخاصة به في تلك الحوادث، أي: دوران العلة مع المعلول وجودًا أو عدمًا، فوجود العلة يستتبع وجود المعلول، وغيابها يستلزم اختفاء المعلول.
إذًا، الطرد هنا يقصد به لدى الأصوليين: يسمى: الطرد العكسي عند اختفاء العلة، أو اختفاء المعلول، فتختفي العلة. سمي هنا الطرد طردًا عكسيًا.
فالاطراد: هو وجود علة تحت ظروف مشابهة، علة أخرى غير مرتبطة بتلك العلة، أو بمعلولها، ولكن توفر نفس الظروف، فإذًا الاطراد هنا يسمى أن العلة -علة الأصل- الموجودة في الفرع، ومن ثم أنتجت نفس المعلول، وبالتالي ينطبق عليه نفس الحكم.
لأن الإسكار في الخمر أوجدنا إلى التحريم، أي مشروب آخر غير الخمر يؤدي إلى الإسكار أيضًا يحكم عليه بالتعليل، وذلك هو الاطراد؛ لأن هناك شبه واطراد في وقوع نفس الحادث، وهو حادث السكر، ومن ثم تقع عليه نفس العلة.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ومعنى هذا: أن العلة هو توفر المعلول، انعدامه أصبح الطرد هنا طردًا عكسيًا، لقد أشرنا من قبل أن عصير العنب حين يخمِّر أصبح أصبح خمرًا، فيحرم؛ لأنه يؤدي إلى السكر، ولكن عصير العنب الطازج لا يؤدي إلى السكر، وبالتالي هو ليس بحرام، وهنا أصبح الاطراد اطرادًا عكسيا، أما إذا دخله الإسكار كان حرامًا بإجماع الجمهور.
ومن هنا، نجد أن المسلمين أقاموا القياس في أبحاثهم العلمية، سواء كانت خاصة تلك الأبحاث بالعلوم الإسلامية، أو العلوم الطبيعية؛ لأن العلوم الطبيعية أيضًا اعتمدت على نفس الدعامتين، أو القانونين السابقين الخاصين بالعلوم الإسلامية، وهو قانون العلية، وقانون الاطراد في وقوع الأحداث، ويعتبر المسلمون لهم السبق في ذلك عن كافة العلماء في كافة الأمصار، أو الدول سواء كانت أوروبية، أو يونانية، أو غيرها.


خصائص المنهج الإسلامي في البحث العلمي
المنهج الإسلامي يتميز بعدد من المميزات التي تختص به، وخصائصه ينفرد بها دون غيره، وطريقه إلى العلم واضح، لا غموض، ولا لبس، ولا اختلاف فيه، ولا تناقض. ومن ثم فإن المنهج الإسلامي نجده استقى أسسه من القرآن الذي لا خلاف فيه، فالله هو الخالق المطلع، و من أصدق من الله حديثًا، فكل شيء صادق في ذلك المنهج.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


أيضًا ثبات ذلك المنهج؛ لأن جميع المناهج الوضعية، والقوانين البشرية في حاجة إلى الثبات، فما يلبث أن يظهر بين الحين والآخر بعض النظريات التي تدحض الحجج، وتظهر وجهاته نظر جديدة، وتهدم المناهج القديمة، وتلغي قواعدها، وتبدأ بمناهج جديدة، ولكن المنهج الإسلامي ثابت في جميع حقائقه، فهو منهج الله -سبحانه وتعالى-، ومن ثم فنجد أنه ثابت، وهذه من إحدى الميزات التي يتصف بها المنهج الإسلامي.
أيضًا نجد المنهج الإسلامي متكامل؛ لأنه يركز على الجوانب الدينية، والجوانب الطبيعية معًا، فلا يركز على جانب محدد، وإنما هو للإنسان يصلح لكل زمان، ولكل مكان؛ ولهذا يعد موجهًا للإنسان بجميعه، وفطرته، ويمكن أن يهديه، ويستقرئ من الواقع الخاص به، ويستنبط الحقائق في حرية تامة، ويتمكن من الوصول إلى الكليات الأساسية التي تصلح لكل زمان ومكان من خلال المنهج الإسلامي.
أيضًا المنهج الإسلامي يجمع بين الدين والحياة، والعمل والعلم، ينادي بالحرية، واستعمال العقل، وتأمل الحقائق؛ لأنها هي التي ستقوده إلى الإيمان، وعدم التسليم بالروحانيات فقط لا غير، وذلك ما يتميز به الأسلوب، أو المنهج الإسلامي عن غيره من خصائص المناهج الأخرى. فالثبات في المنهج الإسلامي واضح؛ لأنه يعتمد على أسلوب منهج سليم، وهو القرآن، والاعتماد على الحقائق العقلية تنتج من الواقع الحقيقي الملموس، ومن الملاحظة المباشرة، فالتفكير الإسلامي أيضًا يرفض الاتباع، والتسليم لآراء الغير السابقين دون إعمال العقل، ودعا إلى العلم والتحصيل، والاستقراء، والاستنباط.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ومما سبق يتضح لنا المنهج الإسلامي العلمي الذي يعتمد على الأسلوب الصحيح في منهجه، ونتمكن من تحديد خصائص المنهج العلمي في الإسلام:
أولًا: الاستقراء الدقيق للواقع، والألفاظ، والأساليب، والنصوص، والمعاني، والاستنباط، والدلالات، والعلل، والأحكام.
ثانيًا: الالتزام بالواقعية في الأخذ بدلالة الظاهر الثابت لدينا بالسمع والبصر أو الحواس يعني: الالتزام بالرصد من خلال الحواس، وعدم تجديد تلك الحواس، النهي عن اتباع رأي دون دليل عليه، يعني: الأخذ بالدليل والبرهان، عدم الأخذ بالهوى، أو الظن، أو الآراء الشائعة، أو التقليد، ولكن يجب الاجتهاد، وتشبيه ذلك من حيث الاجتهاد من حيث القيمة أنه يساوي الجهاد في سبيل الله.

