٢.٤ المنهج التاريخي


المنهج التاريخي
المنهج التاريخي هو أحد المناهج التي تُستخدم في البحوث التربوية، ذلك المنهج يمكن البحث من خلاله في عدد من العلوم، سواء كانت مترابطة أو غير مترابطة، ويستعان خلاله بطرق متنوعة من البحث. خلال المنهج التاريخي يمكن دراسة الظاهرات وتتبع المشكلات، تتبع مراحل النمو لدى الأطفال، ومن ثم نجد أنه يمكن الاستعانة بالمنهج التاريخي في العديد من الظواهر، ويمكن استخدامه بأنواع متعددة ومتنوعة من الطرق.
ويعتبر المنهج التاريخي أحد المناهج العامة في عملية البحث العلمي بالإضافة إلى المنهج الوصفي والمنهج التجريبي، ومن ثم تعد المناهج الثلاث العامة في البحث التربوي أو البحث العلمي في مجال التربية وعلم النفس هو المنهج الوصفي، يليه المنهج التجريبي، يليه المنهج التاريخي.
الباحث يستخدم المنهج التاريخي نظرًا لتشوقه إلى معرفة الأحداث الماضية والأحوال في الأزمان الماضية أيضًا؛ فمعرفةُ الماضي دائمًا ما تثير الإنسان على الدوام، نجد ذلك من خلال حفظ القصص القديمة للرُّحل والأقاصيص، ويتم تداولها عبر الأجيال.
أيضًا نجد رجال العلم والتاريخ والدين بذلوا أقصى مجهود في البحث العلمي التاريخي بصورة دائمة في الحضارات والثقافات الماضية، بهدف الحفاظ عليها ونقلها إلى الأحفاد، على مر العصور نجد الكتابات التاريخية تهدف إلى حفظ ونقل الأحداث، ويكون دائمًا لها أهداف علمية على مر العصور، وهي حفظ التراث والحضارات، ونجد المؤرخين في اليوم الحالي يجتهدون باستخدام المنهج التاريخي لإحياء الخبرات البشرية الماضية بطرق تبنَى على مراجعة الأحداث والأحوال الواقعية للأزمنة الماضية، ...

٢.٤ المنهج التاريخي


... وهم يحاولون دائمًا جمع الوقائع وفحصها، وينتقون منها، ويحققونها، ويتم ترتيبها وفق قواعد محددة ومعينة، ويجدون في تفسير تلك الوقائع، ويتم ربطها بالأسباب، وتقديمها في صورة جيدة للقارئ أو الفاحص، وبذلك هم يستعينون بمستويات علمية، سواء كانت مشكلة تتعلق بتاريخ أمة، أو تطور جامعة ما، أو أحداث المربين الممتازين على مر العصور، أو الأنظمة التربوية المختلفة التي تم الاستعانة بها على مر التاريخ، الهدف من البحث هنا بحث ناقد باحث عن الحقيقة.
إذًا البحث التاريخي هو بحث ناقد للأحداث، ودائمًا يبحث عن الحقيقة.
إذًا يختلف البحث في مجال العلوم الطبيعية عن البحث في الوقائع القديمة وصدقها، والقواعد هنا تختلف عن قواعد البحث العلمي في المواد العلمية؛ مثل الطب، والكيمياء، والفيزياء.


يجب علينا مراعاة ما يلي عند استخدام المنهج العلمي:
أولًا: انتقاء المشكلة.
ثانيًا: جَمْع المادة العلمية.
ثالثًا: نقد المادة العلمية.

٢.٤ المنهج التاريخي


رابعًا: صياغة الفروض التي تفسر الأحداث أو الأوضاع.
خامسًا: تفسير النتائج وكتابة تقرير البحث.

إذًا هناك عدد من الإجراءات التي يجب أن تتبع للقيام بالبحث التاريخي، أو التأريخ لحدث أو مشكلة ما، إذًا المؤرخ أو الباحث باستخدام المنهج التاريخي -يطلق عليه المؤرخ- عليه أن يحدد نوع المشكلة التي سوف يقوم بدراستها وبحثها.
ثانيًا: يجمع حول تلك المشكلة البيانات والمعلومات، أي: جمع مادة علمية مرتبطة بتلك المشكلة من خلال دراسات في نفس الفترة الزمنية أو أحداث مرت مرتبطة بها، أو تاريخ دولة أخرى مجاورة لها حدث بينهما احتكاكات؛ إذًا جمع مادة علمية غنية.
فرز تلك المادة العلمية التي تم جمعها ونقدها جيدًا، ثم يتم صياغة عدد من الفروض، تلك الفروض نستمدها من المادة العلمية،التي تم جمعها من خلال المادة التاريخية جمعناها، ودرسناها، وحققناها طرحنا عددًا من الفروض، وتم تفسير الأحداث في ضوء الفروض التي طرحناها، وبعد ذلك الخطوة الخامسة سيتم تفسير النتائج، وفي ضوء النتائج التي فسرناها من تلك الفروض يتم كتابة التقرير.



