٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


أنواع الذكاء:
في إطار تعريفات الذكاء وخصائصه نستطيع أن نتبين أنواعًا مختلفة؛ وهي:
الذكاء المجرد أو المعنوي: وهو القدرة على التعامل مع الكفاءة المفاهيم المجردة، وفهم الرموز، سواء كانت ألفاظًا، أو أرقامًا، وبالمقصود بالتجريد: استيعاب الصفات الجوهرية بالمفهوم دون الصفات العرضية. ومن المفاهيم المجردة في لغتنا: العدالة، الأمانة، الفضيلة، الحق، الخير، الجمال، فكلها مفاهيم مجردة.
الذكاء الاجتماعي: ويظهر في قدرة الفرد على إقامة العديد من العلاقات الاجتماعية الناجحة.
الذكاء الميكانيكي: ويظهر في قدرة الفرد على التعامل مع الأشياء المادية، وممارسة المهارات اليدوية، والميكانيكية.
الذكاء الفني: يبدو في القدرة على التذوق والاستحسان، وابتكار المنتجات البديعة.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


الذكاء الشخصي: ويبدو في التعامل مع الأمور الشخصية.
الذكاء العملي: ويبدو في القدرة على عمل الأشياء المناسبة في الوقت المناسب، والقدرة على تقدير المواقف، والاستجابة تبعًا لذلك.
الذكاء الأكاديمي: ويبدو في القدرة في الاستفادة من دراسة المواد الدراسية، والمراجع العلمية، والدراسات العلمية الأكاديمية في المدارس والجامعات مثلًا.
الذكاء اللفظي: ويظهر في القدرة على فهم وحل المشكلات التي تتضمن رموزًا لغوية، أو لفظية.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


توزيعات نسب الذكاء:
تبين من معظم الأبحاث والدراسات التي أجريت على عينات عشوائية من الأفراد أن نسب الذكاء تتوزع توزيعًا اعتدليًّا بين الأفراد، بحيث يقع غالبية الأفراد حول المتوسط، ويتوزع الباقون على جانبي ذلك المتوسط، وذلك وفقًا للتصنيفات الآتية:
نسبة الذكاء من ١٣٠ إلى أكثر: والأفراد في هذه النسبة يسمى: بالعباقرة، ويمثل أفراد هذه الفئة وفقًا للدراسات أقل من ٦% من المجموع الكلي من أفراد المجتمع الذي ينتمون إليه. ويمتاز أفراد هذه الفئة بقدرات ومهارات خاصة، كما يمتازون بصفات مزاجية دون غيرهم، كما تبين من الدراسات أن أطفال هذه الفئة يميلون إلى عدم مصاحبة أقرانهم من الأطفال العاديين، ويفضلون مصاحبة من أهم أفضل منهم، أو أكبر منهم سنًا.
نسبة الذكاء من ١١٠ إلى ١٣٠: ويطلق عليهم: مرتفعي الذكاء، يندرج تحت هذه الأفراد أو عدد الأفراد بنسبة ٦٠%،وتبينت من الدراسات أن هذه الفئة يشبهون أفراد الفئة السابقة من حيث السمات الشخصية.
نسبة الذكاء من ٩٠ إلى ١١٠ درجة: ويطلق عليهم: متوسطي الذكاء، أو العاديون. يمثل أفراد هذه الفئة حوالي ٤٥% من مجموع الأفراد، أو المجتمع الذين ينتمون إليها، إلا أنه من الملاحظ أن الطلاب الذين تصل ذكائهم إلى ٩٠ درجة لا يمكنهم في العادة اجتياز المرحلة الثانوية.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