العلم يعتمد على النزاهة، والتشدد في وضع الضوابط.
الدقة أحد الخصائص التي يتميز بها المنهج الإسلامي، بهذا نجد أن المنهج الإسلامي يعد في البحث منهجًا تجريبيًا، تقدمت العلوم على يد علماء المسلمين من خلال ذلك، وأيضًا اتخذت أوروبا المنهج التجريبي عن علماء المسلمين؛ لأن علماء المسلمين كان لهم السبق في ذلك عن العلماء الأوروبيين، وكان له أيضًا أثر في النهضة الأوروبية؛ فترجمت العديد من العلوم، والتراث العربي إلى اللاتينية.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


قد أضاف المنهج العلمي لدى المسلمين الكثير في شتى العلوم الطبيعية، وهناك العديد من العلماء الذين مارسوا الأبحاث العلمية كما يقول الإمام محمد عبده: إن أول شيء يتميز به فلاسفة العرب عن سواهم من فلاسفة الأمم هو بناء المعارف، والمشاهدات، والتجريبيات، وألا يكتفوا بالمقدمات العقلية في العلم ما لم تؤيد تلك المقدمات التجربة، فيؤيد ذلك ما ذكره "جوستاف لبون"، "جوستاف لبون" هو أحد المستشرقين، حين يتحدث "جوستاف لبون" المستشرق عن القاعدة عند العرب قال: أساس القاعدة لدى العرب جرب، وشاهد، ولاحظ تكن عالمًا. إذًا، لقد أقر المستشرقون بالأسلوب العربي، أو الإسلامي في المنهج العلمي، وهو يعتمد على الأسلوب التجريبي في البحث العلمي.
أيضًا الأوروبيون إلى ما بعد القرن العاشر الميلادي نجد العديد من الكتب التي أشارت إلى دور المسلمين في المنهج التجريبي، ولقد أكدت المصادر القديمة سبق العرب المسلمين في ذلك المجال، أو مجال المنهج العلمي، أو البحث العلمي الذي يعتمد على التجربة والتأمل والمشاهدة؛ نجد من هؤلاء ابن رشد، لقد سلك مسلكًا علميًا، أو منهجًا علميا في بحوثه، وكثيرًا ما كان يعتمد على الواقع الطبيعي في حياة الإنسان، وعد الواقع الطبيعي المتوفر في حياة الإنسان هو السبيل الوحيد إلى المعرفة الصحيحة، وأن الحقيقة عند ابن رشد لا تدرك إلا بالوسائل البشرية، والوسائل الطبيعية.
بذلك يتضح لنا استخدام ابن رشد الأسلوب العلمي في المنهج، أو الأسلوب التجريبي في المنهج العلمي.
أيضًا نجد ابن سينا اعتمد على الملاحظة للظواهر ودراساتها، ثم التجربة، ولم يتوقف، ولم يقنع دون اختبار ذلك بنفسه، وذلك ما أشار إليه في كتابه (القانون).

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


أيضًا نجد الرازي؛ لقد احتلت التجربة مكانة كبيرة في منهجه في الطب، والصيدلة، وكان دقيق الملاحظة، معنيًا بتدوين المشاهدات والتجارب، فكان يقول: لا تلتفت إلى الأدوية الغريبة، والمجهولة ما أمكنك إلى أن يصبح عندك أمر أقوى بالتجربة والمشاهدة عنها. فنجد أن الرازي هو المبتكر للتجربة الضابطة، فكان يعالج نفس المرضى فقط، ويرى أثر ذلك الدواء عليهم.
إذًا، فكرة المنهج التجريبي بالعينية التجريبية، والعينة الضابطة من ابتكرها هو الرازي، وكان مجال عمله هو منهجه الأساسي هو الطب والصيدلة؛ فكان لا يعمد إلى استخدام دواء ما، وتعميمه على المرضى قبل أن يجربه، ويتأكد من صلاحيته؛ فكان يقسم المرضى إلى نصفين: نصف تجريبي: يتم تجربة الدواء عليهم، والنصف الآخر: تعد مجموعة، أو عينة ضابطة للتأكد من صحة استخدام، أو من فاعلية استخدام ذلك الأسلوب، أو تلك الأدوية؛ وبذلك يعد الرازي هو من أول من استخدم المجموعات الضابطة في المنهج التجريبي؛ للتأكد من صحة التجارب.
وأيضًا نجد ابن الهيثم أن أبحاثه الطبيعية كانت على درجة عالية من التثبت؛ بسبب استخدام التجربة، فكانت التجربة هي المنهج الذي اعتمد عليه في أسلوبه العلمي؛ حتى يحقق النتائج العلمية الصحيحة، فكان يلجأ إلى التجربة في تصحيح الآراء التي تبناها، وأيضًا إليها في التجارب التي يرفضها، وكان يعتبر أن الطريق الحقيقي لمثل هذا التبني، أو الرفض هو الصبر، والاعتبار من خلال التجربة بصورة مباشرة.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


