١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


عوامل الانتباه والإحساس:
يظهر دور الإحساس عندما نتعرف على العَلاقة بين حياتنا العقلية وحياتنا السلوكية أو ما يسمى بعلاقة العقل بالجسم، وهذا يلقي الضوء على دور الحواس وعملية الإحساس في البناء العقلي المعرفي لدى الفرد. وقد لاحظنا مما سبق في الدراسات أن السلوك الإنساني هو نتاج كل من العقل والجسم معًا، لا انفصال بينهما، وأن العمليات العقلية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمكونات والوظائف الجسمية والعصبية.
وبالتالي، فإن السلوك في النهاية في أغلب مظاهره إن لم يكن في كلها هو محصلة التأثير المتبادل بين كل البعدين معًا. ولذا فإن عمليةَ الإدراك البصري مثالٌ واضح على ذلك، حيث إن مدخل الرؤية أو مثيرات الرؤية تأتي لنا عند طريق العين، ولكن ذلك ليس كافيًا لإدراك ماهية هذه المثيرات ومعناها. لذلك فإننا نقوم بعمليات تركيب وتحليل وبناء لهذه المدخلات؛ حتى تُكون الصورة العقلية في النهاية، وهو ما يشار إليه بالعملية العقلية التي تتوسط بين المثيرات والاستجابات.
ويقوم الفرد في نقل المعرفة وتناول المعلومات على مجموعة افتراضات هامة، منها -بالنسبة لعملية الإدراك مثلًا: أن الاستجابة الإدراكية ليست مجرد ناتج فوري للمثير، ولكن تمر بمراحل أو عدة عمليات جزئية، كل منها تستغرق فترة زمنية معينة. أما في التنظيم أو في التحويل إلى عملية أخرى تحكمها: إمكانيات، قنوات، تناول المعلومات، ومحتوى معلومات المثير الذي يتعرَّض له الفرد، والخبرات التي تكون موجودة لديه، وحالته النفسية أثناء ظهور المثير.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


ويرتكز نظام نقل المعرفة وتكوينها وتناول المعلومات على العمليات التي تحدث داخليًّا منذ بداية ظهور أو تقديم المثير حتى ظهور الاستجابة. لذلك يمكن الافتراض بواسطة التحليل المنطقي تحديد مراحل العمليات العقلية المحتمل حدوثُها في أي موقف يتعرض له الفرد، ويبدأ ذلك بضرورة وعي الفرد بأن مثيرًا جديدًا قد ظهَر في الموقف، بمعنى: ضرورة أن يخبر الفرد أو أن يشعر بآثار المثير على جهازه، أو على جهاز الإحساس. وما كان يسمى في الماضي بانطباع آثار الإحساس على الجهاز العصبي للفرد، وبذلك يكون الإحساس أو ما يسمى بكشف أو تحديد وجود المثير العملية الأساسية التي يترتب عليها تدفق المعلومات والمعرفة خلال نظام نقل وتناول المعلومات لدى الإنسان.
وتَتْبع هذه المرحلة التعرف على خواص هذا المثير، أي: أن المثير في هذه المرحلة يكتسب معنًى معينًا لدى الفرد بعد الرجوع إلى ما يوجد في الذاكرة من معرفة، ولذلك يعتبر التعرف على خواص المثير ومعناه المرحلة الثانية في نظام نقل المعرفة وتناول المعلومات لدى الفرد، وهذا يعني أن يكتسب الإحساس المجرد معنًى معينًا. وتتلو هذه العملية المرحلة الثالثة، وهي اختيار الاستجابة، وتتوقف سهولة وصعوبة هذه العملية على الخبرات السابقة للفرد، كما تتوقف على عدة عوامل أخرى، من بينها: ما إذا كان الفرد في حالة انتباه لأمور أخرى أم لا.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