نسبة الذكاء من ٧٠ إلى ٩٠ درجة: يطلق عليهم: المتأخرون دراسيًا، ويتميز أفراد هذه الفئة بأنهم يتعثرون في تعلم المناهج الدراسية، وقلة منهم قد يستطيعون تعلم تلك المناهج، ولكن في فترة زمنية أطول، مع بذل جهد أكبر مما يبذله متوسطي الذكاء، ويمثلون ٦٠% من أفراد المجتمع. وهذه النسب هي من دراسات، أو دراسة عينة معينة خرجت منها هذه النسب.
نسبة الذكاء من ٥٠ إلى ٧٠: ويطلق عليهم: المورن، ويستطيع أفراد هذه الفئة تعلم القراءة بطريقة آلية دون فهم المقروء؛ إذ إن درجة الفهم لديهم ضئيلة، ويستطيع الراشدون منهم القيام ببعض الأعمال اليدوية السهلة البسيطة، سواء في مجال الزراعة، أو الصناعة، ويتكيفون مع البيئة التي يعيشون فيها بالدرجة التي تمكنهم من حماية أنفسهم مما يهدد حياتهم، ويمثلون حوالي ٦% تقريبًا من المجتمع الأصلي.
نسبة الذكاء من ٦٥ إلى ٥٠: يطلق عليهم: البلهاء، ويمثلون نسبة ٦% من المجتمع الأصلي، وأفراد تلك الفئة قليلون للغاية، وعلى الرغم من ذلك، فإنهم يعتبرون عبئًا على المجتمع؛ لأنه ليس بمقدورهم أداء أي عمل، وعدم استطاعتهم وقاية أنفسهم من أخطار البيئة.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


ونسبة الذكاء أقل من ٦٥ في المائة: يمثلون نسبة ٦% من المجتمع الأصلي. هذه هي نسب الذكاء، وتقسيماتها وفقًا للدراسات في الذكاء سبع تقسيمات من العبقري، أو فئة العباقرة إلى فئة المعتوه، وهم أقل من ٦٥ درجة، أي: أن نسبة الذكاء أقل من ٦٥ درجة يطلق عليهم: المعتوهون. ومن ثم يجب أن يفطن المعلم إلى ذلك التوزيع، ويدرج أن بين تلاميذ فصله التلميذ العادي والمتفوق، وأن هناك فروقا فردية؛ إذ يشتمل فصله على مجموعة من التلاميذ مرتفعي الذكاء، وهم قليلون، ومجموعة أخرى من محدودي الذكاء، وهم أيضًا قليلون، أما غالبية التلاميذ فهم متوسطو الذكاء، وعليهم مراعاة تلك الفروق داخل الفصل.
تطور قياس الذكاء:
إن شغف الناس من قديم الناس بمعرفة ما لغيرهم ممن يختلطون بهم من القوى العقلية والصفات الخلقية، قد دفعهم للبحث عن علامات ظاهرة يستدلون منها على تلك القوى، والصفات، وقد نمى علم الفراسة عند العرب، وكان له شأن كبير، كما يستدل على ذلك من القصص القصيرة التي وردت في كتبهم الأدبية.
وفي العصور الحديثة حاول بعض الباحثين في أوروبا وضع قواعد لاستنتاج مزاج الإنسان، وصفاته العقلية من ملامح وجهه، أو من أبعاد جمجمته، وشكلها، وما فيها من نتوءات، أو من علامات تشريحية خاصة في خلقته، مثل: عدم تماثل شقي الوجه، أو غطاس الأنف، أو ضيق الجبهة، ولكن العلماء في الوقت الحاضر لا يعولون على شيء من هذا في الحكم على العقل، أو على...

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


الذكاء؛ لأنه ثبت أن الارتباط بين القوة العقلية وتلك المظاهر الجسمية ضعيف، فالحكم على العقل إذًا يجب أن يكون عن طريق المظاهر العقلية، وقد شغلت فكرة القياس العقلية أذهان عدد كبير من الباحثين في العقد الأخير من القرن التاسع عشر بعد أن مهدت لها عدة حركات علمية واجتماعية ظهرت في النصف الثاني من هذا القرن، وأهم تلك الحركات ثلاث هي:
العناية بدراسة الوراثة، وتحسين النسل في إنجلترا.
نشوء علم النفس في ألمانيا.
تقدم علم النفس الطبي في فرنسا.
ويمكننا أن نقسم نشوء المقاييس العقلية إلى ست مراحل، تتميز كل مرحلة منها بنزعة خاصة، وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الاختبارات الحسية الحركية: بدأت سنة ١٨٩٠ ميلادية عندما وضع أستاذ لعلم نفس في جامعة كولومبيا اسمه: "كاتل" برنامجًا للاختبارات العقلية، وأخذ يجربه على الطلاب المتقدمين للدخول إلى الجامعة، وقد نبه عدد من علماء النفس الأمريكيين لأهمية هذه الاختبارات.
وتتميز الاختبارات التي كانوا يستخدمونها بأنها تقيس عمليات أولية بسيطة، مثل: دقة التمييز الحسي، وسرعة الحركة، وهذه هي المرحلة الأولى.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


