١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


مناهج البحث في صدر الإسلام، وتطوره
سبق الإشارة إلى أن العلم والتقدم العلمي هو الطريق إلى البحث، وبدون البحث لا نتوصل إلى علم أو أدنى تقدم علمي. ومن ثم، فالتقدم العلمي يعتمد على المنهج الذي سوف يتبع في ذلك البحث، ويرتبط بوجود ذلك المنهج أو عدم وجود هذا المنهج صدق هذا المنهج، أو كذبه، أو زيفه.

ماذا يقصد هنا بالمنهج؟
هو الطريقة التي يتبعها الباحث حتى يتوصل إلى الحقيقة، ويكتشفها، وبذلك نجد أن المناهج العلمية دائمًا قيد التغيير والتعديل على يد العلماء، والمتخصصين.

مناهج البحث في صدر الإسلام:
كان للمسلمين عدة مناهج تبلورت وتنوعت، تميز بها العرب عن غيرهم؛ لأن العرب مادتهم الإسلام، وقوامهم هو ملكة الحفظ، والقدرة على الاستيعاب لكل ما يسمع. ومنذ فجر الإسلام ظهرت تلك الحركة العلمية؛ حيث بدأت بالعلوم الخاصة بالمواد الإسلامية، أو ما يطلق عليها: العلوم النقلية التي ارتبطت بالقرآن، والحديث، وكان مركزها مكة، والمدينة المنورة، إلى جانب بعض الأمصار الإسلامية، وبخاصة البصرة، والكوفة، والفسطاط.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


وظهرت عدة علوم جديدة، مثل: علوم القراءات، وروايات القراء، كما ظهر التفسير. ومن ثم، يتضح لنا عدد من العلوم التي ظهرت مع صدر الإسلام. ومع انتشار الإسلام مع الفتوحات، واتساع الأمصار، وانتقال الأصحاب في الأقطار المختلفة حدثت الفتن، واختلفت الآراء، ومن ثم اضطروا إلى التدوين، فكان التدوين من العلوم الإسلامية الأولى التي اتضحت وظهر في القرن الثاني الهجري، ورجعوا إلى حديث رواه أنس بن مالك، وهو قوله: "قيدوا العلم بالكتاب"، وقوله: "العلم صيد والكتابة قيد". حتى بعد التدوين، واشتغالهم بالتدوين كانوا دون الناس عن الحفظ، والسماع. إذًا، التدوين لا يغني عن الحفظ والسماع.
مع النمو المتزايد للدولة الإسلامية، واتساع رقعتها أصبحت الحياة الاجتماعية أكثر تعقيدًا؛ لأنها أصبحت متفاوتة ومختلفة من منطقة إلى أخرى، من مجتمع إلى آخر، أصبح المسلمون في حاجة إلى معرفة حكم الإسلام في كثير من الأمور، واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة. ومن ثم، بدأ ظهور علم جديد يسمى: علم الفقه؛ حتى يتم التوصل إلى معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين. ومن ثم، كانت الحاجة إلى استنباط الأحكام الفقهية.
من أين تم الاستعانة؟ من الأصول، الأصول لدينا هي القرآن الدستور الأول، ثم السنة التشريع الثاني المؤيد للدستور.
أصبحت الحاجة ماسة إلى استنباط الأحكام، والتوصل إلى القواعد التي لا بد من اتباعها في الفقه، وحتى يكون الاستنباط صحيحًا كان لا بد من اتباع عدد من القواعد لاستنباط الأحكام من القرآن والسنة. ومن ثم، أصبح هناك علم أصول الفقه، علم أصول الفقه هو الذي يحدد لنا كيف يتم الاستنباط الصحيح.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


