٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


المنهج الاستقرائي في البحث
نجد أن المنهج الاستقرائي هو منهج قديم، كما أشرنا من قبل تنوع المناهج البحثية، فيجب أن يكون هناك منهج بحث يعتمد عليه؛ حتى يكون ذلك البحث بحثًا علميًّا، يتم الوثوق فيه، فمن خلال استعراض المناهج التي تم الاستعانة بها على مر العصور نجد المنهج الاستقرائي.
فكرة الاستقراء قديمة ليست جديدة، فهي قديمة منذ أرسطو، تبنى تلك الفكرة، والمقصود هنا بالاستقراء: تتبع الفكرة للتوصل إلى النتيجة من خلال هذا التتبع، وعمل عملية مسح شامل لتلك الفكرة، ومقارنتها بأخرى من الأفكار، أو المناهج التي تستخدم في البحث. فنجد أن الاستقراء الذي ذهب إليه أرسطو قائم على التعميم، بهدف أننا نجد بعض الجزيئات في الجميع، تلك الجزيئات عند توفرها في الجميع يعد هنا تعميم في الحكم، ويمكن الاستعانة بتلك الجزئيات أو ببعضها وتعميمها على الكل. فنجد أنه ينتقل من جزئية إلى أخرى من خلال ذلك. نجد أرسطو أول من رسم منهجًا للوصول إلى المعرفة الصحيحة، يمكن أن نثق بها على أساس المشاهدة الفعلية، من خلال استقراء المعلومات المتوفرة لديه، ذلك الاستقراء ممكن أن نفهمه، ووضحه لنا "بيكون" أنه متنوع، هناك الاستقراء التام، والاستقراء الناقص، فالأول: هنا حصر كامل لجميع الأفراد في الظاهرة موضوع البحث، هذا الاستقراء التام، ثم الانتقال من دراسة معينة من أفراد الظاهرة إلى إطلاق الحكم، وتعميم النتائج من خلال ذلك.

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


نجد هنا تشابهًا بين دراسة الحالة، وبين الاستقراء، فالاستقراء يعد معنى جزئيًّا يتم إدراك من خلاله مقدمات للقياس، فيتم خلال الاستقراء عرض المقدمات، وجمع البيانات، وجمع الظواهر المختلفة حول المشكلة، ثم يتم القياس على تلك المقدمات التي تم جمعها، وتعميم النتائج من خلال هذا القياس، ولهذا يعد القياس عملًا برهانيًّا، يتأكد من خلال المعرفة التامة، أو الاستقراء التام للجزيئات السابقة، يعني: الإلمام التام لجزيئات المعرفة، لما يتم المعرفة بعدم إكمال أي جزء من تلك الجزيئات نتوصل إلى معرفة كاملة عن تلك الظاهرة؛ لأننا تم الإلمام بكافة الجوانب الخاصة بتلك المشكلة، وعند الإلمام بكافة الجوانب أو تغطية كافة الجوانب الخاصة بتلك المشكلة؛ إذًا تم حصر المشكلة، وتحديد أبعادها.
نتمكن بعد ذلك من إعمال العقل جيدًا لاستخدام القياس عليه، يتم القياس هنا من خلال المعرفة المحسوسة، أو الإدراك الحسي لدى العالم، يتمكن من خلاله التوصل إلى تلك المعرفة. ومن ثم يتضح لنا، أن أرسطو عالج القياس بنفس طريقة معالجة الاستقراء، من خلال المقدمات نتوصل إلى النتيجة، وبالتالي الضعف في المقدمات يؤثر في النتيجة، الضعف في الاستقراء يؤثر في القياس، ويصبح القياس خاطئًا؛ فنجد أن الاستقراء التام لدى أرسطو هو استدلال مقدمات كلية للتوصل إلى نتيجة كلية، ومن ثم النتيجة لازمة عن المقدمات، فنجد أن الاستقراء صفة للقياس.
فالحدود في تلك المقدمات، أو في عملية الاستقراء، أو في المنهج الاستقرائي ليست خاصة بأفراد جزئية، وإنما هي أنواع؛ لأنه لا يمكن القيام بإحياء كامل لأفراد الإنسان، أو حصر كامل للإنسان في الماضي والحاضر حتى نتمكن من تعريفه، ولكن يتم استقراء المعلومات المرتبطة به.