أما المرحلة الثانية: تسمى: مرحلة اختبارات العمليات العليا منفردة، وقد بدأت سنة ألف ١٨٩٦ عندما نشر العالمان الفرنسيان: "بينيه، وهنري" في مجلة: "العام السيكولوجي" مقالًا انتقد فيه النوع السابق من الاختبارات الذي يهدف إلى قياس العمليات العقلية الدنيا البسيطة، كعمليات الحس والحركة، وعاب على العلماء في المرحلة الأولى إهمالهم للعمليات العقلية العليا المعقدة التي يستعملها الناس في حياتهم العملية، والتي يتوقف عليها التمييز بين عمليات الأفراد، كالانتباه، والفهم، والخيال، والذاكرة، والتفكير.
وقد تم إعداد مجموعة من الاختبارات؛ لتقيس هذه الوظائف، ومعظم هذه الاختبارات لم تكن تتطلب استعمال أجهزة وآلات، وإنما كانت تتألف من أسئلة، يجيب عليها الشخص الذي يراد اختبار أعمال بسيطة يقوم بها، ومن ذلك الوقت أصبح قياس الذكاء الشغل الشاغل لـ"بينيه"، وظل نحو عشرين سنة يبتكر اختبارات متنوعة، ويطبق طرق شتى للتمييز بين الأذكياء والأغبياء من الناس، وكان لأبحاثه الفضل في تنشيط حركة القياس العقلي في ذلك الوقت.
المرحلة الثالثة: مرحلة مقياس "بينيه، وسيمون"، أو مرحلة نجاح قياس الذكاء: بدأت عام ١٩٠٥ ميلادية عندما نشر "بينيه، وسيمون" مقياسهم الأول للتمييز بين الاعتداليين، والانحرافيين من الأشخاص، أو الاعتدال والانحراف، أي: بين ذوي العقول العادية، وذوي العقول الشاذة، وهو يتكون من ٣٠ اختبارًا متنوعة، ومتدرجة في الصعوبة بحيث تبدأ باختبار مناسب، مستوى عقلي منخفض جدًا، وتنتهي باختبارات تناسب عقل الشخص الراشد العادي، وبذلك أطلق المؤلفان على المقياس: السلم القياسي للذكاء.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


وفي سنة ١٩٠٨ ميلادية نشر "بينيه، وسيمون" مقياسًا آخر يحتوي على ٩٥ سؤالًا، وأهم ما يمتاز به هذا المقياس: هو أنه ظهرت فيه لأول مرة فكرة العمر العقلي، وقد قسمت الاختبارات إلى مجموعات، يختص كل عمر مجموعة منها، فهناك اختبارات تلائم الأطفال من عمر ثلاث سنوات وأربعة، واختبارات لأربع سنوات، وأربعة لعمر خمس سنوات، وسبعة لعمر ست سنوات، وهكذا إلى عمر ثلاث عشرة سنة.
وقد أثار نشر مقياس بينيه ١٩٠٨ اهتمامًا عظيمًا في كثير من البلدان؛ فترجم إلى عدة لغات، وطبق على تلاميذ المدارس وغيرهم، وأخذ كثير من العلماء ينقحونه؛ حتى يلائم البيئة الخاصة ببلادهم. وأهم التنقيحات، أو التعديلات التي نشرت له: "تعديل تيرمان"، ويعرف باسم: تنقيح جامعة إستانفورد، وهذه الجامعة أدت إلى أن يسمى المقياس: مقياس إستانفورد "بينيه" للذكاء، ويستعمل هذا المقياس في بلاد كثيرة غير الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يعتبر إلى الآن أفضل مقياس للذكاء من بين المقاييس الشائعة، وكان "بينيه" يعبر عن درجة أي شخص بمقدار عمله العقلي، وعمره الزمني. وعدل "تيرمان" هذه الطريقة، وسميت فيما بعد: "نسبة الذكاء"، وقد شاع استخدام "نسبة الذكاء"، وربما كانت اليوم أهم مصطلحات القياس العقلي، وأشهرها، كما سبق بينا نسب الذكاء المختلفة.
المرحلة الرابعة: مرحلة تأليف الاختبارات العملية: عني بعض الباحثين بتأليف اختبارات عملية، يتم من خلالها القيام بأعمال معينة في الإجابة عليها، وتتطلب الانتباه، والفهم، والتفكير، وأقدم هذه الاختبارات العملية لوحات الأشكال، اختبار تركيب الصور، ويتألف من صور مقطعة إلى عدة أجزاء يطلب من المفحوص تركيبها للحصول على الصورة الأصلية، ومن أشهر الاختبارات العملية: اختبار المتاهات لـ"يورتيوس".