وهذا يبين لنا في الثلاث مراحل التي عرضناها منذ إدراك المثير حتى وقوع الاستجابة على دور الإحساس في منظومة البناء المعرفي، وتكوين وتناول المعلومات لدى الفرد. أما بالنسبة للانتباه وعوامل الانتباه: فقد تباينت تعريفات الانتباه لدى علماء النفس، حيث عرَّفه البعض: بأنه تهيؤ الفرد أو ميله لِأَن يدرك إشارات حسية معينة، ويتجاهل ما عداها، أي: أننا ننتقي بعض المثيرات التي نتجه إليها ونميل إليها حتى نفهمها. ويرى بعض علماء النفس أنه مِصفاة "فلتر" لتصفية المعلومات عند نقاط مختلفة في عملية الإدراك. ويعتقد آخرون أن الإنسان يركز ببساطة على ما يريد رؤيته، ويرتبط بخبرته، ويعتبر استقبال المعلومات وما يترتب عليه من اكتساب لها دالة على الانتباه، فلا يمكن أن تصبح المعلومات جزءًا من مخزن الذاكرة دون أن تقع تحت الانتباه، فهناك اعتبار هام يتعلق بالمدخلات، مؤداه أن الفرد لا بد وأن ينتبه للمثير؛ حتى يمكن استقباله، وبالتالي يحتمل أن يصبح جزءًا من المعلومات المختزنة في الذاكرة. وبالرغم من تباين التعريفات إلى حد ما إلا أنه يمكن تعريف الانتباه: بأنه عملية عقلية يركِّز فيها الفرد شعوره وطاقته العقلية على مثيرات معينة دون غيرها.
وتعتبر عملية الانتباه من العمليات الهامة في اتصال الفرد بالبيئة المحيطة به، وهذا يعني أن الانتباه هو حالة تركيز الشعور في شيء أو عدة أشياء، عملية هامة وأساسية ليس فقط بالنسبة للإحساس، بل أيضًا بالنسبة للعمليات العقلية الأخرى. والانتباه بذلك عملية وظيفية في الحياة المعرفية والعقلية تقوم بتوجيه شعور الفرد نحو الموقف السلوكي ككل إذا كان هذا الموقف جديدًا على الفرد، أو توجيه شعور الفرد نحو بعض أجزاء المجال الإدراكي إذا كان الموقف مألوفًا للفرد.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


وتوجد عوامل عديدة تؤثر في الانتباه، من بينها: عوامل تتعلق بالفرد، مثل: الميول والنزعات، وأنواع التهيؤ الجسمية والنفسية، ومستوى الاستثارة، والتعب، والحرمان الحسي أو الاجتماعي. وعوامل أخرى متعلقة بالمثير ذاته، منها: شدة المثير، وحِدته، وتنوعه، وانتظامه، والألوان، وعلو الصوت، ونوع المثير من حيث كونه بصريًّا أو لفظيًّا، وموضع المثير، وتَكراره. وإذا نظرنا بشكل خاص لدور الانتباه في نظامِ نَقْل المعرفة والعمليات التعليمية وتناول المعلومات، فلا بد وأن نعلم أولًا أن الفصل الدقيق بين العمليات العقلية أمرٌ غاية في الصعوبة؛ للتداخل بين هذه العمليات، ولاعتماد إحداها على الأخرى. فقد اتضح أن عملية الإدراك ودقته تعتمد بدرجة كبيرة على عملية الانتباه، وأن التعلم يتأثر بالانتباه، وهكذا بالنسبة للعمليات الأخرى. وأن ما يطلق عليه الانتباه أو الإدراك أو التعليم، إنما هو أمر تعسفي من أجل الدراسة الدقيقة لخواص ومظاهر كل عملية من هذه العمليات وعلاقتها بالعمليات الأخرى.
وقد وضع "برودنت" عالم النفسي ١٩٥٨ نموذجًا تفسيريًّا يوضح دور عملية الانتباه في نظام وتكوين وتناول رؤى المعرفة والمعلومات، ويركز هذا النموذج على طريقة تدفق المعلومات والمعرفة بين المثير والاستجابة، حيث تدخل المعلومات التي تأتي من المثيرات خلال هذا النموذج من خلال الإحساسات، ثم تمر عبر ما يمكن تسميته بموقف أو محطة تخزين قصيرة الأجل، ومهمتها حفظ المعلومات لفترة قصيرة إلى أن يتم تناولها للمرحلة التالية، وقبل أن تتحول المعلومات إلى المرحلة التالية من التناول تمر بمرشح مهمتُه اختيار المعلومات قبل أن تتحول إلى المرحلة التالية.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