ومن ثم، يتضح لنا أنه بدأ نمو علوم جديدة دفعتهم إلى دراسة القرآن والحديث، ثم دراسة العلوم الإنسانية، وحتى يكون الاستنباط صحيحًا يجب أن يتبع قواعد محددة. ومن ثم، ظهر علم أصول الفقه الذي يحدد لنا كيفية اتباع الخطوات السليمة الصحيحة في الاستنباط.
دراسة القرآن والحديث دفعت الكثير إلى دراسة علوم العربية، والعلوم اللسانية، وعلوم الفقه، وعلم النحو، وعلم البيان، وعلم الأدب، ثم دراسة العقائد الدينية في ذات الله، وصفاته، وأمور متعددة حول الروح، والحشر، والجنة، والنار، والحساب. ومن ثم، نجد أن الدراسات التاريخية كتبت في الكثير من تلك البحوث العلمية الخاصة بتلك المجالات المختلفة والمتنوعة. بدأت الحركة العلمية تتوسع وتتطور، واشتغل المسلمون في النظر والاجتهاد، والاستدلال؛ رغبةً في وضع القواعد والأصول، وترتيب الأبواب، وظهر في كل علم من تلك العلوم علماء يتدارسونها بوضوح في مناهج خاصة بالبحث.
مما لا شك فيه، أن القرآن كان هو صاحب الأثر الكبير في توجيه تلك العلوم، لم يعد الهدف من القرآن فقط الحفظ والتلقين، بل أصبحت الحاجة ماسة إلى إعمال العقل والفكر بدقة، ثم التحقيق والتمحيص، ثم بدأ الاهتمام بالنظر في الأسانيد وخاصة في علوم الحديث، بدأ اتجاه في علم الحديث التركيز على الأسانيد، ومعرفة ما يجب العمل به من الحديث، وبوقوعه على السند الكامل، ما هي الشروط لمعرفة رواة الحديث؟ وما هي صفات راوي الحديث من عدالة وضبط؟ ويسبق ذلك بالنقل، والتأكد من معرفة الرواة، وصفات هؤلاء الرواة من العدل، والضبط، والثقة.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


أيضًا التأكد من اتصال تلك الأسانيد، وعدم انقطاعها، بأن يكون الراوي لقي الراوي شخصيًا الذي نقل عنه؛ وبذلك أصبحت الأحاديث تتفاوت في سلامتها من العلل الموهنة، وأصبحت معروفة بعدد من الدرجات: الصحيح، والحسن، والضعيف. والمرسل، والمنقطع، والمتصل، والشاذ، والغريب، وغير ذلك من الصفات المتنوعة التي تشير إلى طبيعة توثيق ذلك الحديث.
أيضًا اتبعوا في ذلك بعض الألفاظ تقع في متون الحديث، ولهم أيضًا مصطلحات خاصة بهم، مثل: الغريب، أو المشكل، أو التضعيف، أو المفترق، أو المختلف، فهناك أصبحت ألفاظ مرتبطة بعملية توسيط الحديث، والتأكد من صحته، أو من عدم الصحة.
أما علم التفسير: فقد جاء أيضًا على لونين: هناك التفسير بالمأثور، المأثور الذي اعتمد على الكتاب والسنة، والنصوص المنقولة الصريحة الواضحة التي نقلت عن السلف، وتشتمل على الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والمقاصد، وكل ما يعرف، ونقل عن الصحابة والتابعين، وهناك نوع آخر من أنواع التفسير اعتمد على الرأي والاجتهاد بالاعتماد على اللغة، والإعراب، والبلاغة في توصيل المعنى بحسب المقاصد، وفي ذلك كانت الحاجة إلى إعمال العقل، وعدم التقيد بما جاء عن السلف، إنما الاجتهاد خاص بفهم الآيات من الجانب اللغوي، وخاصة من اشتغل في مجال الدراسات اللغوية، وأصبح متمكنًا في قواعدها، وأصولها.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