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


المرحلة الخامسة: مرحلة المقاييس الجمعية، وانتشار القياس: من الصعوبات التي حالت دون انتشار القياس العقلي في أول الأمر أن المقاييس الأولى كانت شخصية، أي: أنها تعطى لكل فرد على انفراد، وهذا يستغرق وقتًا طويلًا، وللتغلب على هذه الصعوبة اتجهت الأذهان إلى وضع نوع من المقاييس يمكن إجراؤه على جمع من الأشخاص معًا، كما تجرى الامتحانات الدراسية المألوفة، ومما أدى إلى سرعة تحقيق هذه الغاية: دخول الولايات المتحدة في الحرب العظمى سنة ١٩١٧، فقد رأت الحكومة أن تسعين بالعلم الحديث في تنظيم الجيش، فعهدت إلى لجنة علماء النفس في تدبير طرق لقياس القوى العقلية للمجندين؛ حتى يخصص كل منهم للعمل الذي يتكيف فيه.
ولم يكن من المستطاع اختبار مئات الألوف من الجنود بمقاييس فردية؛ فوضعت اللجنة مقياسين جمعيين للذكاء، يعرفان الآن: بـ"مقياس ألفا"، و"مقياس بيتا" للجيش الأمريكي، أما "مقياس بيتا": فهو للأميين، وللأشخاص الذين لا يجيدون التكلم باللغة الإنجليزية، ويتميز عن "مقياس ألفا" أن موضوعات الأسئلة فيه صور ورسوم. وقد كان في نجاح القياس العقلي في الجيش الأمريكي إعلان هائل؛ فنشطت حركة القياس للذكاء عقب الحرب نشاطًا كبيرًا، وظهرت المقاييس الجمعية، وسارعت المدارس إلى تطبيقها على موظفيها.المرحلة السادسة من تطور القياس العقلي: المرحلة الحالية: التي تسمى: مرحلة ضبط المقاييس، وتحقيق أسسها العملية.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


ظهرت أصوات عديدة من بين المشتغلين بالمقياس العقلي على أن يدققوا في فحص طرقهم، وضبط الأسس النظرية التي بنيت عليها، وأن يعملوا على تحسين المقاييس، وزيادة دقتها في القياس، وقد صحب ذلك تقدم كبير في الطرق الإحصائية لفحص نتائج القياس؛ حتى يمكن القول: إنه مبني على أسس علمية ثابتة، وهذا ما تقوم به الآن كثير من المراكز البحثية، والمؤسسات التي تعني بالقياس العقلي. وأخيرًا، بالنسبة لموضوع الذكاء: سوف نعطي نماذج لبعض النظريات التي فسرت البنية العقلية، أو الذكاء.
وكان هدف هذه النماذج هو: الإجابة على سؤال هام هو: ما طبيعة النشاط العقلي للإنسان؟ وما طبيعة العلاقة بين الذكاء، والقدرات العقلية المختلفة؟ وهل درجة الفرد على اختبار ما ترجع إلى قدرة واحدة عامة، أم قدرة خاصة، أم قدرة عامة، وأخرى خاصة؟ وهناك نظريتان أساسيتان للتكوين العقلي، يمثلها كل من: المدرسة الإنجليزية، والمدرسة الأمريكية، والنظرية التي تمثلها المدرسة الإنجليزية: كانت تتركز في أعمال "سبيرمان" أول الأول، والآن يمثلها من بعده كل من: "بيرت، وفيرمون". أما النظرية التي تمثلها المدرسة الأمريكية: كانت ترتكز على أعمال "سارستون" في أول الأمر، والآن يمثلها من بعده "جيلفورد"، وتعتمد كل من النظريتين على ما يسمى: بالتحليل العاملي في الإحصاء؛ للتعرف على العوامل الرئيسية التي تكون الذكاء.
وقد اتسمت الأعمال المعاصرة باهتمامها ببناء نماذج لبناء العقل، يتضح من خلاله وضع الذكاء، وسوف نتناول النظريات الأولى التي يمثلها "سبيرمان" في إنجلترا، و"سارستون" في أمريكا، ثم نتناول من النظريات المعاصرة التي يمثلها "جيلفورد" في أمريكا، ويمكن أن نصف النماذج الأساسية في ميدان القدرات العقلية، والتي تعتمد منهجها على التحليل العاملي إلى ثلاثة نماذج، هي:

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


نموذج العاملين لـ"سبيرمان".
نموذج العوامل المتعددة لـ"سارستون".
النموذج المورفولوجي لـ"جيلفورد".
أولًا: نموذج العاملين لـ"سبيرمان": افترض "سبيرمان" أن جميع مظاهر النشاط العقلي تشترك في عامل واحد يجمعها، بالإضافة إلى عامل يميز بين كل نشاط عن غيره، بمعنى: أنه لو طبقنا مجموعة من الاختبارات العقلية المعرفية على عينة من المفحوصين، أو من الأفراد، ثم حسبنا الارتباطات بين هذه الاختبارات باستخدام التحليل العاملي، وهو منهج إحصائي؛ لوجدنا أن هذه الاختبارات تشترك في عامل عام، أي: أن العامل العام موجود في كل اختبار من تلك الاختبارات التي طبقناها على الأفراد، ولكنه يوجد بنسب متفاوتة، وفي نفس الوقت يوجد عامل خاص يميز كل فرد عن غيره من الأفراد.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


ولقد بنى "سبيرمان" فرضه السابق على أساس ملاحظة وجود ارتباط جزئي موجب بين الاختبارات العقلية، أي: أن الارتباط بين كل اختبار وآخر موجب، ولكن لا يصل إلى واحد صحيح، أي: أن المحتوى المعرفي للاختبارات ترتبط فيما بينها بمعاملات ارتباط تتراوح ما بين ناقص واحد، وزائد واحد؛ مما يوحي بأن هناك عاملًا مشتركًا بين هذه الاختبارات، تتفاوت قيمته من اختبار لآخر، كما يوحي بأن كل اختبار متميز بعامل خاص، ولكن ماذا نعني بالعامل الخاص، والعامل العام الذي توصل إليه سبيرمان في دراساته؟
العامل العام: يطلق عليه: الطاقة العقلية العامة التي تدخل في جميع الأنشطة المعرفية التي يقوم بها الفرد بنسب متفاوتة، وقد سمي: بالذكاء العام. أما العامل الخاص: فهو مجموعة من الأداءات التي تعمل من خلالها هذه الطاقة، وهي الأنماط الخاصة بالخلايا العصبية المتضمنة في كل نشاط عقلي، ويرى "سبيرمان" أن العامل الخاص يتأثر بالتدريب والممارسة، أما العامل العام ففطري، ولا يقبل التنمية أو التعديل، وينمو تلقائيًا حتى سن ١٨ سنة، والعامل العام يمثل الذكاء الفطري عند الإنسان، ويشترك في جميع أساليب الأداء العقلي بنسب مختلفة، فمثلًا: قد يتطلب حل مسألة رياضيًا قدرًا من العامل العام، وهو الذكاء أكثر من العوامل الخاصة، أما النجاح في الأعمال الحرفية فقد يتطلب قدرًا من العوامل الخاصة أكبر من العامل العام.
ويؤكد "سبيرمان" أن أكبر قدر من نشاط العامل العام يتمثل في المواقف التي تتطلب قدرًا من الابتكارية، والمواقف التي تطلب إدراك العلاقات، والمتعلقات، وحل المشكلات، وتنظيم الخبرات، والاستفادة منها في مواقف جديدة. ثانيًا: نموذج العوامل المتعددة لـ"سارستون":