وبالتالي تصبح عملية الانتباه مضبوطة ومحكمة بواسطة هذا المرشح الذي يقوم بتنظيم كمية المعلومات المتدفقة إلى المرحلة التالية من التناول. وقد تعددت النماذج التي توضح دور الانتباه في العمليات التعليمية وفي تناول المعلومات، حيث أشارت أغلب النماذج إلى افتراض وجود مرشحات في نظام العمليات، مهمتها اختيار بعض المعلومات دون الأخرى لمراحل التناول التالية. هذا هو دور الانتباه وعمليات الإحساس في العمليات العقلية والمعرفية والتعليمية.
عوامل التذكر والنسيان:
ونظرًا لأن هذا العامل هام في تأثيره على العمليات التعليمية، فإننا سنتناوله بشيء من التفصيل؛ حتى نستطيع أن نرى أهمية عوامل التذكر والنسيان؛ لأن بعد الإحساس يأتي الانتباه للمثير، ثم يأتي عملية التخزين للمعلومات في الذاكرة، ثم تأتي عملية التذكر، وفي خلال هذه المرحلة من عمليات الاسترجاع قد يحدث ما نسميه بالنسيان.
فعنصر أو عوامل التذكر والنسيان : لقد اختص الله الإنسان بقوة تذكر خاصة تميزه عن سائر الكائنات، ذاكرة ترتد بها عشرات السنين، وتساعد على تصور المستقبل البعيد والتخطيط له، والتذكر بهذا المعنى هو اختزان للمعلومات، بحيث يستطيع الإنسان إحياءها من جديد عند الحاجة إليها، أي: أن التذكر يعتبر أحدَ أسلحة الإنسان في مواجهة الواقع وما يطرأ عليه من تغيرات وتحولات، لذا فأهميته كبيرة في العملية التعليمية، وفي تحديد كفاءة الفرد في حياته الاجتماعية وتوافقه النفسي.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


وإذا كان التعلم تعديلًا للسلوك، فإن تعديل الفرد لسلوكه يعتمد على ما يكتسبه وما يحتفظ به من ناحية، وعلى ممارسة ما تعلمه من ناحية أخرى، أي: أن التعلم يتضمن التذكر، والتذكر يتضمن التعلم، وبالتالي فإن للتذكر أهمية كبيرة في تعديل السلوك واكتساب الخبرات الجديدة، وممارستها بالشكل المناسب.
أما النسيان: فهو عدم القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والخبرات المكتسبة، وبالتالي فإنه قد يعيق التعلم، إلا أن للنسيان فائدة نفسية خاصة، تتمثل في التخلص من الخبرات المؤلمة التي قد تعيق توافق الفرد وتعلمه. وبِناءً على ما سبق يتضح أن للتذكر والنسيان فوائد متعددة وينفرد النسيان بما له من آثار سلبية على التعلم، ويتضح كذلك أن التذكر والنسيان وجهين لعملة واحدة، أي: أن إذا تذكر الفرد شيئًا فإنه يقاوم النسيان، وإذا نسيت شيئًا فإنني قد أجد صعوبة في تذكره، وبالتالي فإن العوامل التي تؤدي إلى زيادة التذكر تُضعف أيضًا من أثر النسيان.
ولقد سبق أن وضحنا عملية الإدراك في الإحساس، وعرفنا أن العملية العقلية التي بها يعطى الفرد لإحساساته معنى معينًا في اللحظة الراهنة، أي: أن الإدراك لا يتجاوز الحاضر على حين تخزين الذاكرة تلك المعاني المكتسبة وتحتفظ بها لآماد طويلة. ومن هنا تتضح العلاقة بين الإدراك والتذكر، في أن الإدراك كعملية عقلية سابقة على التذكر، كما أنه يزود الذاكرة بالمعاني والخبرات المختلفة.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