يتبين لنا أن المسلمين قد أدخلوا الملاحظة الدقيقة، والتجارب العلمية بهدف رصد النتائج، ولم يقتصر ذلك على الإغريق في الخبرة الماضية في استخدام فروضهم، لقد أشرنا فيما سبق من ذلك الدرس إلى أرسطو، وإلى ما استعان إليه في الاستقراء والتجريب كمنهج للبحث العلمي، وأيضًا ذلك هو ما اعتمد عليه العلماء المسلمون؛ فلم يبدأ البحث العلمي بحق، ويعتبر حقًّا بحثًا علميًّا إلا عندما اعتمد على الملاحظة، والتجربة؛ فعند ذلك بدأ البحث الدءوب، والذي تدرج من الجزئيات، ووصل إلى الكليات، واعتبر الاستقراء هو الطريقة العلمية الصحيحة التي اعتمد عليها الباحث.
ويجدر الإشارة إلى اعتراف الغرب الأوروبي بسبق العرب المسلمين في استخدام المنهج التجريبي في البحث العلمي، ذلك الأسلوب العلمي هو ما أثر على العلماء الأوربيين من أمثال: "روجر بيكون، وماجنس"، وغيرهما من علماء الغرب، لقد أقرت بذلك المستشرقة الألمانية قالت: إن العرب هم مؤسسو الطريق، أو الطرق التجريبية في الكيمياء، والطبيعة، والحساب، والجبر، والجيولوجيا، وعلم الاجتماع، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الاختراعات، والاكتشافات الفردية في كافة فروع العلم، والتي سرق أغلبها ونسبت للآخرين، لقد قدم العرب أثمن الهدية، وهي: طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب الأوروبي طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة، وتسلطه عليها اليوم.
اعتراف المستشرقين مثل: "داربر، وفونت ريمر، وفرانتز روسنسال"، وهمبورك" كل أولئك اعترفوا بنفس الاعتراف، وأقروا نفس تلك الحقيقة: أن العرب كان لهم السبق في تحديد المنهج العلمي التجريبي في البحث، وأن المنهج هو المنهج الذي اعتمد عليه من الاستقراء والاستدلال.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ومما لا شك فيه، ولا غموض، نجد أن أوروبا تتلمذت على يد علماء المسلمين وعلومهم من خلال العصور الوسطى؛ فذلك هو تقرير لحقيقة صادقة، أقرها المستشرقون، ومن ثم يجب أن تتكاتف الجهود؛ لإبراز وتضافر تلك الحقيقة، وإبراز جهود العلماء المسلمين العلمية.
ويجدر بنا الإشارة أن ذلك المنهج هو الذي اعتمد عليه التفكير الفقهي، والتدريب العملي في عملية الاستقراء، والاستنباط الذي استمدت من الكتاب والسنة، وأشار لذلك ابن خلدون إن الصحابة مارسوا الاستدلال بالكتاب، والسنة من خلال اتباع منهج محدد، فكانوا يقيسون الأشباه بالأشباه منها، ويناظرون الأمثال بالأمثال؛ ذلك أن كثيرًا من الوقائع بعد وفاة الرسول وجدوا أنها لم تندرج في نص ثابت؛ فقاموا بقياسها بما يثبتها، وألحقوها بما نص عليه، وشبيه له بها، بشروط في ذلك الإلحاق التصحح، المساواة بين الشبيهين، أو المساواة بين المثيلين؛ حتى يغلب على الظن أن حكم الله تعالى فيهما واحد، وكان ذلك دليلًا شرعيًا بإجماع كافة المسلمين، وهو القياس، تلك هي العمليات الفكرية في استنباط الأحكام الشرعية، وبذلك نتأكد أن علم الفقه، وعلم أصول الفقه هما الركيزة التي اعتمد عليها في بناء مناهج، أو منهج العلم التجريبي الإسلامي، وعلى أساسه استمد العديد من علماء المسلمين في العصور التالية أسلوبهم التجريبي في البحث الذي اعتمد على الملاحظة والمشاهدة وإدراك الحواس، والاستقراء، ثم الاستنباط، وذلك هو أسلوبهم التجريبي في البحث العلمي.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


وأيضًا هو ما اعتمد عليه فلاسفة اليونان قديمًا في الأسلوب البحث العلمي، وما أشار إليه أرسطو في منهجه، أو بحثه العلمي. ونجد أن العديد من الأصوليين تنبهوا إلى ذلك المنهج، وبخاصة البحوث التي اعتمدت على مسلك الدوران في الأصول الفقهية الخاصة بالدورانات، والدورانات هي عين التجربة، وتحدثنا أن الدوران يفيد التجربة بالقطع، فجملة كثير من قواعد علم الطب ثبتت بالتجربة، وهو الدوران بعينه.
وابن تيمية أحد مؤرخي المنهج الاستقرائي الإسلامي الذي يخوض في التجريبيات، ويقرر أن التجريبيات أيضًا هي الطريق إلى للعلم، وبخاصة في مجال الطب، والصيدلة، والدواء، والعلوم الطبيعية. فالجانب التطبيقي ظهر بصورة واضحة لدى علماء المسلمين التجريبيين.


الأسلوب الذي نهجه جابر بن حيان في منهجه العلمي التجريبي
أحد النماذج الفعالة لدى المسلمين، الذين اعتمدوا على المنهج التجريبي في البحث هو جابر بن حيان، من أقدم الأعمال العلمية التي وصلت إلينا هي أعمال جابر بن حيان، لقد توفي جابر بن حيان عام مائة وستون هجرية. وقال جابر بن حيان عن منهجه: لقد عملته بيدي، وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صح، وامتحنته فما كذب. هنا إشارة واضحة ومحددة إلى أسلوب جابر بن حيان في البحث العلمي، ولقد اعتمد على إعمال العقل، وإعمال الحواس، والخبرة أو التجربة التطبيقية؛ للتأكد من صحته وفعاليته في ذلك المجال، فنجد ابن حيان اتبع أسلوب المنهج التجريبي العلمي في البحث.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


هناك العديد من الكتابات التي أكدت لنا الأعمال الكيميائية المنسوبة إلى جابر بن حيان، والتي تدل دلالة واضحة وقاطعة على قيام علم كيميائي عربي في أواخر القرن الثالث هجري، وأوائل القرن الرابع، فأي منهج قامت عليه مباحث الكيمياء في هذا العصر المبكر؟ لقد استخدم المنهج التجريبي في البحث العلمي الخاص به. ما هي الفكرة الرئيسية التي اعتمد عليها جابر بن حيان؟ تعد فكرة استحالة المعادن، أو فكرة الاستحالة هي الفكرة الأساسية التي اعتمد عليها جابر بن حيان في منهجه العلمي.

ما المقصود باستحالة المعادن؟
المقصود باستحالة المعادن: هو تحول ماهية المعدن إلى ماهية معدن آخر، يعني: إمكانية التحول، لكن تحت ظروف محددة، بمعنى أدق: أن التحول طبيعة من طبائع الخلق ممكن، لكن في حدود، وفي إطار ظروف محددة. إذًا، يجب حتى تتحول من ماهية إلى ماهية أخرى أن تفقد ماهيتها الأولى؛ حتى تكتسب ماهية جديدة.
العمل على فقد تلك الماهية الأولى، من ثم يتم استحالته إلى ماهية أخرى جديدة تصلح، ومن هنا يمكن التغير، وعدم الثبات، وهذا ما اختلف معه بعض علماء اليونان في ذلك الرأي، ثم في الغالب لا يمكن أن نتوصل إلى معرفة الماهية، فنحن نصل إلى تحديد الطبائع فقط، ولكن كيفية معرفة الكيفية لتلك الماهية؛ فنحن لا نتمكن من الوصول إليها، ذلك إذا كان الأمر مرتبطًا بالطبائع الشخصية.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