أما في علم الفقه: أيضًا ظهرت مدرستان: مدرسة أهل الحديث، وكان إمامهم الإمام مالك بن أنس الأصبحي، وهو إمام المدينة، استند في أحكامه على دليل، وهو عمل أهل المدينة، وقد رأى أن ما يتفق عليه أهل المدينة من فعل، أو ترك ذلك الفعل، فهم تابعون لمن قبلهم، ويقتدي بهم الجيل المعاصر، فاعتمد هنا على دليل شرعي بذلك، وهذه المدرسة اعتمدت على التقليد للسابقين إلى حد ما، تلك مدرسة المدينة الخاصة بإمامها الإمام مالك بن أنس.
مدرسة الفقه الآخذة بالرأي انتشرت وكان مركزها في العراق، رأس هذه المدرسة أو إمامها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، هذه المدرسة تم الاعتماد في أحكامها على القياس، وإعمال العقل والفكر حتى إنهم كانوا يتخيلون مواقف ومشاكل، ثم يبحثون عن الأحكام الخاصة بهم. ومن ثم، يتضح لنا أن العلوم الإسلامية ليست سهلة، بل هي قائمة على إعمال العقل والفكر، والمقارنة والاستنتاج، والاستنباط والاجتهاد. أيضًا يضاف إلى ما سبق أن جمهور المسلمين اهتموا بترجمة تراث البشرية العلمي إلى اللغة العربية، وبهذا نهضت حركة الترجمة بصورة واسعة، وبخاصة في عصر العباسيين الذين اتصفوا في بالسخاء والإنفاق على العلم، والترجمة بصورة واسعة، وأعقبت تلك الحركة حركة أخرى تسمى: حركة تصنيف، ثم تأليف، ثم ابتكار في كافة العلوم الطبيعية، والرياضية. ومن ثم، أخذ المسلمون في البحث المتطور بصورة دائمة،وأصبح الصفة المميزة لبحث أو المنهج المستخدم في البحث لدى المسلمين هو المنهج العلمي التجريبي.



١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


العوامل التي وجهت المسلمين نحو منهج البحث العلمي:
أولًا: القرآن، يلي القرآن علم أصول الفقه، أو علم القياس الأصولي.
أما القرآن الكريم نفسه فقد أكد على ضرورة إعمال العقل، أيضًا اهتم القرآن بالحرية، فلا إكراه في الدين. يستنكر القرآن التقليد، أيضًا القرآن طالب بالفهم لا مجرد الحفظ، حرية الرأي، الإسلام يطالب دائمًا بالبرهان والدليل، ويرفض أن يتبع رأيًا أو فكرًا محددًا، أيضًا أكد أن سنن الكون ثابتة لا تتغير، أيضًا يدعو إلى تحصيل العلم. ومن ثم، نجد أن الفكر العربي تجاوز الحدود التي وضعها أرسطو في منهج الصورية، أو التفكير الصوري، أي: أن العرب عارضوا المنهج القياسي، وخرجوا إلى حدود الملاحظة والتجربة، واعتمدوا أن الملاحظة والتجربة هما أساس البحث العلمي الصحيح.
إن السبب الرئيسي في رفض المنطق الصوري لدى أرسطو من المسلمين هو: أنهم لم يقبلوا الميتافيزيقا الأرسطية؛ لأنها مخالفة لإلهيات المسلمين، وكثير من أصول يتصل بأصولها، ولهذا رفض المتكلمون هذه الفكرة. في الحقيقة، كانت من أدق الأخبار التي وصل إليها المسلمون، ومن ثم، نجد أن القياس الأصولي، وخاصة في الحقل التشريعي كان له دور كبير في ظهور المنهج العلمي، إعداد المنهج العلمي، ثم ظهوره، فالقياس الأصولي يعد الأساس الذي قام عليه هذا المنهج، وهو ينطوي على عدد من العمليات الفكرية التي يمارسها المجتهد للاستدلال على حكم.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


هناك مواقف متنوعة جدت في حياة المسلمين أدت إلى ضرورة استخدام القياس للاجتهاد، واستنباط أحكام من القرآن والسنة، والقياس على تلك الأحكام الموجودة لحكم جديد، أو أمر جديد؛ نظرًا للتوسع في القضايا التي تطرقت لها الدولة الإسلامية، والأحكام التي تنوعت بسبب تنوع الأمصار التي دخلت، تنوع الجنسيات التي أسلمت، تنوع المناطق من أقصى الجنود لأقصى الشمال، لأقصى الشرق، لأقصى الغرب.