٢.٤ المنهج التاريخي


أولًا: انتقاء المشكلة:
تحديد المشكلة عنصر أساسي في عملية البحث التاريخي، كل عناوين الدراسات التاريخية تم جمعها في قوائم هائلة في المكتبات العامة. المشكلات التاريخية دائمًا ترتبط بدراسة فترات تاريخية محددة، مناطق جغرافية مختلفة ومتباينة فيما بينها، أيضًا يتم دراسة مجالات تخصص متميزة في تلك الفترة، القوانين التعليمية التي اتبعت، المناهج التي طبقت، أساليب التدريس، المنظمات التربوية؛ إذًا المشكلات التي تم التطرق إليها متنوعة ومتعددة، ولا زالت هناك مجالات عديدة للبحث التاريخي في المشكلات في الحقب الزمنية الماضية جديرة بالدراسة والبحث. وقلنا الكثير من المشكلات التاريخية التي في حاجه إلى البحث، ولذلك تم التنبيه على المشتغلين بالتربية البدنية إلى ضرورة بذل المزيد من البحوث التاريخية في مجال التربية البدنية، وأيضًا هناك العديد من المشكلات التي في حاجه إلى البحث والدراسة في الجوانب التربوية، وهناك كثير من الدراسة التي تتبعت التربية عند الإغريق، عند أرسطو، وعند أفلاطون، وعند سقراط، وتتبعوا تلك الأحداث، أيضًا هناك دراسات مجال التربية في التربية الإسلامية، وأثرها على المنهج؛ فهناك كثير من البحوث التاريخية التربوية والاجتماعية التي تعالج بأسلوب المنهج التاريخي.


٢.٤ المنهج التاريخي


ثانيًا: جمع المادة العلمية:
حددنا المشكلة بدقة، ووضوح، وممكن الاستعانة في تحديد المشكلة بالدراسات السابقة في مجال، والبحوث العلمية في المجال.
من الأمور المهمة أو الأساس في البحث التاريخي جمع المادة العلمية، هنا يظهر لنا فرق كبير ما بين المنهج التاريخي وما بين المنهج التجريبي، فالتجريبي تم تحديد متغير مستقل وتطبيقه على مجموعة، عينة محددة، في المنهج التاريخي لا يوجد عينات، كل ما في الأمر نعمل عملية اكتشاف للتاريخ السابق والمشكلة محددة من خلال المصادر، والمعلومات، والكتب، والمراجع العلمية نجمع منها المعلومات عن تلك المشكلة، يظهر لنا الخلاف الكبير بين المنهج التاريخي والمنهج التجريبي.
إذن الأعمال المهمة التي يقوم بها المؤرخ هنا هو كم المادة العلمية المتوفرة لديه لحل المشكلة التي يبحث بها؛ فهو يحدد فترة زمنية معينة، في دراسته أيضًا مرتبط بفترة زمنية معينة خاصة بالمشكلة أو الظاهرة التي ظهرت في تلك الحقبة الزمانية، ونستعرض الأحداث الخاصة وأثرها على الإنسان -الأحداث التي تمت في تلك الحقبة الزمنية، وأثر تلك الأحداث على الإنسان- ومن ثم نُوعت الأحداث الماضية واختلفت، وتظهر لنا عدد من الشواهد والأحداث المتعلقة بالمشكلة التي يراد بحثها أو المشكلة المستهدفة، وعلى الباحث أن يحدد مصادر البحث أو مصادر جمع المعلومات، وعليه أن يعتمد على المصادر الأولية، وأيضًا المصادر الثانوية.

