٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


يمكن أن نلخص الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي في النقاط التالية:
إدراك أن كل تلميذ وحدة متميزة لها قدراتها، واستعداداتها، وميولها بما يستلزم معاملتها معاملة فردية، سواء عند تعليمه، أو تشخيص أي اضطراب، أو عند تقديم العلاج له.
قد ترجع المشكلات التي يعاني منها التلاميذ إلى وضعهم في فصول أعلى أو أدنى من مستوى نضجهم العقلي والاجتماعي والوجداني، وهذا يؤدي إلى تدني عملية التعلم.
إن التوزيع الاعتدالي للأفراد في سمة من السمات لا يعني إغفال فردية كل حالة فردية، فإذا كان الطفل متوسطًا في الذكاء، فلا يعني أنه متوسط في سائر القدرات الأخرى.
وجود الفروق داخل الفرد الواحد تؤكد أن من لا يصلح لدراسة ما قد يصلح لدراسة أخرى، فمن لا يصلح للدراسة العامة، قد يصلح للمدرسة الفنية.
إن استخدام الاختبارات النفسية في تقييم الفروق الفردية تقييم نسبي، وتعتبر هذه القضية ذات أهمية خاصة، إذا كان سيترتب عليها اتخاذ قرار هام، كالإيداع في مؤسسة خاصة مثلًا؛ لذلك يحسن اختيار نوع الاختبار المناسب للغرض، من حيث نوع السمة المقاسة، ومن حيث سن المفحوص، ومن حيث الصدق والثبات لهذه الوسيلة، أو لهذا الاختبار.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


نظرًا لأن الوراثة تلعب دورًا في الفروق الفردية -كما سنأتي في العوامل المؤثرة في الفروق الفردية- فإنه لا يجب إغفال دور البيئة، وتفاعلهما معًا، فلو ربى توءمان متماثلان في بيئتين مختلفتين؛ لأدى هذا إلى إبراز فروق أخرى بينهم.
عند استخدام الاختبارات الجمعية لدراسة الفروق الفردية بين الأفراد، والجامعات يجب أن نستخدم الاختبارات المتحررة من أثر الثقافة، أي: الاختبارات العادلة ثقافيًا؛ ذلك لأن الاختبار المقنن في المدينة يكون متحيزًا ضد القرويين.
لتجانس الدارسين داخل الفصل الواحد أسطورة؛ لأنه لا يمكن تحقيق التجانس في القدرات العقلية، والنضج الاجتماعي، والانفعالي؛ لذلك فإن التوزيع العشوائي للدارسين يعتبر أفضل؛ لأنه يكفل الاحتكاك بين الدارسين.
إن وجود الفروق الفردية بين التلاميذ لا بد أن يغير مفهوم التقويم، فيجب ألا يقيم الفرد بالقياس إلى جماعته، بل يقوم بالقياس إلى درجة تقدمه؛ لهذا ظهر نوع جديد من المقاييس التحصيلية، تعرف باسم: المحكية، المرجع في مقابل معيارية المرجع، حيث يقيم النوع الأول أداء الفرد بمقارنة الفرد بنفسه في ضوء ما حققه من أهداف تربوية موضوعية، أما النوع الثاني: فيقيم أداء الفرد بمقارنته بجماعة مرجعية مشابهة له.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


يعتبر دور المدرس ذا أهمية كبيرة في التعرف على الفئات الخاصة تعرفا مبكرًا؛ لكي يجنبها العديد من الاضطرابات النفسية، كما أن عليه دور هام في المساهمة مع إدارة المدرسة، والأخصائي النفسي، والاجتماعي في رسم البرامج المناسبة في كل فئة.
العوامل التي تؤثر على الفروق الفردية:
تنقسم هذه العوامل إلى قسمين: العوامل الوراثية، والعوامل البيئية، فإذا كانت الفروق الفردية حقيقة واقعة، وليس هناك مجال للخلاف بين أحد من العلماء، ولكن الخلاف فقط يكمن في السؤال التالي: لماذا يختلف الأفراد عن بعضهم البعض؟
أولًا: العوامل الوراثية، أو أسباب الفروق الفردية التي ترجع إلى الوراثة، وتعني الوراثة: مقدار التشابه بين خصائص الفرد، وخصائص الوالدين، كما تعني: كل العوامل التي يولد الفرد مزودًا بها، والتي تتكون لديه منذ اللحظة الأولى لبدء اتحاد حيوان منوي مع بويضة، فالوراثة مفهوم بيولوجي، يرتبط بالخصائص الجسمية والفطرية التي تؤدي عند معظم الأفراد الأسوياء إلى تغيرات واختلافات في السلوك.
وتلعب الوراثة دورًا كبيرًا في ظهور الفروق الفردية بين الأفراد، يبدو هذا في زيادة التشابه بين التوائم المتماثلة عنهما بين التوائم الأخوية، أو بين التوائم الأخوية عنها بين الأشقاء.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