فإذا انتقلنا إلى الذكاء وعَرَفنا أن من مظاهره القدرة على التعلم، لاتضحت علاقة الذكاء بالتذكر، فالتذكر يزيد حصيلة الفرد من المعلومات والخبرات التي تساعده على شحذ ذكائه وقدراته، وتوظيفها لصالح الفرد وتوافقه. ولقد تبين من الدراسات أيضًا أن زيادة الذكاء تؤدي إلى زيادة قدرة الفرد على التذكر؛ لأنه سيكون أكثر قدرةٍ على تنظيم معلوماته وخبراته، وعلى استدعائها وتوظيفها عند الحاجة إليها.
طرق دراسة التذكر:
لقد استخدمت طرق متعددة في دراسة التذكر، ومعرفة ما يدور في الذاكرة.
ومن هذه الطرق:
أولًا: طريقة التعلم التسلسلي: يُستخدم في هذه الطريقة جهاز خاص يقدم للفرد عن طريق قائمة من المفردات في تسلسل معين، وتقدم كل مفردة على حِدة، ويكون على الفرد تحديد المفردة التالية أو المتوقعة، ولا يتم حفظ القائمة في المرة الأولى بل تستغرق عدة مرات، ولا تتوقف التجربة إلا إذا بلغ أداء المتعلم مستوًى معينًا، هذا المستوى قد يكون حفظَ جميع المفردات بالتسلسل المطلوب، أو حفظَ ٥٠% منها. وهكذا.
وتُستخدم طريقة التعلم التسلسلي في دراسة الترابطات المتسلسلة؛ لأن كل مفردة تكون مثيرًا يستدعي المفردة التالية، وهكذا. وتشبه هذه الطريقة إلى حد بعيد ما يقوم به التلميذ عند حفظه لقصيدة الشعر أو لآيات القرآن الكريم.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


ثانيًا: طريقة التعلم بالترابطات الثنائية: تقوم هذه الطريقة على تقديم أزواج من المفردات عديمة المعنى، ويكون على المفحوص أو الفرد الربط بين الرمز -أحد مفردات الزوج، ويسمى المثير- والمفردة المقابلة له -المفردة الثانية في الزوج، وتسمى استجابة- أي: يكون على المفحوص تعلم عدة أزواج من الترابطات بين مثير واستجابة، بحيث يمكنه إصدار الاستجابة عند تقديم المثير له. وأثناء إجراء الدراسة يتغير ترتيب الأزواج؛ حتى لا يصبح التعلمُ تعلمًا تسلسليًّا كما في الطريقة السابقة، وتعتبر هذه الطريقة ذات فائدة كبيرة في دراسة العوامل التي تؤثر على تكوين الترابطات بين المثيرات والاستجابات، أو بين الاستجابات والمثيرات.
وتُشبه هذه الطريقة إلى حد بعيد ما يقوم به التلاميذ لحفظ مفردات اللغات الأجنبية ومقابلتها باللغات القومية. ولهذه الطريقة صورتان:
طريقة التوقع: وفيها يقدم المثير للمفحوص، ويكون عليه أن يتوقع الاستجابة على أن يتغير ترتيب المثيرات ويكرر الإجراء عدة مرات؛ حتى يتم حفظ الترابطات الثنائية.
الطريقة الثانية: طريقة الدراسة، الاختبار: وفيه يقدم للمفحوص قائمة الترابطات الثابتة؛ لكي يحفظه، وبعد ذلك يقدم له المثير ليرد بالاستجابة المناسبة، وهكذا إلى أن تنتهي القائمة كلها، أو يصل الفرد إلى المستوى المطلوب في الأداء.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


الطريقة الثالثة: طريقة التداعي الحر: وفي هذه الطريقة تقدم قائمة المفردات للمفحوص، ويطلب منه حفظ المفردة تلو الأخرى، وبعد محاولته الأولى لحفظها يطلب منه تذكر أكبر عدد ممكن من مفرداتها، بغض النظر عن ترتيبها. ويمكن تَكرار التجربة حتى يصل الفرد إلى مستوى الأداء المطلوب.
وتعتبر هذه الطريقة ذات فائدة في دراسة الفروق بين الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى، وفي دراسة كيفية تنظيم الأفراد للمعلومات في الذاكرة.
رابعًا: طريقة التعرف: يقوم المفحوص أو الفرد بحفظ القائمة كما في طريقة التداعي الحر، ثم توضع مفردات القائمة وسط مفردات أخرى جديدة، ويكون على الفرد تحديد مفردات القائمة السابق له حفظها، وهو هنا التعرف على الاختيار أو الإجابة الصحيحة، وتستخدم هذه الطريقة في قياس مدى ما يتذكره الفرد، ويمكن حساب نسبة التذكر بمعادلة: الصحيح ناقص "-" الخطأ على "/" العدد الكلي في ١٠٠، حيث إن الصحيح: هو عدد المفردات التي توصل إليها المفحوص، والخطأ: عدد المفردات التي أخطأ فيها. فلو كانت مثلًا القائمة مكونة من أربعين مفردة، وتعرف عليها المفحوص كلها، تصبح نسبة التذكر أربعينَ صحيح ناقص "-" صفر خطأ على "/" ٤٠%، سيساوي ١٠٠%.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