٢.٤ المنهج التاريخي


ما المقصود بالمصادر الأولية والمصادر الثانوية؟
المصادر الأولية هي التي تناولت تلك الظاهرة بصورة مباشرة، أما المصادر الثانوية هي التي تناولت أحداثًا أخرى بصورة مباشرة، ولكنها تطرقت إلى المشكلة بصورة غير مباشرة تبعًا للأحداث الأساسية التي تتناولها في بحثها، أو في مصادرها، ولكن يجب أن نجمع كافة الأحداث حول تلك المشكلة أو البيانات والمعلومات.
وبذلك، فإن المصادر الأولية ممكن أيضًا تكون في صورة أشخاص، أشخاص عاصروا تلك الأحداث بالفعل، وشاهدوها، ولا زالوا أحياء، ممكن الرجوع إليهم نستمد منهم المعلومات بصورة مباشرة، فبذلك هم يعدوا مصادر أولية وليس مصادر ثانوية.
من المهم جدًّا أن يدرك الباحث في المنهج التاريخي الفرق بين المصادر الأولية، وهي اللازمة والضرورية وهي الأساس في البحث التاريخي، والمصادر الثانوية وعدم الاكتفاء بالمصادر الأولية، بل يجب أن يلقحها، ويزودها، ويضيف إليها المصادر الثانوية في البحث العلمي.
يضاف إلى المصادر السجلات والآثار، تعد السجلات والآثار الموجودة إحدى مصادر جمع المعلومات للباحث التاريخي، فهناك عدد من السجلات تم حفظها، إما حفظها كآثار ولا زالت محتفظين بها كأثر، وتتضمن تلك السجلات العديد من المعلومات التي ممكن تمدنا عن الحقبة الزمنية، أو المشكلة التي يتم دراستها في حقبة زمانية ماضية.

٢.٤ المنهج التاريخي


السجلات ميزتها إنها بتحفظ الأفكار، والأحوال، والأحداث الماضية؛ فهي متعددة ومتنوعة، خاصة السجلات المكتوبة بتحفظ لنا تلك الأحداث بصورة جيدة.
السجلات الرسمية: السجلات الرسمية تمثل لنا الوثائق التشريعية، أو القضائية، أو التنفيذية التي تصدرها الحكومة، القوانين والتشريعات التي صدرت في عهد الملك فاروق لا زالت موجودة في دار الوثائق المصرية كآثار موجودة، وجود القوانين والتشريعات واللوائح التي كانت موجودة، عندما يقوم باحث بدراسة معينة باستخدام المنهج التاريخي؛ فهو الباحث يلجأ إلى تلك المناطق مصلحة الوثائق في جمهورية مصر العربية، ويرجع مرة أخرى إلى فحص تلك الوثائق.
قلنا: الوثائق والسجلات منها الرسمي، ومنها الأثري، الرسمي هو خاص بقوانين الدولة، وتشريعاتها، وتحتفظ به الدولة بصورة رسمية، وإذا انتهى ذلك القانون يتم الحفاظ به، وتدوين القوانين واللوائح الجديدة، لو كانت السجلات سجلات ليست رسمية وإنما كانت سجلات شخصية، مثل: الخطابات، السيرة الذاتية، اليوميات، الوصايا، والأعمال، والعقود، كل ذلك تمثل سجلات شخصية، يضاف إلى ذلك التراث الشفوي الذي ينتقل إلينا من خلال أشخاص في صورة حكايات، أو قصص، أو أحداث مرت بهم، ونحن نقابلهم بصورة مباشرة، وينقلون لنا المعلومات، أو سجلات مصورة الصورة نفسها تحفظ لنا مثل المتاحف التي فيها صور الملوك، ...

٢.٤ المنهج التاريخي


... وأحداث صور الزفاف الخاصة يهم، صور الاحتفالات، صور الحفلات، الثورات المختلفة؛ فهذه ـتعتبر بالنسبة لنا سجلًّا يحفظ لنا حدثًا تاريخيًّا معينًا، سواء كان نحتًا، سواء كان تصويرًا، سواء كان رسمًا، سواء كانت أفلامًا، فكل ذلك يمثل سجلات لجمع البيانات.
أيضًا يتوفر لدينا المواد المنشورة، المواد المنشورة عبارة عن الجرائد، والصحف، والمقالات الدورية، والأعمال الأدبية التي تنشر، كل تلك المصادر تعد مصادرًا لجمع المعلومات من خلالها.
أيضًا هناك عنصر هام جدًّا لجمع المعلومات، هو السجلات الميكانيكية، السجلات المميكنة أو الميكانيكية: عبارة عن اسطوانات تسجيل لبعض الأحداث، وتم حفظها حتى الآن، الآثار الباقية منها على مر الأزمنة هي وسيلتنا لجمع المعلومات، فالآثار أو معلومات تعبر لنا عن واقع دولة ما، أو أساليب تربوية ما، أو قوانين ما، أو تشريعات ما نعتمد عليها في عملية البحث العلمي، فالمصادر التي يعتمد عليها في جمع المعلومات متنوعة ومختلفة كما أشرنا من قبل، وبذلك يعد المنهج التاريخي إحدى المناهج الجيدة لجمع المعلومات، أو إحدى المناهج الجيدة لبحث الظواهر السابقة، أو الأحداث، أو المشكلات التي حدثت في الأزمنة السابقة.
الباحث أو المؤرخ يجد آثارًا متنوعة ومتعددة أثناء البحث، آثاره إما تكون مادية، يعني: مباني، مساجد، آثار مدارس قديمة، مسجد الأزهر يعبر عن أثر، وكان هناك أعمدة، وأسفل كل عمود يجلس عالم من العلماء يعطي أبناءه الدرس، يدرس الأبناء كلهم في صحن المسجد، أو في فناء المسجد، كلهم في صحن المسجد، ولكن لكل عالم من العلماء عموده الخاص بيه، والطلبة يجلسون حوله للدرس والمناقشة والحوار.