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


فنجد أن أرسطو وضح لنا أنواعًا ثابتة ومحددة في الاستقراء، يجب أن يتبعها بحيث نصل إلى الاستقراء التام، وذلك معتمدًا على جزئية صادقة ومهمة جدًّا، وهو مقدمات، المقدمات الأولية من خلالها نتوصل إلى ما يسمى: البرهان الحقيقي.
فنجد أن المنهج الاستقرائي نستخدمه حتى نستدل على المقدمات الخاصة في المناهج العلمية، ويتنوع ذلك الاستقراء، ويختلف من مشكلة إلى أخرى، ولكن الجدير بالذكر أنه على الباحث أن يتبنى أسلوبًا جيدًا من حيث يجمع كل البيانات، أو كل المقدمات، و أن تكون تلك المقدمات بالنسبة له ليست حتمية، ولكن يبدأ على أساس أن تلك المقدمات ظنية، واحتمالية، إلى أن يصل إلى نتيجة أيضًا قد تكون تلك النتيجة بطبيعتها لأن تلك المقدمات احتمالية، تصل إلى نتيجة أيضًا احتمالية. في حال اكتشاف أن الحالة سالبة علينا رفض تلك النتائج، وبهذا علينا أن ندرك جيدًا أن استخدام المنهج الاستقرائي استخدم قديمًا من أيام الفلاسفة اليونان، وهو تتبع الأسلوب العلمي في البحث، وهو إحدى المناهج العلمية الخاصة بالبحث، وهو تتبع القضية، وتتبع مشكلاتها.
وعلينا الإشارة أيضًا أن مناهج الدراسة والمناهج البحثية كانت أسلوبًا والتوجه خاص لكافة المسلمين في كافة الاتجاهات، نجد -مثلًا- في منهج الدراسة الخاصة في مدرسة البصرة، ومدرسة الكوفة، نجد منهج الدراسة في مدرسة البصرة نشط، واهتم علماء البصرة بالدراسة البحثية المنهجية؛ ...

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


... بسبب أن البصرة كانت منطقة وسط بين المناطق الجديدة من أعلى آسيا التي دخلت في الإسلام بسبب الفتوحات الإسلامية الواسعة، فدخول بلاد فارس في الإسلام نجد هناك كثيرًا من المسلمين جاءوا من أمصار متنوعة ومختلفة، فأصبح الحاجة هنا إلى استخدام منهج علمي سليم في دراسة القرآن وبحثه، فاتجه علماء البصرة بالبحث والدراسة.
نجد أيضًا علماء الكوفة اتجهوا نفس الاتجاه في البحث والدراسة، ولكن علينا الإشارة أن مدرسة البصرة كانت أسبق من مدرسة الكوفة في مناهج البحث، أو الأسلوب العلمي في البحث؛ لأن الكوفة كانوا منشغلين بالاستقرار السياسي أكثر من أهل البصرة، فنجد أن المنهج في البصرة منذ البداية كان التركيز على دراسة اللغة العربية، بهدف دراسة القرآن الكريم، ثم بدأ المسلمون في التوجه إلى دراسة الكلمات "علم الكلام"، والتركيز على المفردات اللغوية.
نجد من اهتم باللغة -أولًا- هم أهل البصرة، ومنهم: الخليل الفراهيدي، وسيبويه، وكل هؤلاء كان استخدام منهج بحثي لدراسة النحو، لدراسة اللغة العربية؛ حتى نتمكن من دراسة علوم القرآن، فبذلك من لهم السبق هي مدرسة البصرة، تلاها مدرسة الكوفة، لقد أخذت عنهم، ويعد كتاب سيبويه هو أيضًا المصدر الذي اعتمد عليه أهل الكوفة في الدراسة أولًا.