خامسًا: طريقة تعلم التمييز اللفظي: تستخدم في هذه الطريقة مجموعات مكونة من عدد صغير من المفردات، تُختار من بين كل مجموعة مفردة واحدة تعتبر هي الصحيحة، ويكون على المفحوص اختيار أحد المفردات ويعقبها تحديد ما إذا كان الاختيار صحيحًا أم خاطئًا. ويستمر الإجراء حتى يحفظ المفحوص أو الفرد كل المفردات الصحيحة في المجموعات أو يصل إلى مستوى الأداء المطلوب. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هام، هو: كيف نقيس التذكر؟
ولذلك سنعرض طرق قياس التذكر، وهي طريقتان هما:
الاقتصاد في الزمن: وهو الفرق بين الزمن المستغرق للقيام بعمل ما لأول مرة وليكن حفظ قصيدة شعر، والزمن المستغرق في المرة التالية، أي: إعادة حفظ القصيدة بعد فترة زمنية، فلو احتاج تلميذ لقراءة القصيدة عشرين مرة حتى استطاع حفظه لأول مرة، ثم عند إعادة حفظه احتاج إلى خمس محاولات فقط، لأمكن حساب نسبة تذكره كالتالي: عشرين ناقص خمسة على ٢٠%، يساوي ٧٥%، أي: عدد المحاولات الصحيحة -التي هي عشرون- ناقص عدد المحاولات اللازمة لعدد التعلم، وهي خمسة على عشرين عدد المحاولات الأصلية في ١٠٠، يعطينا نسبة التذكر في هذه الطريقة.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


الطريقة الثانية: وهي شائعة الاستخدام، ويقصد به المجهود المقصود الذي يقوم به الفرد لاستعادة المادة السابق حفظها كما يحدث في الامتحانات: اذكر، اشرح، تكلم، وتتركز وظيفة الاستدعاء في استرجاع الخبرات أو الأحداث بما يرتبط بها من ظروف، ويتم ذلك دون حاجة إلى وجود مثير أو مثيرات أصلية، التي على أساسها تكونت هذه الخبرات، ويعتمد الاستدعاء باعتباره شكلًا من أشكال التذكر على الصور الذهنية التي يكونها الفرد، وغالبًا ما يحدث ذلك في صورة ألفاظ أو عبارات أو معان أو حركات، فالتلميذ يحفظ من الكتاب المدرسي، ويأتي في الامتحان بدون الكتاب المدرسي، هذا هو المثير الأصلي، الكتاب غاب عنه بعد الحفظ، وطلب منه استدعاء المعلومات التي حفظها قبل ذلك.
العوامل المساعدة على التذكر:
يمكن تصنيف هذه العوامل إلى ثلاث مجموعات:
عوامل خاصة بالمادة الدراسية أو المادة المتعلمة.
عوامل خاصة بالطريقة المستخدَمة في الحفظ.
عوامل خاصة بالمتعلم نفسه.
العوامل الخاصة بالمادة. فنجدها هي:

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


المعنى: يقصد بالمعنى أن تؤدي المادة المتعلَّمة إلى إثارة العديد من الترابطات، فكلما زادت عدد الترابطات التي تثيرها المادة المتعلمة، كلما كانت ذات معنى أوضح، فلفظ الجوهر بالمعنى الفلسفي لا يكون لها نفس عدد الترابطات التي تكون للشجرة، فتعدد الارتباطات يوضح علاقة المادة المتعلمة بغيرها من الخبرات، كما يساعد على تبين المبادئ العامة وما يندرج تحتها من تفصيلات. فيرتبط المعنى بدرجة ما تتصف به المادة العملية من تجريد، فكلما كانت المادة أقل تجريدًا، أي: ذات أساس مادي حسي، ساعد ذلك على حفظها بسهولة وبسرعة. لأن توافر الأساس المادي للمادة المتعلَّمة يساعد المتعلم على تكوين صور ذهنية له.
التنظيم: إن تنظيم المادة التعليمية ذات أهمية كبيرة في حفظها وتذكرها، وقد يكون التنظيم موجودًا في المادة نفسها، أو كناتج لعملية عقلية يقوم بها المتعلم، يتحقق التنظيم في المادة إذا توافرت خاصية معينة تسمح بتجميع المفردات أو أجزائها في فئات أو مفاهيم أو تصنيفات مثل تصنيف الكائنات الحية على أساس حيوان وإنسان.
العامل الثالث من عوامل المادة: التمييزية: أي: كلما كانت المادة التعليمية ذات طابع إدراكي متميز ساعد ذلك على حفظها وتذكرها؛ لأن الحفظ لمقاطع غير ذات معنى أو غير مدركة، حفظُها صعبٌ. أما حفظ رَقْم يكون أسهلَ من الحفظ؛ لأنه له طابع إدراكي متميز. فإذا أعطينا فردًا في المثال التالي ألفاظًا: كارل، وزاف، و٤٠٦، وشجرة، فلعل الرقم ولفظ الشجرة يكون أسهلَ في الحفظ؛ لأنه ذات طابع إدراكي متميز عن غيره من المقال.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


الجِدة: كلما كانت المادة المتعلمة جديدة يسهل على الفرد تعلمها، وخاصة إذا كانت ذات معنى وتنظيم، وأن الجدة تجعل المادة أكثر تميزًا عن غيرها، مما يساعد على حفظها وتذكرها.
إمكانية النطق بها: تنطبق هذه الخاصية على تعلم اللغات، فمن الواضح أن يحفظ الشخص الكلمات التي يسهل عليه نطقها عن الكلمات التي يصعب عليه ذلك، وهذا يفسر لماذا ينجح التلاميذ في حفظ الكلمات ذات المقاطع قليلة العدد عن الكلمات ذات المقاطع العديدة أو الكثيرة؟ لأن الأخيرة يصعب النطق بها.
عوامل خاصة بالطريقة المستخدَمة في الحفظ:
فهناك طرق عديدة تستخدم للحفظ. منها:
التمرين الموزع والتمرين المركز: يقصد بالتمرين الموزع: حفظ المادة المتعلمة على فترات، أما في التمرين المركز: فيقوم التلميذ بحفظ المادة المتعلمة كلها مرةً واحدةً دون فترات للراحة. وقد بينت الدراسات أن التمرين الموزع أفضل من المركز؛ لأنه يقلل من تداخل أجزاء المادة بعضها مع البعض، كذلك فإن التمرين المركز يؤدي إلى شعور المتعلم بالمَلل والتعب، مما يؤثر على حفظه.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


الطريقة الكلية والطريقة الجزئية: يقصد بالطريقة الكلية: حفظ المادة كلها كوحدة واحدة، أما الطريقة الجزئية: فيقوم المتعلم بتجزئة المادة المتعلمة إلى أجزاء، ولكل من الطريقتين مزايا وعيوب. فالطريقة الكلية: تساعد على إدراك المتعلم للوحدة الكلية للمادة، ولكنها لا تصلح عندما تكون المادة طويلةً وصعبةً؛ لأن هذا يؤدي إلى ملل المتعلم. أما الطريقة الجزئية: فتؤدي إلى إحساس المتعلم بالتقدم نحو هدفه، مما يزيد من مثابرته، كما تقلل من صعوبة المادة المتعلمة، ولكن قد تؤدي الطريقة الجزئية إلى فقدان الوحدة الكلية للمادة المتعلمة، وقد بينت الدراسات أن الطريقة الكلية أفضل من الجزئية في حالات والطريقة الكلية في حالات.
الطريقة الثالثة: التسميع الذاتي: وهو اختبار لمدى ما استوعبه المتعلم، لذلك فإن تأثيره الإيجابي يرجع إلى تزويد المتعلم بمعلومات عن آدائه، فيكتشف الأجزاء التي أتقنها والأجزاء الأخرى التي لم يتقنها، ولهذا تأثير على دافعيته للتعلم. كذلك، فإن التسميع الذاتي هو صورة من صور المشاركة الإيجابية التي يقوم بها المتعلم، وأخيرًا فإن التسميع الذاتي يزيد من استفسار المتعلم بعيوب ومميزات طريقته في الحفظ.
الطريقة الرابعة: هي إعادة صياغة المادة المتعلمة: وفي هذه الطريقة يعيد الفرد صياغة المادة المتعلمة، فيساعده على فَهمها، كما يمثل صورة من صور المشاركة المتعلم الإيجابية في عملية التعلم.
التكرار: ويؤدي تَكرار قراءة المادة المتعلمة إلى سهولة حفظها وتثبيتها في الذاكرة؛ ذلك لأن التكرار يؤدي إلى تجويد التعلم، أي: إلى تجاوز التعلم الحد الأدنى من المحاولات التي يساعد على حفظ وتثبيت المادة لمدة طويلة.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