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


نشر "سارستون" سنة ١٩٦٤ كتابًا بعنوان: (طبيعة الذكاء)، أوضح فيه أن الإنسان يكون دائمًا في حالة استعداد للمحافظة على نفسه، والدفاع عنها، والرقي بها، وفي سبيل ذلك يمارس العديد من الأفعال سماها: الأفعال السيكولوجية، أو النفسية، ومن خلال ما يمارسه الفرد من أفعال تستهدف إشباع رغباته، وحاجاته يظهر الذكاء؛ أي: أن الذكاء يهدف بواسطة الأفعال إلى إشباع رغبات الفرد لحاجاته بأقل قدر ممكن من المخاطرة.
يوضح "سارستون" الصورة الطبيعية الداخلية للذكاء على أن له أربعة مستويات مرتبة من الأدنى إلى الأعلى، هي: المحاولة والخطأ، ثم الذكاء الإدراكي، ثم الذكاء التخيلي، ثم الذكاء التصوري. ويبين "سارستون" أنه على المستوى التصوري للذكاء توجد مجموعة من العوامل الطائفية التي سماها: القدرات العقلية الأولية. وقد استطاع باستخدام التحليل العاملي الكشف عن هذه القدرات لدى الراشدين، والأطفال. وبعد دراسات عديدة قام بها "سارستون"، وتلاميذه على العوامل الطائفية توصلوا إلى وجود عدد منها أسماها: القدرات العقلية الأولية. القدرات العقلية الأولية سبع قدرات عند "سارستون":
الفهم اللفظي: ويعتبر عاملًا تتشبع به الاختبارات التالية تشبعًا عاليًا، أي: أنه يظهر في اختبارات الفهم الذاتي، والقياس اللفظي، وترتيب الجمل، والاستدلال اللفظي.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


الطاقة اللفظية، أو بمعنى آخر: الطلاقة اللفظية: وتظهر هذه القدرة في القياس اللفظي، والقوافي كما في الشعر، وذكر أسماء الأشياء في فئة معينة، أسماء أولاد مثلًا تبدأ بحرف معين.
القدرة العددية: وتكشف عنها الاختبارات التي تتطلب القيام بحل مسائل حسابية بسرعة ودقة.
القدرة المكانية: تتضمن تصور علاقة مكانية متحركة.
الذاكرة الارتباطية: وتظهر في اختبارات التذكر، والارتباطات الثنائية بين عدد أو كلمة، أو بين عدد وعدد.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


السرعة الإدراكية: وتظهر في الاختبارات التي تتطلب من الفرد السرعة، والدقة في التصرف على التفاصيل، وأوجه الشبه والاختلاف بين الأشياء.
الاستدلال: طرح "سارستون" أن هذا العامل ينص على عامل الاستقراء، وعامل الاستنباط، ويوجد عامل الاستقراء في الاختبارات التي تتطلب من الأفراد الوصول إلى قاعدة، أو مبدأ من عدة وقائع جزئية، مثل: القاعدة التي تحكم سلسلة الأشكال، أو تحديد للمساحات، أو تكملة الجداول، أما الاستنباط: فيوجد في القياس المنطقي، والاختبارات التي تتطلب قاعدة عامة على وقائع جزئية.
وقد وضع "سارستون"، وتلاميذه بطاريات للاختبارات تسمى باسم: اختبارات القدرات العقلية الأولية، وهذه البطاريات، أو هذه الاختبارات تعطي بروفيلات، أو تخطيطًا نفسيًا للأفراد، وقد وضعت هذه الاختبارات، أو اختبارات القدرية العقلية الأولية لعدة مستويات:
المستوى الأول: من الحضانة حتى بداية الصف الثاني الابتدائي من ٥ إلى ٨ سنوات.
المستوى الثاني: من الصف الثاني حتى بداية الرابع الابتدائي من ٨ إلى١٠ سنوات.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


المستوى الثالث: من الصف الرابع حتى السادس الابتدائي من ١٠ إلى ١٦ سنة.
المرحلة الإعدادية: من ١٦ إلى ١٥.
المرحلة الثانوية: من ١٥ إلى ١٨.
النموذج الثالث الذي سنعرضه هنا من النماذج، نماذج البناء العقلي، أو البنية العقلية هو: النموذج المورفولوجي، أو نموذج "جيلفورد": وقد اتبعت هذه النظرية الذي قام به "سارستون" من قبل في التعرف على العوامل الكثيرة والمتعددة التي يتكون منها الذكاء، فمن خلال استخدامه هو وتلاميذه إلى أسلوب التحليل العاملي في دراساته عن الذكاء توصل إلى عدد من القدرات العقلية أكثر بكثير من القدرات التي توصل إليها "سارستون"، وتلاميذه.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