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


وعلينا عدم الفصل بين البصرة والكوفة؛ لأن البصرة جاءت أولًا، تلتها الكوفة، فأصبحت الكوفة تالية للبصرة، وما كان في البصرة من علم وتقدم كان له الصدى في مدرسة الكوفة، ومن ثم اعتمدت عليه في قيام منهجها العلمي. ولكن علينا الإشارة إلى أن التنافس كان شديدًا بين أهل الكوفة والبصرة، وخاصة في النحو.
نجد هناك من العلماء مثل: الكسائي، والفراء، كل هؤلاء كانوا من أهل الكوفة، أما من أهل البصرة: سيبويه، والخليل الفراهيدي، وكان أهل الكوفة اعتمدوا على اتباع المنهج اللغوي في دراسات الحاضر، واعتمدوا على دراسة الأصوات، ومخارجها، وصفاتها، وخصائص الأصوات، ومن ثم تم التوصل إلى البناء العام للغة، وتحديد الظواهر اللغوية المختلفة التي تنتهي، أو تؤثر في بنية الكلمة، وبالتالي أثرت في تصريف الكلمات، وأدت إلى نوع من النحت والتركيب، والإحلال، والإبدال في اللغة، وهذا كله كان الهدف منه دراسة النحو جيدًا، والإعراب، ودراسة تراكيب الجمل، ذلك هو المنهج الذي اتبع في مدرسة الكوفة، والهدف من ذلك هو دراسة الفقه جيدًا، والقرآن الكريم، والحديث.
إذًا، المنهج اللغوي الذي اتبعته مدرسة الكوفة كان الهدف منه هو دراسة القرآن الكريم، والحديث الشريف، وتنوع الدراسات الأخرى.
ونجد نحاة مدرسة البصرة قد اتبعوا أسلوبًا آخر بخلاف مدرسة الكوفة، نجد في مدرسة البصرة أنه قد ظهر منهجان مختلفان: منهج القراء، ومنهج المتكلمين.

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


ونجد أن الدراسات منذ مطلع القرن الثاني الهجري انقسمت إلى طائفتين، كل طائفة كان لها منهجها الخاص بها، حتى الدارسون انقسموا إلى نفس القسمين، لكل منهج من يدرسه الخاص بدراسته، وأصبح لكل منهج أو لكل قسم مدرسة خاصة بها، كل مدرسة لها خصائصها ومزاياها، المدرسة الأولى تسمى مدرسة القراء. والمدرسة الثانية مدرسة الكلام.
نجد في البصرة القراء اعتنوا بالرواية، وعدم الاجتهاد حتى لو كانت الرواية تخالف نصًّا لديهم، فهم يلتزموا بالرواية، وتوقفوا عن الاجتهاد تمامًا في مجال البحث، فلا يعملون شيئًا من حروف، أو تأويل، أو تفسير، وتوقفوا تمامًا، لم يجتهدوا أمام النص المروي؛ لأنه اعتبر الروايات سنة، فلا يمكن تحريفها، فإذا ثبتت الرواية لم يحاولوا حتى القياس، ولا المتابعة نهائيًّا، التزموا قبولها كما هي، هذا من حيث مدرسة الرواية.
وليست القراءة وحدها هي التي كانت تعتمد على الرواية، بل أيضًا اعتمدت الرواية في المعارف الدينية المختلفة، وأصبحوا ينحون هذا المنحى في كل المجالات، و السبب الذي دفع وأدى إلى زيادة هذا الاتجاه: كثرة القراء، وكثرة حملة الحديث في تلك المرحلة من الصحابة والتابعين، وأيضًا المعارف الإسلامية كانت لا تزال في مرحلتها أو الدرجات الأولى منها، والعقليات الإسلامية قريبة لا زالت في بدايتها لم تستنير جيدًا، وأيضًا كانت حديثة العهد بالاستقرار والحضارة، وكان الدارسون في تلك الفترة لا يملكون من مناهج الدراسة إلا المنهج البسيط، وهو ما نسميه: منهج المحدثين، وهذا المنهج اعتمد اعتمادًا كليًّا على النقل، ومن خلال الرواية.

