١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


من المهم بالنسبة لكل معلم أن يكون لديه فكرة دقيقة عن طبيعة الذكاء؛ نظرًا لما أوضحته الدراسات النفسية من وجود علاقة وثيقة بين الذكاء والتحصيل الدراسي، والذي يقوم المعلم بدور كبير في الحث عليه وتنميته، ولما كان التحصيل الدراسي والنجاح في المدرسة يتصلان بالذكاء اتصالًا وثيقًا، فمن العبث أن نحاول فهم النمو الأكاديمي دون أن نهتم بدراسة مفهوم الذكاء. ويعتبر لفظ الذكاء من أكثر الألفاظ شيوعًا وتداولًا بين الناس، وهو المرادف لما يدور في أذهان الناس للنباهة، والفطنة، والفراسة، كما أنه مرادف للمهارة في معاملة الناس، ويعتبر الذكاء من أقدم الموضوعات التي حظيت بالاهتمام، والدراسة من جانب الفلاسفة القدامى، وبخاصة الفلاسفة العرب خلال القرن الثاني عشر؛ حيث ذاع صيت الإمام فخر الدين الرازي من خلال كتابه المشهور (الفراسة)؛ إذ يحلل فيه العلاقة بين التقييم العضوي، والشخصية كمسببات للسلوك الإنساني، ويقسم الأفعال إلى: أفعال نفسية داخلية، كالذاكرة، والفراسة، وأخرى أفعال حيوية، كالشجاعة، والجبن، والتريث، والتهور.
لذا؛ يعتبر الذكاء من أهم الموضوعات التي اهتم بها المشتغلون بالتربية وعلم النفس في مجال الدراسات الخاصة بالفروق الفردية؛ باعتباره أحد مظاهر هذه الحياة العقلية السلوكية التي يمكن ملاحظتها، وقياسها قياسًا علميًا موضوعيًا. أهمية الذكاء بالنسبة للفرد:

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


يمكن إيجاز أهمية الذكاء في الأمور التالية:
يعتبر الذكاء عاملًا هامًا في تكيف الكائن الحي مع بيئته، فبواسطته يستطيع فهم الأحداث التي يواجهها، والمقارنة بينهما، وبواسطته يستطيع التنبؤ بما قد سيقع من الأحداث؛ فيستعد لمواجهتها، وحل لما يعترضه من مشكلات، وعقبات.
الذكاء يساعد الفرد بواسطة الأفعال السيكولوجية التي يمارسها على إشباع رغباته، وحاجاته بأقل قدر ممكن من المخاطرة.
يلعب الذكاء دورًا هامًا في التحصيل الدراسي للتلاميذ؛ إذ يتعثر المتخلفون عقليًا في دراساتهم، بينما الأذكياء، والعباقرة، ومتوسطو الذكاء لا يجدون نفس الصعوبات.
للذكاء دور هام في الحياة المهنية للأفراد، وعلى هذا فإن من لا يصلح لمهنة معينة بحكم مستوى ذكائه، وقدراته قد يصلح لمهنة أخرى؛ ولذلك ظهر التوجيه المهني الذي يهدف إلى مساعدة الفرد على اختيار المهنة التي تتناسب مع مستوى ذكائه وقدراته.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


كل نوع من أنواع الدراسة يتطلب درجات معينة من الذكاء والقدرات العقلية الطائفية المختلفة؛ فالدراسة الثانوية العامة -مثلًا- تحتاج إلى مستويات من القدرات، تختلف عما تحتاجه الدراسة الثانوية الصناعية، أو الزراعية، أو التجارية. ومن ثم ظهر التوجيه التربوي باعتباره عملية تهدف إلى مساعدة الفرد على اختيار الدراسة التي تناسب ما لديه من ذكاء وقدرات.
للذكاء دور في القدرة على التفكير المجرد، وعلى معالجة الأمور الذهنية، والتعامل بالرموز، وعلى استخدام اللغة في التواصل، وحل المشكلات.
يسهم الذكاء في القدرة على الإفادة من الخبرات المعرفية، وفي القدرة على الاستدلال، وهذه هي أهمية دراسة الذكاء بالنسبة للفرد، وللتلاميذ في أي مجال من المجالات المتعددة.
ثانيًا: تعريف الذكاء، أو مفهوم الذكاء:
وهذه التعريفات التي سوف نستعرضها تعريفات علمية، توصلت إليها نظريات النماذج العقلية، أو نماذج البنية العقلية من خلال الدراسات المتعددة لهذا المفهوم. يعتبر تعريف الذكاء أمرًا بالغ الأهمية؛ لأنه يساعد على تبين نتيجة علاقته بغيرة من الظواهر النفسية، سواء كان التحصيل أو التفكير أو الابتكار والإبداع والنقد، وغيره من أنواع التفكير المختلفة، أو الظواهر الانفعالية.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