وقد تحمس عدد كبير من العلماء لدراسة الوراثة حيث يشير "فرانسيس جالتون" في دراسة لتاريخ بعض الأسر الإنجليزية إلى أهمية العوامل الوراثية، وأثرها في التفوق العقلي. ومن بين الدراسات والبحوث التي أكدت تأثير العوامل الوراثي دراسات "جالتون"، والتي أثبتت فيها التفوق العقلي في بعض الأسر الإنجليزية، وتوصل كذلك كل من: "نيومان، وفيرمان، وهولز: إلى أن تأثير الوراثة يكون واضحًا جدًا في النمو الجسمي، ثم يقل إلى حد ما في مستويات الذكاء، ويكاد ينعدم في سمات الشخصية، كما توصلت أبحاث "أيزنك" إلى أن القدرات العقلية، وثبات الشخصية تتحدد بأثر الوراثة.
ويمكن أن نحدد هذه العوامل الوراثية في الآتي:
انتقال المورثات من الآباء والأجداد عن طريق الجينات، سواء كانت هذه الجينات سائدة، أو متنحية، عن طريق ما نسميه: بالمورثات، أو الكرموزومات من الأب ومن الأم، يلتقيان في جينات تؤدي إلى انتقال الخصائص النفسية، أو السمات الشخصية من الآباء إلى الأبناء.
دراسة عامل الـ"RH" السالب أو الموجب، وأهميته في تحديد هذا العامل "الرايزس" في انتقال الوراثة.
الجهاز العصبي، وتكويناته من الخلايا، والروابط العصبية، والجهاز العصبي الباراسيمباثاوي، أو اللاسيمباثاوي.
الغدد تلعب الغدد دورًا كبيرًا جدًا، وخاصة الغدد الدرقية، والجارادرقية أهمية كبيرة في تحديد سلوك الفرد بعد أن يولد.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


ولتحديد دور الوراثة أجريت عدة دراسات على النحو التالي:
دراسة التوائم: تنقسم التوائم إلى نوعين: توائم متماثلة، وأخرى غير متماثلة. فأما التوائم المتماثلة: فهي الناتجة عن انشطار بويضة واحدة ملقحة بحيوان منوي واحد إلى نصفين، فيكون كل منهما جنينًا مستقلًا؛ ولذلك تكون العوامل الوراثية بينهم متشابهة. وأما التوائم غير المتماثلة، أو الأخوية: فهي التوائم الناتجة من بويضتين مستقلتين، كل منهما ملقحة بحيوان منوي مستقل؛ ولذلك درجة تشابه التوائم الأخوية تكون أقل من تشابه التوائم المتماثلة. وقد بينت الدراسات أن الصلات الجسمية للتوائم المتماثلة الطول والوزن، سواء نشئوا معًا، أو نشئوا في بيئتين مختلفتين متشابهة تشابهًا كبيرًا؛ وذلك إذا قورنوا بالتوائم غير المتماثلة، أو الأخوية، كذلك بينت الدراسات أن العمر العقلي يتأثر بالبيئة بدرجة أكبر إذا قورن بالخصائص الجسمية، ومع هذا يكون التشابه بين التوائم المتماثلة عاليًا، حتى ولو نشأت التوائم في بيئات مختلفة، وهذا مما يوضح دور الوراثة في إظهار الفروق الفردية في الذكاء. ولقد حدا هذا بالعالم النفسي "بيرت" إلى أن يحدد الأثر النسبي للوراثة في الذكاء بـ ٧٥%.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