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


نجد أيضًا الحديث هو مادة واسعة اشتمل العديد من الفروع، وكان منهجه الذي سيطر عليه أيضًا دراسة تلك المعارف التي أخذت المعارف شيئًا فشيئًا تنفصل واحدة تلو الأخرى، وكل واحدة تحيط نفسها بشيء من المعارف الخاصة بها، وتنفصل كل منها عن الأخرى. وبهذا نجد أن مدرسة القراء لم تستغل النهضة الفكرية بصورة جيدة، وركزت على النقل المباشر والرواية.
في المقابل المدرسة الثانية اعتمدت على إعمال العقل، وإبراز الخصائص العقلية، والاعتماد على العقل في إصدار الأحكام في كل المجالات، وبخاصة في المجالات الأدبية والفنية، وتناولوا كثيرًا من القضايا والموضوعات البلاغية، واهتموا بأحكام العقلية في بناء قضاياهم، وخاصة في مجال التحسين والتقبيح العقليين، ويتم الحكم على الشيء بأنه حسن أو قبيح على أسس نظرية محضة، لا أثر للفنية فيها، وقد أخذ المنهج هنا - المنهج النظري- يطغى على كافة الدراسات المختلفة، وتأثر هذا المنهج بأصحاب العقائد غير المسلمين، واستعانوا بأدواتهم حتى يتسلحوا بالمنطق الخاص بهم، أيضًا توقفوا عند فلسفات اليونان، وأصبح مجالًا خصبًا لتبني تلك الفلسفات في الجدال بين الفرق المختلفة، ومن ثم أثر ذلك في البيئات الدراسية بصورة واضحة، وظهرت مدارس فقهية مختلفة، من المدارس الفقهية القياسية، ومدارس النحو القياسية، ونجد أن الصراع نشب بين أصحاب المدارس الخاصة بالرواة، وهم أصحاب الحديث، ومدارس أصحاب الكلام؛ لأنا نجد أن أصحاب الكلام مسكوا بزمام الأمور؛ حتى لا تفلت الأمور من أيديهم، وأصحاب الحديث خشوا على روايتهم من التحريف من هؤلاء أصحاب الكلام، وأصبحت الخصومة شديدة بين منهج المتكلمين ومنهج النقليين والرواة من أصحاب الحديث، وأعدوا المتكلمين أصحاب بدعة، وطالت الخصومة بينهما، ومنهم من احتمى بالسلطان حتى ينكل بالآخر.

٢.٥ المنهج الاستقرائي في البحث


ونجد أن التاريخ مليء بالروايات التي راح ضحيتها الكثير في تلك الخصومات التي حدثت بين أصحاب منهج المتكلمين، وأصحاب منهج أهل الحديث أو الرواة، ومعنى هذا:نجد أن مدرسة البصرة اختلفت تمامًا عن مدرسة الكوفة، وأصبح هناك خصام دائم بينهما، ونجد تعدد الفقهاء؛ لأنهم أخذوا يتحللون بعد ذلك من سلطان الرواية، من خلال دخول الآراء المتنوعة الفقهية، وتنوع الفقهاء، وبدءوا يعملون الرأي والقياس، ومن زعماء مدرسة القياس هنا: أبو حنيفة، كان زعيم مدرسة القياس في الفقه، ونسب إليه هذا الاتجاه الجديد، فقد أدرك أربعة من أصحابه، وهم: أنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو طفيل بن عامر وائل بمكة، ولكنه لم يلق أحدًا منهم، هو أدركهم، وأدرك علمهم، ولكن لم يلتقِ بهم شخصيًّا، وأخذ عنهم. نجد أن النحاة أيضًا بدءوا في أهل البصرة يتخذوا نفس المنهج الذي اتخذه الفقهاء، وهو إعمال القياس، وإحكام العقل، بدءوا في استخدام المنهج القياسي أيضًا في البحث العلمي.