وللقياس الأصولي في البحث الإسلامي خطوات محددة:
أولًا: بحث المجتهد عن واقعة منصوص على حكمها تشبه الواقعة التي لا نص فيها، معنى هذا: أن هناك أحكامًا أو أحداثًا تحدث ليس لها نص صريح، فبالتالي يتم البحث عن واقعة شبيهة بتلك الواقعة، ويتم من خلالها الاجتهاد؛ نظرًا للتشابه بينهما، والقياس عليه، أيضًا البحث عن علة الحكم في الواقعة المنصوص على الحكم فيها. إذًا، نحدد السبب من ذلك الحكم، وما هي العلة أو المشكلة التي تم الحكم فيها أولًا، ثم البحث عن علة الحكم ذاتها في الواقعة الجديدة. إذًا، نحدد في الواقعة ما هي علة الحكم المتضمنة بتلك الواقعة؟ رابعًا: الإقرار بتساويهما في الحكم؛ لتوفر العلة ذاتها في كل منهما.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


إذًا، القياس يتم، له شروط حددنا القضية التي معنا، أو العلة التي معنا، تلك القضية لا يوجد لها نص صريح، فبالتالي يتم البحث عن قضية شبيهة بها، يتوفر فيها نفس الصفات، أولًا: نحدد العلة الموجودة في الحكم المنصوص، ثم نحدد العلة الموجودة في الواقعة الجديدة، ويتم المقارنة بينهما؛ للإقرار بتساوي العلتين؛ إذًا، يتساوى في الحكم.
معنى هذا: أن القياس هو مساواة الفرع للأصل في علة الحكم، وأركانه الأربعة، الأركان الأربعة هي: الأصل، الفرع حكم الأصل، والعلة. ومن ثم، يتضح أن القياس هو الاستدلال، الاستدلال على ماذا؟ الاستدلال على إثبات حكم لشيء؛ لوجود ذلك الحكم في شيء شبيه، أو مشابه له. ومن ثم، يوجد جامع بينهما،وبهذا يقول الشافعي: أن صحيح القياس إذا قست الشيء بالشيء أن تحكم له بحكمه، ذلك هو صحيح القياس، ومن هنا كانت العلة من أهم أركان القياس. العلة هي الأساس، وهي الأساس في المقارنة؛ لأن على أساس الحكم على العلة يتم الانتقال، أو نقل الحكم من الأصل إلى الفرع؛ وبذلك اتضح لنا أن مفهوم العلة شبع بحثًا، ودراسة، وتفصيلًا للأحكام، والشروط، وطرق التعرف عليها.
أيضًا الحق والنزاهة العلمية تقتضي الاعتراف بفضل العلماء والمفكرين في الاتجاه باقتدار نحو ابتكار مناهج البحث العلمية؛ لأنها كانت الأساس الذي قامت عليه النهضة العلمية في الشرق والغرب على حد سواء.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


ولقد قام منهج المسلمين على الاستقراء، ثم الاستنباط. نجد أن المسلمين أنشئوا على أيديهم العلوم الإسلامية الخاصة بأصول المنهج العلمي؛ لأنهم لم يخضعوا أنفسهم لوصاية الفكر اليوناني الأرسطي، بل تجاوز الفكر العربي كل الحدود اليونانية، وخرجوا على حدوده من خلال الملاحظة والتجريب، وأعدوهم هم المصدر الرئيسي للعلم. ونجد أن العرب قد اتبعوا أساليب مبتكرة تمامًا في البحث، فاعتمدوا على الاستقراء، ثم الملاحظة والتجريب العلمي، والاستعانة أيضًا بعدد من الأدوات؛ حتى يتمكنوا من الوصول إلى النتائج العلمية، ولقد ظهر كثير من العلماء المسلمين في المجال، ولم يكن قدرتهم وانطلاقهم العلمي إلا تجسيدًا للروح الإسلامية التي أضافت لهم فكرًا متكاملًا، ومنهجًا في البحث العلمي خلَّاقًا ومبدعًا، يدل على قدرة تلك الأمة، وأصالتها، وتتجلى فيها قدرتها، وعبقريتها الخلابة.