ويوضح بناء نموذج "جيلفورد" بناء هذه العوامل والقدرات، وقد صنف "جيلفورد" القدرات العقلية إلى تصنيفات ثلاثة هي:
العمليات.
المحتويات.
االإنتاج.
وكون من هذه التصنيفات نموذج ذي ثلاثة أبعاد: أسماه: بناء العقل، أو بنية العقل، وهذا النموذج يتكون من عوامل متداخلة داخل الخلية، فكل خلية في النموذج الذي أعده "جيلفورد" تمثل نوع معين من القدرة التي يمكن وضعها في ثلاثة أبعاد:
عملية عقلية.
محتوى.
إنتاج.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


ويمكن تقسيم الأبعاد، أو تلخيص الأبعاد الثلاثة لنموذج بناء العقل عند "جيلفورد" في: أولًا: العمليات العقلية الخمسة عند جيلفورد: وهي تمثل الأنواع الرئيسية في الأنشطة العقلية وهي:
التقويم: التفكير بطريقة نقدية، والوصول إلى قرارات، أو أحكام تتعلق بالصلاحية، والتناسب والجدة.
التفكير التقاربي: عملية تصنيف، أو ترتيب للبيانات للوصول إلى الحلول الصحيحة، أو عملية توليد للأفكار المحددة للحلول الصحيحة التي تحددها مسبقًا، وتم الاتفاق عليه.
التفكير التباعدي: أي: التفكير ذي الاتجاهات المتباعدة بطريقة ابتكارية، وفي نسق مفتوح.
المعرفة: وتشمل الفهم، والاكتشاف، والتعرف، والوعي، واليقظة، والإدراك، والتمييز.
الذاكرة: وتشتمل على التذكر، والاستدعاء، والاحتفاظ بالمعلومات بصفة مستديمة.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


ثانيًا: النواتج الستة عند "جيلفورد": بعد العمليات العقلية الخمسة، وضع لنا نواتج ستة، وهي تمثل الطريقة التي يتم بها التعامل مع المعلومات، سواء كانت هذه المعلومات أشكالًا، أو رموزًا، أو مواقف سلوكية، وسواء استخدمت في ذلك عمليات الذاكرة، أو التفكير. وهذه النواتج الستة هي:
الوحدات: أشياء، حقائق، كلمات، الأشياء وحدة، الحقائق وحدة، الكلمات وحدة.
الفئات: مجموعات من الأشياء لها خاصية مشتركة، أو أكثر.
العلاقات: الربط بين الأشياء والأفكار والفئات.
التنظيمات: نظم معقدة مركبة للأجزاء التي تعتمد على بعضها، وتتفاعل مع بعضها.
التحويلات: وتشتمل على المعلومات التي تتحول إلى شيء آخر، أو التحويل من حالة إلى حالة أخرى.
التضمينات: وتشتمل على التنبؤ بالمعلومات المعطاة، ومقترحة إلى مواد أخرى.
ثالثًا: بعد النواتج وضع لنا "جيلفورد" أنشطة عقلية، أو المواد التي تتضمن الأنشطة العقلية، المواد يضعها في أربعة:

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


الأشكال: وتشمل المدركات الحسية العيانية، والبصرية، والسمعية.
الرموز: وتشتمل على العلاقات، والرموز.
المعاني: وتشتمل على التعامل مع الأطفال، والألفاظ والمعاني.
المواقف السلوكية، أو المحتوى السلوكي في المواقف الاجتماعية.
مما سبق يتضح أن الوضع النهائي لنموذج بناء العقل عند "جيلفورد" يتمثل في شكل ثلاثي الأبعاد، تمثل العمليات العقلية الخمسة بعده الأول، والنواتج الستة البعد الثاني، والمحتويات الأربعة البعد الثالث. أنا عندي خمس عمليات بعد أول، ست نواتج بعد ثاني، أربع محتويات بعد ثالث.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