وتحديد نوع الفروق الفردية ودرجتها، كما أن تعريف الذكاء يساعدنا على وضع واختيار أنسب الأدوات لقياسه، كما أنه يساعد على وضع البرامج اللازمة لتنميته والارتقاء به. والجدير بالذكر هنا أن القياس النفسي نشأ وتطور أولًا في ميدان الذكاء، ومع ذلك لم يتوصل العلماء إلى تعريف موحد متفق عليه لمفهومه.
وقبل أن نعرض لمفهوم، أو تعريف الذكاء نجيب على تساؤل مهم: لماذا تتعدد تعريفات الذكاء رغم أن دراسته القديمة فيه دراسات عديدة؟ يرجع هذا التعدد إلى عوامل هي:
الذكاء تكوين فرضي نفترض وجوده، ولا يمكن ملاحظته بصورة مباشرة، فالذكاء ليس محسوسًا ملموسًا يمكن قياسه، وملاحظته ملاحظة مباشرة، وإنما هو مفهوم افتراضي، اصطنعه العلماء؛ ليشير إلى مظاهر متعددة.
يرجع الذكاء إلى عوامل متعددة هي: الوراثة والبيئة؛ فقد أثبتت الدراسات إمكانية وراثة الذكاء الذي ننميه.
كل فئة من العلماء تناولت موضوع الذكاء من جانب معين، وتحاول أن توضح وجهة نظرها عن طريق عرض ما تعتقده بأنه تعريف، أو نظرية للذكاء. وتبعًا لمناحيهم الفكرية، واهتماماتهم العلمية، فمنهم من عرف الذكاء تعريفًا فلسفيًا، أو بيولوجيًا، أو اجتماعيًا، أو تربويًا. وفيما يلي عرض لبعض هذه المفاهيم:

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


المفهوم الفلسفي للذكاء: يعتمد هذا المفهوم على ملاحظة الفرد لنفسه من خلال التفكير، والتأمل، والنشاط العقلي؛ ولذا سميت هذه الطريقة: بأسلوب التأمل الباطني، أو الذاتي. ومن ثم، فإن هذه الطريقة قاصرة، أو عاجزة عن التوصل إلى نتائج البحث العلمي الذي يتبع مناهج أخرى دقيقة.
وفي هذا التعريف نجد أفلاطون الفيلسوف اليوناني قام بتقسيم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي: العقل، والشهوة، والغضب. وتلك الأقسام تقابل في علم النفس الحديث الإدراك، الانفعال والوجدان، النزوع.
وبمعنى آخر: أن الإدراك يؤكد الناحية المعرفية لنشاط الفرد والوجدان، والانفعال يؤكد العاطفة، أما النزوع: فيؤكد القيام بالفعل أو الحدث. كما شبه أفلاطون قوى العقل بتشبيه طريف، وهو عبارة عن عربة يقودها سائق متمرس هو العقل، ويجرها جوادان هما: الإدراك، والرغبة.
أما أرسطو الفيلسوف اليوناني كذلك: فقد قابل العلاقة بين النشاط العقلي، والنشاط الفعلي الملموس بتقسيم العقل إلى قسمين: قوى عقلية معرفية، وقوى انفعالية مزاجية. ومجمل القول: فإن الفلسفة اليونانية القديمة أكدت على أهمية الناحية الإدراكية في نشاط الفرد العقلي، والأهمية البالغة للحياة العقلية ، والمعرفية. ننتقل إلى المفهوم الثاني للذكاء، وهو: المفهوم البيولوجي: فقد حاول بعض العلماء الربط بين الذكاء، والتقويم العضوي للكائن الحي، وكلما زادت عقلية الكائن الحي، وبوجه خاص تعقيد جهازه العصبي زادت قدرته على التكيف مع البيئة، وتعلم أعمال جديدة.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