الأدوار التي مر بها الفقه الإسلامي حتى العصر الحديث، وظهور المدارس والمذاهب الفقهية:
ولو تتبعنا الفقه على مر العصور سوف نجد الفقه في عصر النبي -عليه الصلاة والسلام- والفقه في عصر الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم وأرضاهم- والفقه قبل سقوط الدولة الأموية، وبالتالي لكل مرحلة لها صفاتها التي تتصف بها من جانب البحث العلمي، أيضًا الفقه في أوائل القرن الثاني الهجري، الفقه من نهاية الدور السابق إلى سقوط بغداد، الفقه من سقوط بغداد حتى يومنا الحاضر.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


ويطلق على تلك التقسيمات: الأدوار التي مر بها الفقه الإسلامي، فالفقه في عصر الرسول تعد تلك المرحلة أهم العصور التي مر بها الفقه الإسلامي؛ لأنها مرحلة الوحي، أثناءها تنزلت الأحكام مباشرة باللفظ والمعنى، وخاصة بلفظ القرآن والسنة المطهرة، فالفقه في هذه المرحلة يعد من وحي السماء، فما كان منه اجتهاد من الرسول.
مر الفقه في هذه المرحلة مدة حوالي ثلاث وعشرين سنة فترة في مكة، والباقي في المدينة. أما فقه عصر الرسول في مكة: ركز على العقيدة والأخلاق، وعرض بصورة مجملة بعض الأحكام العملية للأخلاق الصافية، والعمل على أساس صالح، أما في المدينة: توسعت الأحكام، وتدخلت الأمور العملية فيها، والتشريع أخذ نواحي عملية متنوعة، وشرعت العبادات والجهاد، والأسرة، والزواج، والميراث، والبنوة، وأصبحت القضايا متنوعة ومتعددة، الأحكام ظهرت المتعلقة بالقتل والعقوبات، وحقوق المواطنين في الدولة، وبذلك أصبحت في تدرج وتنوع من مرحلة، هذه المرحلة الفقه فيها تميز بالتدرج في التشريع، تتميز مرحلة فقه عصر الرسول بالتدرج والتشريع. ولم يدون الفقه في هذا العصر بسبب انصراف المسلمين إلى الاهتمام بالقرآن فهمًا وحفظًا وتلاوةً، ولم يدونوا الفقه.
أما الفقه في عصر الخلفاء الراشدين: أصبح كعلم ينمو ويتسع في عهد الصحابة؛ لأن هؤلاء الصحابة واجهوا الكثير من الوقائع والأحداث، توسعت العلاقات، ومن ثم، أصبحت الحاجة ماسة إلى توسع ونمو للجانب الفقهي الإسلامي.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


مع التوسع في الفتوحات ترتب عليه أعراف، وعادات، وتقاليد، وهذا زاد من كثرة المسائل، وتنوع القضايا والوقائع التي كانت في حاجة إلى الحكم الشرعي. أصبح منهج الصحابة في ذلك الوقت هو الاجتهاد، والاتفاق في الرأي، والاتفاق هنا يعد إجماعًا، وهكذا ظهر الإجماع كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي.

ما هي صفات منهج الصحابة في الاجتهاد في ذلك العصر؟
عرض المسألة على ظاهر القرآن، إن لم يظهر في القرآن تعرض على السنة المطهرة، إن لم يجدوا لها نصًّا من السنة يتم الاجتهاد والرأي، الاجتهاد يأخذ شكل الشورى، وهو الطريق الذي نهَجَه الإمام أبو حنيفة فيما بعد، فإذا اتفق آراء الصحابة يكون الحكم وفق ما وصل إليه الجماعة؛ ولذلك سمي بالإجماع.
كان الصحابي يجتهد برأيه بعد البحث عن الحكم، أو المسألة في السنة، وبعد سؤال الناس إن لم يكن يحفظه وله، أيضًا كان الصحابة ينسبون توفيقهم إلى الله، وخطأهم إلى أنفسهم مع الاستغفار.
التدوين ظهر في ذلك العصر، وبدأ بتدوين القرآن، ثم السنة لم تدون، يعني: أثناء العصر الخاص بالخلفاء الراشدين، تم تدوين القرآن الكريم، لكن السنة لم تدون، وظلت محفوظة في قلوب الصحابة.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