٢.٤ المنهج التاريخي


إذًا عندنا المسجد الأزهر أثر مادي عبارة عن مبنى يوضح لنا أسلوب التربية في فترة ما أو في عهد ما.
أيضًا يضاف إلى الآثار المادية المطبوعات، المطبوعات المحفوظة، إحدى الآثار التي تمدنا بالمعلومات والبيانات.
هناك أيضًا المخطوطات، المخطوطات القديمة التي كتبت بخط يد العالم هي أيضًا إحدى الآثار المخلفة لجمع المعلومات، وهي إحدى مصادر أساسية بالنسبة للباحث، وبذلك نجد الباحث هنا في بداية منهجه المستخدم -المنهج التاريخي- عليه أن يلجأ إلى بطاقات الفهارس والدوريات، قوائم المراجع، والمجلات التاريخية، والرسائل، والمجلات، والبحوث، حتى يحصر المادة العلمية المفيدة له، يعمل عملية حصر كامل لتلك المراجع كمصادر لجمع المعلومات حتى يعتمد عليها في جمع المعلومات، ولا يُغفل أي جزء منها.
هناك العديد من المكتبات التي تتضمن مجموعات قيمة في مجالات تربوية، عندنا مكتبة الإسكندرية كانت قديمًا، مكتبة بغداد، أيضًا مكتبة الكونجرس في الولايات المتحدة، مكتبة نيويورك العامة، هناك بعض الجامعات أيضًا التي تتخصص في جمع المعلومات، أو الدوريات، أو المخطوطات القديمة في مجال التربية، وبذلك يتوفر إلينا العديد من المراجع التاريخية التي يمكن أن نستمد منها المعلومات.

٢.٤ المنهج التاريخي


المادة العلمية التي قام الباحث بجمعها بعملية النقل لتلك المادة، حتى يتأكد من صدق تلك المادة، على الباحث ألا يسلم بما جمعه للوهلة الأولى، لكن يجب أن تعمل عين الباحث وعقله جيدًا في الشك والتفكير، ونقد تلك المادة حتى يتوصل إلى مادة أخرى من مصدر آخر يؤكد تلك المعلومة أو ينفيها، ربما تكون بعض المعلومات مزيفة، بعض المعلومات كاذبة، وليست صادقة، فبالتالي يجب أن يتيقن الباحث من صدق تلك المعلومات بواسطة عدد من المصادر الأولية، والمراجع، والمخطوطات.
ومن ثم، فالباحث عليه أن يتوخى الحيطة في البحث العلمي التاريخي؛ لأن البحث هنا قائم على مصادر ورقية، يجب على الباحث أن يعتمد على المصدر الموثق، لا تصلح مصادر مجهولة الهوية في البحث العلمي، يجب أن يكون كلُّ بحثٍ موثقًا توثيقًا سليمًا؛ لأن الباحث يعطي المؤرخ الإنسانية البحث التاريخي، أو الدراسات التاريخية، أو المنهج التاريخي للبحث هو ما يضفي للدراسات الإنسانية وصفًا جميلًا؛ لأنه يجب أن تتصف بالصدق، وحتى تتصف بالصدق أن يخضع تلك المادة للنقد الخارجي والداخلي الشديد، عن طريق النقد الخارجي يتأكد من صدق المادة.



٢.٤ المنهج التاريخي


كيف يتم النقد الخارجي للمادة في البحث؟
حتى نتأكد من الصدق يجب أن ننظر إلى المصدر الذي سوف نستمد منه المادة العلمية، المصادر التي تم الحصول عليها متى ظهرت؟ مَن الذي ألفها؟ هل فعلًا ما هو مكتوب في الوثيقة منسوب لذلك المؤلف، وهل يوجد داخل الوثيقة ما يثبت ذلك؟ كلها أسئلة يطرحها الباحث، ويتأكد منها من المصدر الذي سوف يستمد منه المعلومات، مصدر بالمعلومات يجب أن نراجعه جيدًا، ونتأكد منه حتى نتأكد من المادة العلمية الصحيحة التي سوف نعتمد عليها في البحث التاريخي.