فالوصول إلى معرفة الطبائع، وميزانها من خلال ميزانها، من عرف ميزانها عرف كل ما فيها، وكيف تركبت، وأما كيف نعرف الكم؟ فبالتجربة والدربة، التجربة والتدريب. فمن كان دربًا يعني عنده قدرة على إجراء التجربة كان عالمًا حقًا، ولم يكن دربًا لم يكن عالمًا، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع، ومن هذا يتضح لنا البراعة النادرة التي تميز بها جابر بن حيان الخاص بالدربة هنا قصد بها: التجربة، وهو أقدم علماء المسلمين الذي أشار إلى استخدام الأسلوب التجريبي، وأشار جابر بن حيان أن الصانع الدرب يحدق، وغير الدرب يعطل، وأيضًا هناك في بعض الكتابات الخاصة بابن حيان أشار إلى التجربة بمعنى: الاختبار، أو الامتحان، امتحان الشيء.
فبالتجربة يصح ما أورده، وأيضًا بالتجربة نتأكد من رفضه، أو بطلانه، من خلال بطلانه يتم رفضه، وأن ما تم استخراجه بالتجربة سوف يتم قياسه.
إذًا، يتضح لنا أن جابرًا تبنى طريقين: طريق المنطق الأرسطي الخاص بالقياس والبرهنة. وأيضًا طريق المتكلمين الخاص بقياس الغائب على الشاهد.
لقد أعد جابر التجارب؛ فكانت هي المحك، لقد أشار إلى أنه من كان دربًا كان عالمًا حقًا، ومن لم يكن دربًا لم يكن عالمًا، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع أن الصانع الدرب يعني: القادر على التدريب وإجراء التجربة يحذق يعني: يتمكن، وغير الدرب يعطل أي: يتأخر، عاجز، والمراد هنا: بالتجربة الجديدة.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


فقال أيضًا جابر: إياك أن تجرب، أو تعمل حتى تعلم، ويحق أن تعرف الباب من أوله إلى آخره بجميع تنقيته وعلله، معنى ذلك: أن يسبق إجراء التجربة العلم، فعليه أن يكون عالمًا بالشيء أي: استقرأ ما يرتبط بذلك الشيء من العلوم والكتب، وسلك كافة الدروب فيها، ثم يلي ذلك إجراء التجربة، والجمع العلمي، وتنقيته، يقصد بذلك: أنه يتطرق لكافة الفروع المرتبطة بذلك العلم، وتحديد العلل المرتبطة به، ثم تقصد لتجرب. إذًا وضع أسسًا معينة قبل إجراء التجربة خاصة بالقراءات المتنوعة للباحث، ثم جمع البيانات من خلال العلل والمعلومات، ثم يبدأ في التجربة؛ فيكون في التجربة كمال العلم؛ لأنها اعتمدت على أسلوب صحيح، واعتمدت تلك التجربة على أسس محددة.
إذًا نجد العالم جابر بن حيان وضع لنا الأساس في إعداد -أولًا- العالم؛ كي يعد نفسه، ثم كيف هو الطريق إلى سبيل ذلك العلم؟ ثم ما هي الخطوات التي يجب أن يتبعها لذلك العلم؟ فمن لم يعمل، ويجرب لم يظفر بشيء، أي: لم يكسب شيئًا، أو لم يربح شيئًا.
ويشبه جابر عالم الكيمياء بالطبيب؛ لأن الطبيب لا يمكنه شفاء الأمراض إلا بمعرفة الأسباب، وتلك حقيقة، أو مسلمة كافة الناس يسلمون بها، كافة العلماء. أيضًا عالم الكيمياء لا يتمكن أن يصل إلى مزج المركبات إلا إذا تمكن من معرفة طبيعة كل مركب من تلك المركبات على حده.
إذًا قبل إجراء التجربة لمزج مركبين مع بعضهما البعض يجب تحديد خواص كل مركب من تلك المركبات.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


إذًا حتى تكون قادرًا أن تصل إلى مرحلة التجريب يجب أن تكون تمكنت من إعداد نفسك، وأهلت نفسك جيدًا من خلال العلم، وأن تطرق في سبيل ذلك كافة الأبواب.
فشبه الكيميائي بالطبيب، فقال: الكيميائي يشفي أمراض المعادن كما يشفي الطبيب الجسم المريض من خلال الموازنة بين الخلط -يعني: استخدام التجارب في تلك الأدوية- وذلك باستخدام أدوية، واستعمال أدوية خاصة بأمراض كل، سواء كانت المعادن لشفائها، أو للأمراض لأدوية لعلاج الأمراض الجسد للطبيب.
فالأدوية ليست سوى الأكاسير، يقصد بالأكاسير: أن الشيء الذي يفعل بخلاصة هذا الشيء يحدث العمل فلا يتعداه؛ لما له من القوة والنفوذ الأعلى منه.


أسلوب جابر بن حيان
اعتمد هنا إلى طريقتين:
أولًا: في الكيمياء
اعتمد إلى طريق التركيب بالأدوية الشافية، وصب العلاج بالأدوية المركبة من تركيبين.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


كيف يتمكن من علاج الأمراض إلا إذا تم الإحاطة بالأسباب الطبيعية لتلك الأمراض، ثم الأعراض الخاصة بتلك الأمراض، والآثار الموجودة منها، ومن ثم نتمكن من استنباط، أو استنتاج الأدوية الخاصة بها. أيضًا أشار جابر إلى قدرته على القياس من خلال المنهج التجريبي.
وسوف نشير هنا إلى الأسلوب الذي استخدمه جابر في قياس الشاهد بالغائب من خلال ثلاث وجوه:

أولًا: المجانسة.
ثانيًا: مجرى العادة.
ثالثًا: الآثار.

ذلك هو الأسلوب الذي اتبعه، أو الخصائص، أو الأسس التي اعتمد عليها جابر في القياس والبرهان الخاص بقياس الغائب على الشاهد، وهو كان منهجه التجريبي الذي اعتمد عليه.


٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


أولًا: المجانسة: ما المقصود بالمجانسة؟
فدلالة المجانسة لدى جابر تسمى: الأنموذج، تقوم على استدلال بالأنموذج الجزئي على أنموذج آخر جزئي أيضًا، أو عدد من النماذج الجزئية. إذًا يبحث حول نموذج واحد جزئي، ثم يستعين بنماذج أخرى شبيهة لذلك النموذج، وكلها نماذج جزئية، ومن خلال تلك النماذج يتم التوصل إلى حكم كلي، اعتمد على المقدمات، أو النماذج السابقة، وهو ما يقابل الوقائع المختارة في المنهج الاستقرائي، يعني: تحديد الوقائع بصورة، واستقراء المعلومات منها من خلال تلك الجزيئات.
أشار جابر أنه يمكن الإشارة إلى جزء من الشيء، ومن خلال ذلك الجزء يتم الاستدلال على أن الجزء صفة أساسية من صفات هذا الكل. فالرجل يرى صاحبه بعضًا من شيء؛ ليدل به على أن الكل هو ذلك الشيء. إذًا الكل مشابه لهذا البعض، فابن حيان رأى الوجه ليست دلالة ثابتة صحيحة، أي: أنه يرى أنها ليست دلالة يقينية، بل ظنية، أو احتمالية. ويذكر هنا المصدر الذي أخذ منه هذه الدلالة: أن جماعة من أهل النظر -أي: المتكلمون، والمتحدثون- استدلوا على دلالة الاضطرار، أي: أنهما ذهبوا إلى يقينية هذه الدلالة، أنهم أثبتوا من أجل هذا الشيء الذي هو الأنموذج مثلًا، وهو من جنسه شيء آخر، وهو أكثر منه، ولكن نرى أن ابن حيان لم يوافق على هذا الرأي الخاص بالمتكلمين، ويرى هذه الدلالة ليست اضطرارية؛ لأنها ليست ثابتة؛ وذلك أن هذا الشيء الذي هو يعتبر أنموذجًا، ...

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


... أو جزءا من الكل -مثلًا- لا يوجب وجود شيء من جنسه في حكمه كجوهر، وطبيعة لذلك الحكم؛ وذلك بسبب: أنه تنبه إلى وجود قياس الغائب على الشاهد عند المتكلمين، وأيضًا نادى بتطبيقه في التجربة، ولكن المتكلمين ذهبوا إلى أن نتائج هذا القياس هي نتائج يقينية إذا طبق في مجال الإلهيات، ولكنه متوافق مع روح منهجه هو التجريبي.
نجد أن ابن حيان لم ينكر فكرة التضايف الخاصة مرتبطة بالأنموذج، لكنه يرى أنه لا بد من إثبات هذا الشيء الجزئي والبعضي؛ لأنه من الممكن أن يكون هذا الشيء ظنه جزئيًا، وهو ليس من جنسه تمامًا. ومن ثم يجب إثبات أنه من جنس هذا الجزء؛ فوجود الكلي من تلك الجزئيات مرتبط بالترابط واليقين، بالترابط بينهما، فيجب أن يكون من جنسه، ويجب أن يكون الاستدلال عن ذلك صحيحًا ويقينيًّا؛ فإن لم يكن ذلك لا يجوز أن يكون، أو الاعتراف أنه كلي له، فليس فيه علم ثابت يقيني أن هذا الاستدلال لا ينتهي إلى المشابه بين الطباع.
فابن حيان أخذ بدلالة المجانسة؛ لإثبات قياس الشاهد على الغائب، بشرط: أن يكون جزءًا منه، واستعان بذلك أنه يجب أن يستدل عن ذلك بأكثر من جزء خاص به، ولكنه لا يوافق على اليقينية في هذا الجزء، فهو ليس يقينًا أو تسليمًا، إن هذا فقط استدلال لا ينتهي إلا إلى المشابهة.



٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ثانيًا: دلالة مجرى العادة
نجد أن العادة عبارة عن ما يستقر في النفوس من أمور متكررة ومعقولة عند الطبائع السليمة، فتلك هي العادة. نجد أن بعض الأصوليين أقاموا قياسهم على فكرة العادة، وأنهم إذا شاهدوا حادثة تعقبها حادثة أخرى حكموا بأنهم إذا شاهدوا هذه الحادثة مرة؛ فإن المرة الأخرى سوف تعقبها الحادثة الأخرى، أو سوف تقترن بها، وبدون تحقيق تلك لن تتحقق الثانية، وهذه هي عادة تقوم على المشاهدة.
جابر بن حيان أعلن احتمالية هذا المسلك، وأما التعلق المأخوذ من جري العادة، فإنه ليس فيه علم يقيني، أو واجب، أو اطراد برهاني، بل علم إقناعي فقط، يبلغ إلى أن يكون أحرى، وأولى، وأجدر فقط لا غير، فهو ليس برهانيا؛ فالعادة ليست برهانية، أو يقينية، لكن هي أولى فقط؛ وذلك سبب استخدام الناس له، وتقبلهم له. ولهذا قصر استخدامهم له، وتقبلهم له؛ لأنه أحرى بهم؛ لأنه هو الطريق في الاستخدام.
ولكن يؤكد جابر أنه ليس في هذا الاستدلال علم يقيني اضطراري واجب، بل هو علم ظني؛ لأن الناس يستخدمونه؛ لأنهم يعلقون ويستشهدون بالشاهد على الغائب في ذلك، ولكن ذلك قائم على الظنون، والحسبان؛ لأن الناس عادة يجرون أمورهم قائمين على الظنون والحسبان، ولكن لا يمكن الركون إليها، والتثبت من برهانها.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