ويمثل هذا الاتجاه عالم النفس المشهور: "سورانيت" في تفسير الذكاء، حيث فسره على أساس الوصلات العصبية بين أعصاب الحس والحركة، والتي تؤلف شبكة متصلة بالمخ، وأكد أنه بناء على عدد هذه الروابط يكون نصيب الفرد من الذكاء. وقد تأثر المشتغلون بعلم النفس بتلك النظرية، وخاصة في دراساتهم وأبحاثهم المتعلقة بالذكاء والوظائف العقلية، وقد اتضح ذلك في أواخر القرن الماضي لدى عالم النفس "سبنسر"؛ إذ قرر أن المحور الرئيسي لوظيفة الذكاء هو مساعدة الكائن الحي والتكيف بقدر الإمكان مع بيئته.
وفي منتصف القرن الماضي فسر "سورانيت" الذكاء على أساس الوصلات العصبية التي تصل بين خلايا المخ؛ فتؤلف منها شبكة متصلة، وبقدر عدد هذه الروابط يكون ذكاء الإنسان. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الذكاء يوجد بدرجات متفاوتة بين أعضاء السلسلة الحيوانية، ومعنى هذا: أن الذكاء موروث، وليس مكتسبًا؛ إذ إنه يتحدد أساسًا بخصائص النوع الذي ينتمي إليه الكائن؛ حيث إنه كلما زاد تعقد الجهاز العصبي زاد الذكاء، ومن ثم يعتبر الإنسان أذكى الكائنات الحية؛ لتعقد جهازه العصبي.
والمفهوم الثالث من مفاهيم الذكاء: هو المفهوم الاجتماعي: لما كان للذكاء علاقة أساسية بمدى نجاح الفرد في حياته الاجتماعية؛ حيث إنه يعيش في مجتمع يؤثر فيه ويتأثر به؛ فقد لجأ بعض علماء النفس إلى الربط بين الذكاء وبعض العوامل التي تعتبر نتيجة للتفاعل الاجتماعي، فالفرد الذكي هو الذي يستطيع أن يستخدم عناصر الثقافة بنجاح، مثل: القدرة على استخدام اللغة، والقوانين، والواجبات الاجتماعية. وعلى هذا، يعتبر الذكاء نتاجًا، أو محصلة للعوامل الثقافية الاجتماعية، والقدرة على الاستفادة منها.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


ويمثل هذا الاتجاه "سورانيت" كذلك عالم النفس المعروف، كما هو معروف في الاتجاه البيولوجي؛ إذ ميز بين ثلاثة أنواع، أو مظاهر للذكاء هي
الذكاء الميكانيكي: ويظهر في قدرة الفرد على ممارسة المهارات اليدوية، والميكانيكية، ومعالجة الأشياء، والمواد العينية.
الذكاء المجرد، أو المعنوي: ويظهر في قدرة الفرد على فهم الرموز، سواء كانت ألفاظًا، أو أرقامًا.
الذكاء الاجتماعي: ويظهر في القدرة على فهم الناس، والتعامل معهم، وإقامة علاقات اجتماعية، وعلى التفاهم، والمحبة، والمودة، والتصرف المناسب في المواقف الاجتماعية. مما سبق يتضح: أن النشاط الاجتماعي الذي يمارسه الفرد في إقامة العديد من العلاقات الاجتماعية الناجحة مع من حوله يعكس لنا لونًا متميزًا من الأداء العقلي، وهذا ما أسماه "سورانيت": بالذكاء الاجتماعي.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


ننتقل إلى التعريف الرابع، وهو: المفهوم التربوي للذكاء: يؤكد أصحاب هذا الاتجاه على أن الذكاء هو قدرة الفرد على التعلم، فكلما ازداد ذكاء الفرد كان أكثر استعدادًا للتعلم، واتسع مجاله، أو مجال خبرته ونشاطه، أي: أن الذكاء هو القدرة على اكتساب الخبرة، والإفادة منها، والقدرة على التعلم، والقدرة على اكتساب الخبرة، والإفادة منها هو المفهوم التربوي للذكاء. المفهوم الخامس: هو تعريفات نفسية: نذكرها لكم مثل: حاول كثير من علماء النفس عند تعريفهم لمفهوم الذكاء ربطه بمجال، أو أكثر من مجالات النشاط الإنساني، ومثل هذه التعريفات:
التكيف مع البيئة المحيطة: يعرف "جودإنث" على أن الذكاء هو القدرة على الاستفادة من خبرات التوافق السابقة مع المواقف اللاحقة، كما يعرف: أنه القدرة على التكيف بنجاح مع كل ما يستجد من الحياة من علاقات جديدة.
العلاقة بين الذكاء والقدرة على التفكير: يعرفه "تيرمان": بأن القدرة على التفكير المجرد أي: أن الذكاء هو القدرة على التفكير المجرد، والتعامل مع الرموز باستخدام اللغة في التواصل. ويعرفه "بينيه" صاحب المقياس المشهور "ستانفورد بينيه" : إن الذكاء عملية تفكير يقوم بها الفرد لحل المشكلات التي تواجهه. ويعرفه "إسبيرمان": بأنه القدرة على إدراك العلاقات، وخاصة العلاقات الصعبة، أو غير المرئية. كما يعرفه "وتسلر" صاحب المقياس المشهور: "قياس وتسلر لذكاء الأطفال"، أو ذكاء الراشدين بأنه القدرة الكلية لدى الفرد على التصرف الهادف، والتفكير المنطقي، والتعامل المجدي مع البيئة.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