العوامل الخاصة بالمتعلم:
ومن هذه العوامل:
الاتجاه النفسي: فملائمة الذكريات القديمة للاتجاه النفسي الراهن، فعندما يكون الشخص مرتاحًا سهلٌ عليه تذكر المواقف الصعبة التي مر بها.
السن: يصل التذكر إلى قمته في العشرينيات من العمر، ثم تأخذ في التدهور البطيء حتى سن الخامسة والأربعين، ثم التدهور الأسرع بعد ذلك. هذا ما بينته دراسات النمو.
الذكاء: وسبق أن تناولنا العلاقة بين الذكاء والتذكر.
الصحة الجسمية: يتأثر التذكر بالحالة الصحية للشخص، فالمريض يصعب عليه التذكر، وكذلك المصاب بضعف عام.
التهيؤ النفسي: كلما كان التلميذ مهيأً لتعلم خبرة معينة سهل عليه حفظها؛ لأن تهيؤه يزيد من دافعيته للتعلم، ولذلك يكون تذكر التلميذ للمادة المتعلمة قبل الامتحان أعلى منه بعدها.
حاجات الفرد وميوله: يكون تذكر الفرد عاليًا للمواد التي تحقق له الإشباع، فالمراهق يتذكر بدرجة كبيرة المواد الدراسية التي تحثه عن بدنه ونموه؛ لأنها تشبع حاجاته، وتلميذ المرحلة الابتدائية يكون تذكره عاليًا للمواد التي تساعده على أن يعرف بيئته المحلية، وكيفية قضاء بعض الحاجات.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


الذاكرة والنسيان:
إن الحديث عن التذكر لا بد أن يثير تساؤلًا هامًّا، هو: ما هي الذاكرة؟ وكيف يمكن تصورها؟ وما هي أنواع الذاكرة؟
حاولت نظرية تناول المعلومات تقديم تصور عن الذاكرة على أنها تشبه جهازًا تدخل فيه المعلومات من ناحية تسمى المدخلات؛ لكي تجرَى عليه بعض العمليات، حتى تخرج المعلومات في صورة معينة تسمى المخرجات. فعندما يتلقى الشخص مثيرات معينة عن طريق الحواس فإنها تخزن لفترة قصيرة، فإذا ما كانت الظروف مواتية فإن بعض من هذه المعلومات ينتقل إلى الذاكرة طويلة المدى، حيث تخزن لاستدعائها عند اللزوم.
وقد قسم "أدرسون" و"شيفرا" نموذجًا للذاكرة يوضح عندما يتلقى الإنسان المثيرات الحسية: سمعية، بصرية، شمية، تذوقية، تسمى المدخلات، فإنها تسجل في سجل الذاكرة الحسية؛ لتنتقل بعد ذلك إلى الذاكرة الأولية، وتسمى أحيانًا بالذاكرة قصيرة المادة، تحتفظ الذاكرة الأولية بالمعلومات لمدة لا تزيد عن ٣٠ ثانية، وتتعرض المعلومات في هذه الذاكرة لبعض العمليات الضابطة، مثل توجيه الانتباه للمعلومات، والتكرار، والتشفير، أي: وضع رموز للمعلومات، أو اختيار المعلومات التي ستستخدم لاستعادتها مرة أخرى، والاستفادة بها من الذاكرة الثانوية أو طويلة المدى.
وإذا كُررت المعلومات عدة مرات في الذاكرة الأولية تنتقل إلى الذاكرة الأخيرة التي نسميها بالذاكرة طويلة المدى، وعند انتقال المعلومات إلى الذاكرة طويلة المدى تنظم في فئات للاحتفاظ بها لمدة زمنية طويلة، وعندما نتذكر معلومة ما فإنها تُسحب من الذاكرة طويلة المدى إلى الذاكرة الأولية، حيث تتعرض لبعض العمليات، وبعد تعرض المعلومة للعمليات فإنها إما أن تعاد ثانية للذاكرة الطويلة، أو تخرج في صورة استجابات، والتي نطلق عليها مخرجات.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