فالنفس البشرية دائمًا تميل إلى تكرار الحادثة؛ حتى تشعر بالاستقرار، وذلك هو استعداد فطري لدى الجميع، وأشار لذلك أيضًا "جون ستيوارت ميل"، ولكن نجد جابر يعطي أمثلة لاستخدام هذا المنهج، سواء كان عند اليونانيين، ولكنه استخدم هذا المنهج أيضًا بأسلوب استدلالي؛ فيرى جابر أن المنهج الاستدلالي له الآثار، فهو منهج ممكن استخدام القياس فيه الغائب على الشاهد، ولكن ذلك القياس لا يصل إلى حد اليقين؛ لأنه استدلال بالآثار على الآثار.
وهنا نتساءل: ماذا قصد جابر بأن العادة هي اضطرار حادثة بعد أخرى؛ فنحكم ظنًا بوجود علاقة بينهما، لا حكمًا يقينيًا، ولا حكم ضرورية عقلية علمية؟ لأن علمنا قاصر هنا بالجزئيات التي اعتمد عليها في الأسلوب الأول، والعادة دائمًا ما تحدث في نفسنا ميلًا إلى الترجيح، ولكنها لا تحدث تأكيدًا، وممكن خرق تلك العوائد، وتغييرها، والبراهين شهدت بذلك: أنه يمكن تغيير، أو خرق تلك العادات.
ويقول جابر محذرًا في هذا الباب: لا ينبغي أن يتجاوزه المعنى بهذا المذهب، إنما كان يمكن أنه لا يكون مولودًا إلا مثال ما أدركناه، وشاهدناه، لو كنا أدركنا جميع الموجودات، وأحاط علمنا بها، ولكن علمنا يقصر عن الإحاطة بكافة الجزئيات السابقة، الموجودات التي تشير إلى الجزئيات، ومن الممكن أن تكون هناك موجودات تخالف حكمها في الأشياء حكم ما شاهدنا .

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


إذًا، لا يمكن التأكد من خلال ذلك الأسلوب، أو ذلك المنهج، والتسليم به كأنه برهان، فالمنهج الاستدلالي هو طريق فقط احتمالي لدى جابر بن حيان، ولدى الكثير من رجال المنهج العلمي في العصر الحديث الذين أوشكوا أن يصلوا إلى حد الإجماع؛ فالعلم في عصرنا أو في عصورنا الحديثة احتمالي النتائج ما دام يقوم على المنهج الاستدلالي فقط دون التجريبي.
وذلك كان مجال بحث علماء العصر الحديث، وطرحوا تساؤلًا هامًّا وهو: كيفية التوفيق بين أن يكون المنهج العلمي الاستقرائي، أو الاستدلالي ذا قضايا مقبولة الصدق، وكانت هناك محاولة كثيرة لتحويل ذلك المنهج إلى اليقين، أو براهين؟


دلالة الآثار
أيضًا الاتجاه الثالث لدى جابر بن حيان: هو الاستدلال بالآثار، أي: دلالة الآثار:
الآثار لدى ابن حيان هي: الدليل النقلي، أو شهادة الغير.
الآثار: هي الدليل النقلي، أو سماع رواية؛ فهي تعد شهادة ظنية قد تقبل وقد لا تقبل، وكذلك أنكر من قبل "جالنيوس" استناده على أقوال الأجداد والآباء، وعلى أقوال المنجمين من قبل. لقد وضح جابر تلك الفكرة، وأشار إلى أنه ينبغي أن نبحث عن اليقين عامة، وأن هناك أوائل وثواني أو ثانويات في العقل، الأوائل تلك التي يسلم بها، وليست فيها مجال للشك، ولا يحتاج إلى برهنة، أو دليل، أما الثواني: ...

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


... فتستوفى من الأول بدلالتها، من دلالة تلك المسلمات التي لدينا في الأول نتوصل إلى هذه الثانويات، وحتى نتوصل إليها يجب أن يكون الحدس مطلقًا، وأيضًا يكون بدون خطأ.
ذكر هنا جابر الحدس، ويخرج المبادئ، ولكن ما الذي يدفع جابر بن حيان إلى ذكر الحدس؟
نذكر الحدس؛ لنتأكد من صحة هذه الحدوث بصورة يقينية. إذًا، نرفع مستوى الآثار إلى مستوى اليقين، أي: من الصعوبة بمكان أن نقول: التوصل إلى الحدوث لكل إنسان، فإذا انكشفت الشكوك فلم يبق في النفوس والعقول من المتطلبات شيء، وهذا لا يكون إلا بالعيان البتة، العيان الحقيقي والبرهان، وإقامة البرهان لا يكون إلا من خلال العيان، أن تتأكد من الشيء بنفسك، بحواسك، وليس بالآثار؛ لأن الآثار من فعل ناس آخرين، ولكنه بالعيان.
نخص الحدس يعني: العيان، والعيان هو الذي يُعتمد عليه في إقامة البرهان والدليل، والذي نتمكن من تصديقه.
من هم الذين نأخذ منهم الآثار بأسلوب يصل لمرحلة اليقين؟ فقط الأنبياء، الأنبياء أولًا، ثم أهل البيت، والخلفاء، وهؤلاء هم الأصحاب الأوائل للعيان والحدوث وحملة الآثار.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


إذًا فالآثار ممكن نستخدمها كطريق لليقين إذا ما أتت عن طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبذلك نجد لهذا العالم العديد من التجارب العلمية التي اتخذت كل مأخذ، وكان لمنهجه عظمة تأثر بها المتحدثون في الإسلام، وأهل السنة المتعددون، وتلاه الكثير من العلماء في المجال الذين استخدموا الأسلوب العلمي في البحث.
إذًا أكد جابر ضرورة إدراك الحواس، وأكد على العقل؛ فالمعرفة هنا لديه القياسية مرتبطة بالموجودات، والموجود داخل العقل ينقسم إما مسلم أول، أو ثانوي الذي هو الدليل، ولا يحتاج إلى دليل، وأما الإدراك الثاني، وهو الوجود من خلال المسلم الأول، فهو ثانوي، وليس أولي فيحتاج إلى الدلائل.
والمجانسة لديه والعادة والآثار جعلها أوجه لعملية القياس الظنية؛ لأنها ليست بالنسبة لديه يقينية، ولا يجب الاستدلال عليها بالجزئيات المتنوعة للوصول إلى الكليات، والدلالة الظنية لديه دلالة احتمالية، وليست يقينية؛ لأن ما جُري مجرى العادة فهو استدلال، فليس يقينًا، والاستدلال المبني على العادة أيضًا في قوته يكون ضعيفا؛ لأنه في حاجة المظاهر والأشباه حتى تؤكده.
فالبرهان واليقين هو حالة الاستنباط التي تولد به نتيجة من مقدمتها توليدًا ما دامت المقدمات بالضرورة صحيحة، وفكرة الاحتمال أخذها جابر من المتكلمين، فلا يجوز الحكم على ما لم يتم مشاهدته وتحويله إلى الاحتمال.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