والمحتويات الأربعة تتفاعل مع بعضها؛ لتصبح العوامل العقلية المتوقعة، وهي خمس عمليات x ست نواتج x أربع محتويات = ١٦٠ قدرة، أو ١٦٠ عاملًا.
والتطبيق العملي لنظرية "جيلفورد" في مجال التربية: بين أن المحتوى الشكلي له علاقة بالفنون اليدوية، والرسم الميكانيكي، والفنون الجميلة، والاقتصاد المنزلي، والهندسة، والطبيعة، أما أن القدرات التي يشتغل عليها المحتوى الرمزي لها أهميتها عند دراسة موضوعات في الرياضيات، واللغويات، والمنطق، والكيمياء. والمحتوى المعنوي له أهميته عند دراسة موضوعات تتعلق بالأدب، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية، والفلسفة. وعمليات المعرفة، والذاكرة لها أهميتها في دراسة كل الموضوعات الأكاديمية، والتفكير التقاربي المتشعب. هذه ثلاث نماذج تبين البناء العقلي لدى نظرية "جيلفورد".
الفروق الفردية في الذكاء، ودوره في اكتساب المعارف في الإسلام:
لقد خلق الله الإنسان، وميزه بميزة العقل، واستخلفه على الأرض؛ من أجل أن يستخدم ما وهبه الله من قدرات عقلية في الاهتداء إلى حقائق الكون، ويتوصل إلى عبادة الله، ونشر الإيمان والمعرفة.

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


وقد تناول القرآن الكريم في آياته المعظمة أسس القدرات العقلية، والذكاء، والفروق، ومستويات التفكير، والتدريب على تنمية القدرات الفردية، أو القدرات الفطرية، أشار إلى أن الإنسان يجيء إلى العالم، وهو يشبه الصفحة البيضاء، وإن ما يتعرض له من خبرات بيئية بعد ولادته تساهم في تحديد المستوى العقلي فيما بعد، وهذه إشارة إلى أهمية العوامل الوراثية، والعوامل البيئية في اكتساب المعارف في ديننا الحنيف.
ففي آيات القرآن ما يميز الإنسان بنعمة العقل، كما ورد في سورة التين آية ١-٤، وسورة العلق آيات ١-٤، وسورة المؤمنون آية ١٦-١٤، وسورة الفرقان آية ٤٣، ٤٤، وسورة الزمر آية ٤٣. وما يشير إلى تطور القدرات العقلية، وإلى الفروق الفردية الذهنية، والتفاوت في مستويات العقل نجدها في سورة الجاثية آية ٣و ٥، وسورة البقرة آية ٦٤، وسورة النحل آية ١٦، وس ورة الزخرف آية ٣، وسورة فصلت ٤٤، وسورة يونس ٤٦، والأنعام ١١٠، ولقد وجهنا الله -سبحانه- في كثير من الآيات القرآنية إلى استخدام قدراتنا العقلية؛ حتى نصل إلى اكتشاف الحقائق والأدلة لحقيقة الكون الإلهي، وهو ما نطلق عليه: الذكاء، سواء أكان ذكاء مجردًا أو اجتماعيًّا، كما في سورة الحجرات آية ٤، ٥، والمؤمنين آية ٨٠، والأنعام آية ٦٦، والشعراء آية ٦٣ و ٦٨، والرعد آية ٤، والبقرة آية ١٧١، وهناك آيات أخرى تشير إلى تعدد مستويات القدرات، وهناك فروق في هذه المستويات، وإن كانت بشكل غير مناسب، كما وردت في سورة الزخرف آية ٤٦، وفي سورة الانفطار آية ٦، ٨، والبقرة ٦٤٧، والبقرة ٦٦٩، والحشر ٦١، واكتساب العلوم من وجهة نظر إسلامية تركز على:

٢.٩ أنواع الذكاء وتطور قياسه ودوره في التعليم والذكاء في الإسلام


توفر القدرات الفطرية، وفي مقدمتها الذكاء وسلامة الأطراف.
الميل إلى الاكتشاف والبحث.
الرغبة في التجريب، والقدرة على الملاحظة.
توفر البيئة الغنية المناسبة بالمنبهات والمثيرات، كما يشير القرآن الكريم بآياته البينات إلى القدرات المهنية، والنشاط الزراعي في سورة يونس ٦٣، ٣٥، وسورة يوسف ٤٧، والبقرة ٧١، وهكذا نجد إشارات عديدة في القرآن الكريم وآياته المحكمة إلى الذكاء، والقدرات العقلية، والفروق الفردية.