الفقه في عصر الراشدين: نجد أن نهج الفقه اختلف عن نهج الصحابة في استنباطهم للأحكام الشرعية، فكان الفقهاء يرجعون للقرآن الكريم، والسنة المطهرة، ثم الاجتهاد، ثم ظهر النظر إلى العلل والأحكام، ومراعاة المصلحة، ودفع المفسدة.
إذًا، الفقه في عهد الراشدين اتخذ منحًى جديدًا، وهو الاجتهاد بالرأي، إضافة لما سبق من القرآن والسنة، النظر إلى العلل، ومراعاة المصلحة، ودفع المفسدة، إلا أن دائرة الفقه اتسعت في هذا العصر؛ بسبب اتساع رقعة الدولة الإسلامية، ومن ثم، ظهرت لدينا المدارس الفقهية التي أشرنا إليها من قبل.
أما التدوين في ذلك العصر: فإن الفقه لم يدون، والسنة لم تدون أيضًا، وظل التدوين محصورًا على كتاب الله -سبحانه وتعالى- ثم يتطور وينمو الأمر في أوائل القرن الثاني للهجرة، وحتى منتصف القرن الرابع نمت وازدهرت الدولة الإسلامية، أصبحت أكثر نضجًا، وبذلك استفادت الدولة الإسلامية من الأحكام والقوانين، وكان التركيز كله على الفقه؛ ولذلك سميت تلك المرحلة بعصر الفقه الذهبي، أو عصر التدوين، أو عصر الازدهار، الفقه في عصر المجتهدين.
كان لذلك الازدهار آثاره، أهمها: كثرة المسائل على نحو لم يسبق من قبل، ثم تدوين تلك المسائل. أصبحت هناك مسائل متنوعة خاصة في الفقه الإسلامي، وأيضًا تم تدوين تلك المسائل، والسبب يرجع لذلك الازدهار: اهتمام الخلفاء بالفقه وذلك كان هو العنصر الرئيسي الذي أدى إلى ازدهار علم الفقه، والأسلوب العلمي في البحث عن الأحكام الشرعية، أيضًا اتساع الرقعة الإسلامية، والتوسعات الكثيرة، وتمتد، ...

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


... وأصبحت الأندلس -أسبانيا الآن- والمغرب غربًا، والصين شرقًا، والسودان جنوبًا، واليمن، أصبحت الدولة الإسلامية مترامية الأطراف.
ظهور أيضًا فقهاء كبار لهم مدارسهم الفقهية، وأسلوبهم ومنهجهم العلمي في الاجتهاد كان لذلك أثر كبير في ساحة الاجتهاد العلمي في مجال الفقه، ومن ثم، زاد الإقبال على بيان أحكام المسائل بكل سهولة، وأيضًا الإقبال على تدوين القرآن وشرحه، والسنة وشرحها، إضافة إلى ذلك العديد من الآراء الفقهية التي تواجه الأحكام، وتم تدوينها أيضًا في كتب، وكانت تعد تلك المرحلة من أزهى المراحل التي مر بها الفقه.
نجد في العصر الذي يليه حتى سقوط بغداد جنح الفقه إلى التقليد، والالتزام بمنهج إمام تم وضعه، والمدرسة التابعة لذلك الإمام يتم اتباعها، وظهرت المذاهب الإسلامية المختلفة المتنوعة، وتوجه الفقهاء إلى تنظيم تلك المذاهب، وتبويبها في مسائل، واختصارها وشرحها، وهي ثروة فقهية هائلة، استغنى العلماء بها عن كل شيء.


أسلوب أصحاب المذاهب:
أولًا: استخراج علل الأحكام المنقولة من الأئمة، ووضع المناهج، وعلم الأصول، وقواعده مع أن أول من وضع هذا العلم هو الإمام الشافعي، أيضًا نضوج القواعد التي اعتمد عليها في الاستنباط في فروع كل المذاهب، ...