إذًا في الدليل النقلي، أو شهادة الغير ينبغي ألا تقبل على إطلاقها، أو ترفض على الإطلاق، ومن ثم يجب التأكد من ذلك من خلال الحدس، والإدراك، والتجريب. فجابر من علماء الكيمياء العربية، فما افتخرت الحكماء بكثرة العقاقير، وما افتخرت بجودة التدبير؛ فنجد أنه دائمًا في أقواله يركز على خطة البحث التي يجب أن يسلكها، ويستخدم أسلوبًا فريدًا من المشاهدة المضبوطة، والتجريب المحكم، والمنهج القويم السليم في البحث.
ومما سبق يتبين لنا أهمية التجربة، فرأى ابن تيمية أن الحسيات الظاهرة، والباطنة تنقسم إلى: خاصة، وعامة، فالتجربة، والتواتر هما الأساسيان.
وكان الاجتهاد بالرأي هو أصل من أصول الأحكام الفقهية، وهو القياس، فالاجتهاد والقياس مترادفان لدى جمهور المسلمين، فانتهوا إلى أصول أربعة للأحكام، وهي: القرآن، والسنة، يليهم الإجماع، والقياس، ومن ثم تعددت المذاهب الفقهية تبعًا لتلك الأحكام.
ولكن المسلم به أن المسلمين اتبعوا القرآن والسنة، ثم ظهرت جزيئات كثيرة، تلك الجزيئات تطلبت من علماء المسلمين أن يحكموا عليها، إما حسب العرف، أو حسب الإدراك للمعنى. وهنا كان علينا الاجتهاد بآرائهم فيما لم يرد فيه نص، وعرف ابن قيم الجوزية الرأي بقوله: إنما ما يراه القلب بعد الفكر، والتأمل، وطلب المعرفة على وجه الصواب.
إذًا الفكر، والتأمل، وطلب المعرفة على وجه الصواب، ذلك هو الأسلوب، أو المنهج التجريبي في البحث العلمي.
ولقد كان عمر بن الخطاب دائم إعمال الرأي، وقد ارتقى البحث في الرأي، ونظم، ووضعت له قواعد، وشروط، وسمي: بالقياس، وأيضًا بالرأي عمل أبو حنيفة؛ لأن المجال واسع أمام الحرية العقلية، فمن ثم فتح المجال أمام القياس باستعماله في الفقه بأسلوب محدد.



٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


استعمال القياس في الفقه عند العلماء المسلمين:
نطرح هنا تساؤلًا: كيف تم استعمال القياس في الفقه؟
أولًا: باستنباط حكم الشيء من حكم شبيه، أو استنباط حكم قليل من حكم الكثير، وهذا يشبه طريقة الاستقراء في المنطق الحديث.
ثانيًا: باستخراج العلة، أو الأحكام المشتركة بين جزيئات مختلفة، فيمكن إثبات الحكم لأحدهما؛ لأنه تتوفر العلة التي تشترك بينهما جميعًا، وهذا قريب أيضًا بالقياس المنطقي، والعلة المشتركة هنا هي الحد الأوسط في القياس الأرسطي، أي: أن القياس والاجتهاد هو الاعتماد على الفكر والاستنباط والأحكام الشرعية.

ذلك التفصيل يؤكد لنا اتباع المسلمين أسلوب القياس القائم على الملاحظة والتجريب والمشاهدة بصورة جيدة؛ حتى نتوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية، وذلك كان معروفًا عن الإمام الشافعي، أنه واضع أصول الاستنباط الشرعي، وجعل منه علمًا له وضعه الخاص، فكل اتجاه عقلي كان الملم به الإمام أبو حنيفة، وكانت عنايته الأولى بالحديث، فلم تكن موجهة إلى تحري صحة السند فحسب، بل تحرى أيضًا صحة الحديث من الناحية المنطقية، أي: مدى توافق وتجانس ذلك الحديث مع كافة الأحاديث الأخرى المرتبطة بروح التشريع الإسلامي، فإذا لم يقتصر على تتبع الرواة، بل أيضًا استدل على صحة الأحاديث من خلال الأحاديث الأخرى المرتبطة به، ومن خلال روح التشريع الإسلامي.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


ويجب أن نشير إلى أنه مهما كان القياس له قيمة عقلية إلا أنه يحتل مرتبة تأتي بعد القرآن والسنة وإجماع جمهور العلماء. فإذًا القياس له وضعه، ولكن تلي المنابع، أو الأصول الأساسية، فالإجماع مظهر عملي خاص بمعنى الآية الكريمة، وهو ما أجمع عليه الصحابة، وإجماع في أهل المدينة، وهم المالكيون، وإجماع في أهل الكوفة، وهم الحنفيون.
وخامسًا: في القول عن الصحابي، فإذا لم يعرف لهم مخالف واحد؛ فإن هذا هو الإجماع بين الآراء.
وبذلك يتبين لنا الأسلوب العلمي التجريبي الذي تم الاستعانة به في البحث العلمي الإسلامي. ولقد أشرنا من قبل أن العلية إحدى الأسس في عملية البحث، ثم الدوران، العلية والدوران خاصان بعملية البحث العلمي، والذي اعتمد عليه أثناء القول، والتفسير، سواء كان في مجال العلوم الفقهية الإسلامية، أو خاص بالعلوم الطبيعية.
ولكن يجدر بنا الإشارة إلى مصطلح يسمى: تنقيح المناط. أشار الزركشي إلى تنقيح المناط بأن التنقيح في اللغة: التهذيب والتمييز، فإذا قيل: أنه كلام منقح، فهو كلام لا حشو فيه.
والمناط: هو العلة، والمناط في الأصل: اسم مكان النوط، أي: التعليق، أي: الجزء الذي يتم التعليق منه. لغويًا: المناط: هو مكان النوط نفسه أي: الذي يتم التعليق فيه. فمن ناط به، يعني: تم الإناطة به، إذا علقه عليه، وربطه به، يعني: الشيء الذي سوف يتم التعليق عليه، أو ربطه به، أو تعليقه فيه، فهو مناط به. وقد أطلق على العلة المناط به، أطلق على العلة؛ لأن الشارع، أو الفقيه ناط الحكم يعني: علق الحكم عليه.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