دراسة الأطفال بالتبني: هناك وسيلة أخرى لدراسة الأثر النسبي للوراثة والبيئة على الذكاء، وهي دراسة الأطفال بالتبني، أي: دراسة الأطفال الذين ربوا في بيوت من تبنوهم، رغم اختلافنا مع هذا التبني، إلا أن هناك مؤسسات للملاجئ، ومؤسسات للأسر البديلة تتولى هذا الموضوع، من حيث إن الأطفال يربون في أسر غير أسرهم الأصلية، أو غير آبائهم. وعندئذ نحاول أن نتعرف على ما إذا كان الأطفال يشبهون آباءهم، أو الأسر التي ربوا فيها أكثر مما يشبهون آباءهم الحقيقيين من ناحية، ولنتعرف من ناحية أخرى على ما إذا كانت ظروف البيئة المحيطة تغير في بعض الخصائص.
بينت هذه الدراسات: أن التشابه كان كبيرًا، وخاصة الدراسات التي تمت على ذكاء الطفل، على علاقة نسبة ذكاء الطفل المتبنى وبمستوى البيت المتبني فيه. بينت هذه الدراسات: أن التشابه كان كبيرًا بين ذكاء الوالدين والأبناء في الأسر الطبيعية عنه في الأسر البديلة، وهذا مما يؤكد أهمية الوراثة، إلا أن بعض من الدراسات الحديثة بينت أن الأطفال بالتبني يزدادون شبهًا بآبائهم غير الطبيعيين.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


أثر المناطق السكنية: يرتبط مستوى الفروق الفردية بالمستوى الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي للمنطقة السكنية، ويدل على ذلك: ما كشفت عنه الدراسات التي أجريت على ذكاء الأطفال من أن الأذكياء يأتون من مناطق وأحياء متحضرة، وإنما يأتي معظم الأغبياء من مناطق وأحياء مختلفة. ولعل ذلك يرجع إلى اختلاف مستوى المدن، ومدى ما يتوافر فيها من المؤثرات الحضارية الحديثة.
التعليم: لقد بينت الدراسات أن المتعلمين أقل في الفروق الفردية من غير المتعلمين، وأن أطفال المدارس أفضل من أطفال الأميين. وفي دراسة مصرية عن أثر الرعاية والتدريب على الذكاء للأحداث المتخلفين عقليًا، زاد مستوى الأعمار العقلية، ونسب الذكاء العام، واللفظي، والعملي نتيجة لتطبيق برنامج تدريبي على العينة المشار إليها.

٢.٨ الإفادة التطبيقية من دراسة الفروق الفردية في العمل التربوي


ورغم أن هذه العوامل تؤثر على الفروق الفردية في السمات العقلية، والجسمية، والانفعالية إلا أننا يمكن أن نقول: إنه ليست الوراثة وحدها هي السبب الرئيسي في الفروق الفردية، وليست العوامل البيئية وحدها هي السبب الرئيسي في الفروق الفردية، ولكن هناك تفاعلًا بين العوامل الوراثية، والعوامل البيئية، فالعوامل الوراثية تعطي الإمكانات الأولية للجوانب الشخصية: انفعالية، وعقلية، وجسمية؛ ولذلك فالفرد نتاج تفاعل العوامل الوراثية والعوامل البيئية والشخصية حاصل ضرب الوراثة في البيئة، وتغير أي حد من الحدين -أي: عامل من العوامل- يتغير الحد، أو العامل الآخر، ويستحيل تصور الإنسان بلا وراثة، أو بلا بيئة، فشخصية الإنسان هي دالة للعوامل الوراثية، والبيئية.
يمكن أن نحدد العلاقة بينهما بأن نقول: إن الوراثة تضع الحدود العليا للصفات المختلفة التي يمكن أن يصل إليها الفرد، وإذا توفرت لديه البيئة المناسبة، فإنه سيصل إلى النمو، والنضج السليم. هذه هي ظاهر الفروق الفردية، والعوامل المؤثرة عليها، وكيفية الاستفادة منها.