من التعريفات النفسية للذكاء هي: العلاقة بين الذكاء، والأنشطة العقلية التي تتطلب بذل الجهد أي: أن هذا التعريف يبين العلاقة بين الذكاء، والأنشطة العقلية؛ حيث يعرف الذكاء: بأنه قدرة الفرد على القيام بنشاط عقلي، يتميز بالصعوبة، والتعقيد، والتجربة، والاقتصاد، والتكيف الهادف، والقيمة الاجتماعية، والابتكار. ومن التعريفات السابقة التي تعددت فيها تعريفات الذكاء يمكن أن نتوصل إلى تعريف عام من خلال تعريفات العلماء، وهو: أن الذكاء القدرة العقلية العامة التي توجد في القدرات بدرجات مختلفة، وقد تختلف نسبة الذكاء في القدرة الرياضية عنها في القدرة اللغوية، عنها في القدرة الميكانيكية، وهنا يساهم الذكاء في كل ٠ الأنشطة العقلية التي يقوم بها الفرد. وهذا يتطلب منا أن نحدد خصائص الذكاء:
للذكاء خصائص، أو ما نسميه: بالقدرة العقلية العامة، كما هو في التعريف الشامل، أو التعريف العام الذي قلناه، هذه القدرة تتميز بمجموعة من الخصائص هي:
أن الذكاء هو الطاقة العقلية العامة التي تدخل في جميع الأنشطة المعرفية التي يقوم بها الفرد بنسب متفاوتة، وبعبارة أخرى يمكن تسميته: بالذكاء العام، القدرة العقلية العامة.
يعتبر الذكاء فطريًا، أي: يولد الإنسان، وهو مزود به، ولا تأثير للبيئة، أو التدريب عليه، وينمو تلقائيًا حتى سن ١٨ عامًا. ومن ثم يختلف عن العوامل الخاصة التي تتأثر بالبيئة، والتعليم والتدريب.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


يظهر الذكاء من خلال المواقف التي تتطلب قدرًا من إدراك العلاقات، والمتعلقات، وحل المشكلات، وتنظيم الخبرات، والاستفادة منها في مواقف جديدة.
يرى "سبيرمان" أن العامل العام، وهو عالم النفس المشهور، أن العامل العام لا يشترك في جميع الأنشطة العقلية بنفس النسبة؛ حيث يرى أن الدراسات الأكاديمية مثل: الفلسفة، والرياضيات، واللغات، والعلوم الطبيعية تعتمد على العامل العام أكثر من اعتمادها على العوامل الخاصة، كما يحدث في الرسم، والأشغال اليدوية، والزراعية، والصناعية.
الذكاء تكوين فرضي، نفترض وجوده فرضًا؛ حيث لا يمكن ملاحظته بصورة مباشرة، وإنما قلما نراه في السلوك.
يمكن قياس الذكاء عن طريق اختبارات الذكاء؛ حيث إن الذكاء ليس شيئًا محسوسًا أو ملموسًا؛ ولذا لا يمكن قياسه مباشرة.
ينمو الذكاء، ويزداد بزيادة العمر، ويكون نموه سريعًا في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل، ثم يبطؤ تدريجيًا بعد ذلك.

١.٩ أهمية الذكاء ومفهومه وخصائصه


توجد فروق فردية بين الأفراد في نمو الذكاء لديهم؛ حيث إن نمو الذكاء لدى الموهوبين أسرع من نموه لدى متوسطي الذكاء، بينما يكون نمو الذكاء لدى الأغبياء، وضعاف العقول أبطأ من متوسطي الذكاء.
الخاصية التاسعة للذكاء العام، أو القدرة العقلية العامة: إن الذكاء يتوزع بنسب بين الأفراد؛ بحيث يقع غالبية الأفراد حول المتوسط حوالي ٦٠% من المجتمع العام، بينما تتوزع النسبة الباقية على جانبي هذا المتوسط.
يتأثر الذكاء بعامل الوراثة: كلما ازدادت درجة القرابة بين الزوجين زاد تأثير العوامل الوراثية، وزاد التشابه في درجات الذكاء.