فتنقيح المناط هنا اصطلاحًا: نص ظاهر يدل على تعليل بوصف، يعني: نحن لدينا نص ظاهر يدل على التعليل، محدد بوصف؛ فيحذف خصوصه من الاعتبار، ويناط الحكم بالأعم، يعني: يربط الحكم بالشيء المرتبط به، أو تكون أوصافه في محل الحكم. المهم أن جزئياته مرتبطة بذلك؛ حتى نتوصل إلى الحكم؛ فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويناط الحكم الباطل. فمن خلال عملية التنقيح نحذف الأمور التي تعوق عملية الربط بينهما.
الاجتهاد هنا خاص بعملية الحذف تحديد ما يحذف الذي هو ممكن يشوه الأمور، أو عزل المكونات من بعضها البعيدة التأثير، وتعيين العنصر المرتبط الأساسي. معنى ذلك: أن العملية الأولى تعتمد على الحذف، أي: حذف الأمور التي لا تصلح مع تلك العلية من الأوصاف؛ حتى نتمكن من الوصول إلى العلية الأساسية، وهنا خاص بالصبر، والسبر، والسبر والقياس لا الفارق، فالرازي هنا يعتبر تنقيح المناط، والسبر شيء واحد. المقصود بالسبر هنا: حذف أوصاف غير مطلوبة؛ فبذلك يتم تعيين العلة، المناط هنا يقصد: أن من خلال الحذف يتم التعيين أيضًا. إذًا السبر والمناط اعتمدا على نفس الجزء الأول، وهو الحذف المرحلة الأولى.
أما عن تنقيح المناط، وقياس لا فارق، فإن الرازي يعرف تنقيح المناط: بأنه إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، هنا تكون في قضية ما قد تكون هناك بعض القضايا المتشابكة فيما بينهم؛ فيتم عزل مكونات تلك القضايا، وخاصة الأمور التي ليست لها تأثير على الأساس، أو المعنى الأصلي لتلك القضية، ونحدد من خلال ذلك تحديد العلة المؤثرة لتلك القضية؛ فذلك هو تنقيح المناط.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


فتنقيح المناط: إلحاق الفرع بالأصل، وبهدف، أو من خلال إلغاء الفوارق بينهما التي تباعد بينهما، وأثبت ذلك أن القائس الذي يقوم بعملية القياس هنا أنه لا فرق بين الأصل والفرع؛ لذلك يلزم اشتراكهما في الحكم الموجب لهما، الموجب للأصل ممكن أن يشترك معه الفرع؛ لأنه لا فرق بينهما من خلال عزل العوامل البعيدة التي كانت مشوهة، أو التي كانت مؤثرة على القضية التي أمامنا.
ولكن هناك البعض الذي اعترض من الأصوليين الذي اعترض على إلغاء الفوارق بين الأصل والفرع، ويعد الفرع ليس تنقيحًا أو هو تنقيح المناط؛ لأن في التنقيح تهذيب للعلة، بينما إلغاء الفارق يكون من غير معرفة العلة المشتركة؛ فيعد تنقيح المناط إذًا أعم من قياس لا فارق، كما أنه أعم من السبر. ونجد أن الحنفية سموا تنقيح المناط: استدلالًا، يفرقون بينه وبين القياس؛ لأن القياس اسم لما يكون الإلحاق به يذكر الجامع: يعني: يذكر كافة الجزئيات المشابهة، وهذا القياس لا يفيد إلا الظن. والاستدلال لا يكون إلحاقًا إلا من خلال إلغاء الفارق الذي أدى إلى القطع، ومن ثم يجري مجريات القطع.
ومن المعروف أن الحنفية هو مذهب أسسه النعمان بن ثابت أبو حنيفة الذي ولد بالكوفة، وهو من أشهر المذاهب الأربعة المجتهدين، أنه أخذ عن التابعين، وكان له فصل في الفقه، والاجتهاد في الفرائض، والقياس، والرأي.

٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


وهكذا نجد أن علماء العرب لن يكونوا فقط نقله لعلماء اليونان القدماء، ولكن ما نقلوه، أو ترجموه قاموا بالإضافة إليه، وأسهموا في تقدمه، وكانت لهم ابتكارات عديدة ذات قيمة عظيمة، ولم يكن ذلك اعتمادًا على الصدفة، بل أيضًا هو كان أساس التنظيم العقلي، والمنهج القائم على الأصول السليمة. وقد وقف مفكرو الإسلام يحددون أهم مشكلة تمس العلم هي مشكلة المنهج، وأن تقدم البحث العلمي رهين بذلك المنهج، ويدور معه وجودًا وعدمًا، ومن شرط قيام العلم: أن يكون هناك طريقة جامعة لشتات الوقائع الحادثة والمتبعثرة؛ حتى يتمكن من تفسيرها، ويربط بينها بروابط وعلاقات تنظم ذلك الأسلوب.
إذًا نجد المنهج العلمي، أو المنهج هو الأساس في الأسلوب العلمي الصحيح. ومما سبق يتبين لنا عدة نقاط أساسية:

أولًا: قيام المنهج العلمي الإسلامي على أسس سليمة.
ثانيًا: اعتماد الفلاسفة اليونان القدماء على الأسلوب الاستقرائي، والاستدلالي في البحث العلمي كمنهج للبحث العلمي لديهم.


٢.٦ المنهج العلمي الإسلامي في البحث


أيضًا سلك علماء المسلمين نفس المسلك، واتخذوا من المنهج العلمي الاستقرائي والاستنباطي والتجريبي وسيلة للبحث العلمي السليم.
ولقد تميز البحث العلمي السليم لدى المسلمين بعدد من الخصائص التي ميزته عن غيره من العلماء.
أيضًا اعترف العلماء المستشرقون بسبق علماء المسلمين في استخدام المنهج التجريبي في البحث، وأن منهج العلماء المسلمين في البحث التجريبي كان هو الأساس الذي اعتمد عليه الأوروبيين في الغرب للخروج من عصور الظلام إلى عصور النهضة.
أيضًا يوجد الكثير من علماء المسلمين الذين اعتمدوا على المنهج العلمي التجريبي في البحث، وكان أقدمهم لدينا جابر بن حيان.