إذن، عندنا في أنواع الذاكرة: الذاكرة الحسية، الذاكرة الأولية أو قصيرة المدى، الذاكرة الثانوية أو طويلة المدى، وهي التي يخزن فيها المعلومات، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة عمليات للتعلم، وعمليات تتم فيها حتى تصل إلى التخزين في الذاكرة طويلة المدى. ولعل أهم أسباب النسيان بالنسبة للذاكرة طويلة المدى هو تداخل المعلومات نتيجة لخطأ في التصنيف، أو نتيجة لكثرة كمية ونوع المعلومات المختزنة بها، كذلك فإن فقدان المعلومات والدلالات التي تميز المعلومات، أو استخدام علامات غير مناسبة، يؤدي إلى صعوبة استدعائها. ومن النظريات المفسرة للنسيان أو أسباب النسيان التي تحدث في الذاكرة طويلة المدى: هي نظرية التنظيم، وترى أن الذاكرة طويلة المدى أو الأمد تتضمن معلومات كثيرة منظمة في فئات متعددة، ويحدث النسيان بسبب العوامل السابق ذكرها.
نظرية الأثر: وترجع النسيان إلى تشوه وضعف الأثر الذي تركته المعلومة في الذاكرة، كمثال: صعوبة تذكرك زملائك في الصف الأول الابتدائي، أو صعوبة تذكرك لنشيد سبق أن حفظته في المرحلة الابتدائية.
نظرية التداخل: ويقصد أن النسيان يحدث بالتداخل، وأن تحدث المادة الجديدة خللًا في الذاكرة طويلة الأمد، فتؤدي إلى محو بعض المواد القديمة. وللتداخل نوعان:
كف رجعي أي: أن تعلم مادة جديدة يؤدي إلى نسيان مادة قديمة سبق تعلمها. أو كف بعدي: أن تعطل المادة القديمة تذكر مادة جديدة كتعلم الفرنسية بعد الإنجليزية. إن هذا يؤدي إلى نطق الحروف الفرنسية بلهجة إنجليزية.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


ويمكن للطالب مقاومة النسيان بالآتي:
رغبته في التعلم: لا بد أن تكون قوية، ويضع لنفسه أهدافًا قريبة توصله لأهداف بعيدة.
تخير مكان مناسب للمذاكرة والدرس: لأن ذلك يهيئ التلميذ للعمل على أن يكون المكان هادئًا.
يحقق التلميذ لنفسه الراحة الجسمية والنفسية بالتخلص من المتاعب ومن القلق.
يركز انتباهه فيما يقوم به من عمل، ويكون ذلك بتخصيص وقت ومكان معينين ومناسبين للاستذكار.
يحرص على فهم ما يقرأ بفهم الإطار العام أولًا، ثم التفاصيل الجزئية، وما بينهما من علاقات ومحاولة تطبيق ما تعلمه.

١.١٠ عوامل الانتباه والإحساس والتذكر والنسيان


يكون أمينًا مع نفسه: فلا يخدع نفسه بتصور أنه فهم الدرس، أو حفظه من قراءته قراءة سريعة، ولا يعتمد على تكرار ما تعلمه.
يراجع دروسه على فترات متقاربة.
استخدام الطريقة الكلية أو الجزئية تبعًا للشروط السابق ذكرها.
تنظيم المذاكرة: حيث لا يذاكر المواد المتشابهة بدرجة كبيرة وراء بعضها؛ لأن ذلك يزيد من تداخلها.