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


... وتحديد ومعرفة طرق الاجتهاد الجيدة التي سلكها كل بعينه، أيضًا الترجيح بين الأقوال التي نقلت من إمام ما عن مذهب، ثم بيان وجه الرجحان، ودراسة الدليل والعلة. إذًا، هناك أسلوب تجريبي دراسي جيد جدًا، كما توجه العلماء إلى تنظيم كل مذهب، والدفاع عن الرأي بالأدلة، وذكر المذاهب الخلافية التي بينهم وبين الفقهاء الآخرين، استمر هذا الوضع من سقوط بغداد سنة ستمائة ست وخمسين، وحتى يومنا هذا. الآن في العصر الحديث نجد أن الفقهاء استمروا على نهج السابقين بصورة طبيعية، وأوجدوا القدرات والطاقات عند العديد من العلماء، وظهور الكثير من علماء الدين مثل: ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني.
ظهور الشروح والمتون والحواشي الخاصة بالكتب الشرعية المختلفة، أيضًا اهتمام الفقهاء بالمناقشات، والاعتراضات على الجمل والسياق.
ظهور كتب خاصة بالفتوى في المسائل العلمية، وتهتم تلك الكتب بذكر الأدلة وفق منهج كل مذهب، وهي تمثل الفقه الواقعي التطبيقي؛ حيث إن العلماء مضطرون لتحديد وبيان الأحكام الخاصة بالمسائل العلمية التي يُسألون عنها، وظهرت كتب خاصة بتلك الفتاوى، وخاصة (فتاوى ابن تيمية).
أيضًا ظهر في الوقت الحاضر دراسات تهتم بالفقه الإسلامي وفق دراسة مقارنة في الرسائل الجامعية، والبحوث الدقيقة من الناحية العلمية، والمقارنة أيضًا بين المسائل الإسلامية كلها.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


ظهور المجامع الفقهية، وذلك هو الطريق للاجتهاد برأي الجماعة، ومن خلاله يتم استنباط متكامل من خلال الاستنباط سوف يتم الاستغناء عن الاتجاه الفردي، وظهرت هذه المجامع الفقهية بصورة واضحة في مؤتمر الفقه الإسلامي، وذلك أعطى للفقه حيوية؛ لأنه يتمكن من مواجهة الأحداث، والمسائل المستجدة في المجتمع، ويتمكن من بحثها بحكمة وعمق، ويتم اللجوء إلى اجتهاد الجماعة بدلًا من الاجتهاد الفردي.
أيضًا ظهرت ما يسمى: بالموسوعات الفقهية؛ لأنها يسَّرت معرفة الأحكام الفقهية الموجودة في أمهات الكتب القديمة، وتلك الموسوعات من خلالها يتم الاطلاع على تلك الأحكام، وهي مفيدة جدا للمتخصصين، خاصة في الفقه الإسلامي، ومنها: دائرة معارف الفقه الإٍسلامي التي جمعت هذه الموسوعات دراسة الفقه، ورتبته حتى يستفاد منه الجميع.


أصول البحث في الفقه الإسلامي، والأسس التي اعتمد عليها المنهج الإسلامي في البحث: أصول البحث في الفقه الإسلامي.
الباحث في الفقه الإسلامي والمسائل الفقهية لا بد أن يطلع على آراء الفقهاء في المذاهب المختلفة، ويستفيد من المتنوع؛ وذلك من خلال الدراسة البحثية الجيدة لآرائهم في كتب التفسير، وكتب الحديث، والفقه وأصوله، وذلك بمراجعة أهم المصادر في كافة المجالات، ومن ثم، يجب على الباحث أن يتقصى رأي المذهب، فإذا لم يجده يبحث عنه في عدد من المراجع الأخرى، وبخاصة ذلك في الأمور التي في حاجة إلى بحث عميق.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


البحث الإسلامي يمر بعدد من المراحل:
أولًا: جمع المادة العلمية من مصادرها، ثم تسجيلها في ورقة خاصة بصور مستقلة؛ حتى تكون متوفرة لديه بصورة دائمة، والمفروض أنه يفصل كل مسألة فقهية عن الأخرى، ويضعها في ورقة مستقلة خاصة بها.
أيضًا على الباحث أن يرتب المعلومات التي وصل إليها حسب المذهب الفقهي، ثم يستخلص رأي المذهب من خلال تلك الأوراق، أو المعلومات، ثم يرتب كل مذهب على حدة.
ثانيًا: الموازنة: على الباحث أن يوازن بين الآراء، ويحدد الرأي المخالف في المسألة، ويطلع على رأي إجماع العلماء، ثم يقوم الباحث بالترجيح بين تلك الآراء الفقهية في المذهب الواحد، أو الترجيح بين آراء مذهب وغيره من المذاهب، ويعتمد في الترجيح على الدليل القوي، وأثناء الترجيح يجب أن يجيب عما سأل عنه الآخرون، وأن يصل إلى ما وصل إليه الآخرون، ومن ثم، على الباحث أن يستنبط حكمًا لم يصل إليه غيره من خلال الأدلة التي ترتبط بتلك المسألة الفقهية، وعليه أن يظهر احترامه لجميع العلماء الذين عملوا في المجال.


١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


أثناء البحث العلمي على الباحث -أولًا- توثيق الآيات القرآنية التي ترد في بحثه، والتي استشهد بها حيث يكتب السورة، ورقم الآية في هامش البحث، أو في صدر الصفحة، تخريج الحديث الشريف، والآثار من مصادر الحديث الأصيلة، والتي تدل بذلك على درجة الحديث، ومصدره. أيضًا عليه أثناء البحث أن يوضح معاني الكلمات الصعبة. أيضًا الباحث عليه أن يجتهد في ترجمة تراجم العلماء الذين سبقوه في المجال.
ومما سبق يتبين لنا، أن المسلمين هم أوائل من تبنوا الأسلوب، أو المنهج العلمي، وذلك بسبب التوسعات الكبيرة في الأمصار، والفتوحات في الدولة الإسلامية، كان ذلك أدعى إلى الاجتهاد، وإلى البحث في مجالات الفقه الإسلامي؛ بسبب دخول العديد من المسلمين في الدين الإسلامي، وهذا التنوع في الأمصار المختلفة كانت سببًا رئيسيًّا في البحث، وبخاصة في العلوم الفقه، ووضع أصول الفقه.
يتضح لنا في ذلك أسلوب المسلمين المهتمين بالفقه وأصوله منذ عهد الرسول، وبخاصة في عهد الصحابة؛ بسبب تلك الفتوحات الواسعة، ولكن ما لبث المسلمون أن اتبعوا منهجًا تجريبيًّا في القضايا، نجد أن ابن تيمية حدد وذكر أن الناس حين شربوا الماء جربوا أن مع شرب الماء حصل الارتواء، وأن عند قطع العنق يحدث الوفاة، وأن الضرب الشديد يُشعر بالألم. إذًا، القضية الأساسية لدينا أو الكلية هي قضية تجريبية، كل من فعل به ذلك يحصل له ذلك، فهذه القضية الكلية لا تُعلم بالحس، بل بما يتركب من الحس والعقل معًا، وليس الحس هنا هو السمع فقط.
كل ما سبق سمي: تجريبات، وحدسيات، فإن كان حدس فهو مقرون بالعقل في الإنسان كالأكل، والشرب، وتناول الدواء، وسماه تجريبيًّا، إن كان خارجًا عن قدرته كتغيير الأشكال، مثل: القمر مقابل الشمس.

١.٦ مناهج البحث في الحضارة الإسلامية


لقد أجمع مؤرخو العلم على أن مناهج البحث في مختلف الفروع الإنسانية قامت على أساس علمي مستمد من الواقع والخبرة، وأيضًا مستمد من العصر الذي تعيش فيه، أو الذي ينتقده، وليس معنى هذا خلو العصر القديم من الدراسات المنهجية، فالعقل الإنساني لا يستطيع أن يفكر أو يستدل بدون أن يكون له منهج معين على ذلك التفكير، وأسلوب الحركة فيه. ومن ثم، يجب الإشارة إلى أن المنهج العلمي لا يختص بجيل دون جيل، أو فرد دون فرد، بل يكاد يكون لكل الأفراد، ولكل الأجيال، ومعنى هذا أن المنهج التي صارت عليه الأمم من أمة إلى أخرى هو طبع بطابعها فقط لا غير، وهو صُبغ بروح الحضارة والعصر الذي يعيش فيه، وتظهر حضارته من خلاله.
إذًا، فالمنهج هو الوسيلة التي من خلالها تتمكن الحضارة من الوصول إلى مبتغاها، والمنهج السليم هو المنهج العقلي القياسي، وأيضًا المنهج التجريبي الذي يعتمد على الجانب التطبيقي، وكان للحضارة الإسلامية روحها الخاص من مناهج البحث، وأساليب البحث الذي صار عليه البحث العلمي.
ومما تقدم يتبين لنا أن البحث الإسلامي اتخذ منهجًا علميًّا، واتبع منهجًا علميًّا من استقراء ثم استنباط، ثم القياس، والتجريب، وتلك هي الأسس التي يعتمد عليها المنهج الإسلامي.