٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي:
نسق التعلم عند الزرنوجي له عناصره الأساسية التي هي مكونات التعلم. وأوضح ما يميز هذه العناصر وفروعها: أنها مترابطة في بنية متماسكة، أي: أن عناصر التعلم في نسق الزرنوجي متكاملة ومترابطة، كل منهما يؤثر في الآخر، فما هي عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي؟
هذه العناصر يمكن أن نلخصها في الآتي:
أولًا: التأهب: المقصود بالتأهب: الاتجاه العقلي والانفعالي الذي يهيئ الفرد، أو يتهيأ به الفرد لمواجهة موقف، أو مشكلة، أو موضوع، وأن له دورًا كبيرًا في بحوث علم النفس الحديث في الإدراك والتفكير والتعلم.
والتأهب عند الزرنوجي: هو خلاصة عناصر فرعية ونتائج شرائط أو شروط هي: النية، الهمة، التوكل. وهذه تعمل متضافرة بحيث تؤهل المتعلم، وتهيئه ليجعل تعلمه أفضل. وهذه فكرة مبسطة عن الجوانب الثلاثة للتأهب:
النية: لها جانبان: جانب إيجابي، وجانب سلبي. جانب الإيجاب هو: ركز الزرنوجي على أن تكون نية المتعلم لطلب العلم، وهي: إرضاء الله تعالى والدار الآخرة، وإزالة الجهل عن النفس، وإحياء علوم الدين، وإبقاء الإسلام، والشكر على نعمة العقل وصحة البدن، هذه النية في جانبها الإيجابي. أما الجانب السلبي للنية: فهو أن يجتنب المتعلم أن تخالط نيته في طلب العلم شوائب، مثل: إقبال الناس إليه، استجلاب حطام الدنيا، الكرامة عند السلطان وغيره. وينبه المتعلم إلى التأمل في أمرين: الأول: أن لذة العلم والعمل بها كلما يرغب فيما عند الناس. الثاني: أن المتعلم يتعلم العلم بجهد كثير، فلا يصرفه إلى الدنيا الحقيرة الفانية.

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


الهمة: في رأي الزرنوجي ضرورية لطالب العلم، وهي باعث على الحركة، بل هي في ذاتها حركة داخلية تؤدي إلى حركة خارجية، أو سلوك يتميز بالإقبال والحماسة، وتقترن الهمة العالية بالجد والمواظبة، كما ترتبط بالاهتمام وعدم التهاون. والعلاقة بين الهمة والعمل، أو الانفعال والسلوك علاقة تبادلية، ويربط الزرنوجي بين الهمة والسلوك ربطًا تبادليًا من وجهة، كما يربط بين النشاط العقلي المعرفي والحياة الانفعالية الدافعية من جهة أخرى.
التوكل: التوكل في طلب العلم؛ تحررًا من العلائق الدنيوية، والشوائب والشواغل المعيشية؛ مما يساعد المتعلم على أن تكون نيته خالصة للتعلم. ويرى الزرنوجي أنه لا بد لطالب العلم من التوكل في طلب العلم، وأن يشتغل بالتعلم والتفقه في جميع أوقاته، ولا بد أن يتحمل المشقة في سفر التعلم، وأن سفر العلم لا يخلو من التعب؛ لأن العلم عظيم. ومع صدق التوكل وخلوص النية تعلو الهمة، ويتزايد استعداد المتعلم لبذل الجهد، والوصول دائمًا إلى تعلم أفضل. وهذا هو العنصر الأول من عناصر تفسير التعلم عند الزرنوجي. أما العنصر الثاني: وهو أدب النفس: وهو عنصر خلقي دافعي، يتميز بالتوازن الداخلي، والاعتدال الخارجي، هذا التوازن الانفعالي أو يظهر انفعالي والاعتدال السلوكي، وبطمأنته القلب وهدوء الجوارح. ولأدب النفس عند الزرنوجي من حيث اتصاله بنسق التعلم ركنين أساسيين يجتمعان لتكوينه، ويغذيانه في كافة مراحل تعليم المتعلم، هما:

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


تعظيم العلم وأهله: فيرى الزرنوجي أن العلم لا ينال ولا ينتفع به إلا إذا كان له عند المتعلم تعظيم، وتوقير. ومن هنا، تعلو قيمة العلم عند المتعلم، ومن تعظيم العلم تعظيم المعلم؛ إذ لا يمكن أن يتحقق لدى المتعلم تعظيم حق العلم دون أن يظهر هذا في تعظيم المعلم وتوقيره. ولذا نرى كيف أن الزرنوجي حريص على أن يوفر في موقف التعلم جوًّا نفسيًا اجتماعيًا يسوده توقير العلم وتوقير المعلم وتوقير الشركاء في التعلم.
الورع: شرط مساعد في تكوين أدب النفس عند المتعلم؛ لأن الزرنوجي يرى أنه كلما كان طلب العلم أورع كان علمه أنفع، والتعلم أيسر، وفوائده أكثر. وقد ذكر الزرنوجي أن زيادة الورع هي حمد المتعلم لله كلما فهم شيئًا، وتعلم من العلوم، فعلى المتعلم أن يرى أن الفهم والعلم والتوفيق من الله تعالى.

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


لعنصر الثالث من عناصر نسق الزرنوجي: الدافعية: قسمها الزرنوجي إلى: دافعية ذاتية، ودافعية مادة، ودافعية نشاط، ودافعية مشاركة، أي: أن الدافعية ليست خارجية بالنسبة إلى المتعلم، ولا منفصلة عن مادة التعلم، ولا غريبة عن سلوكه، ولا معزولة عن الوسط الاجتماعي للتعلم. فالدافعية ذاتية في رأي الزرنوجي، تتضح في قوله: ينبغي للمتعلم أن يبعث نفسه، وأن يدفع نفسه على التحصيل؛ فالباعث هنا على التعلم باعث من داخل المتعلم، ومصدر تحريك هذا الباعث هو المتعلم نفسه. ومن ذاتية الدافعية ذاتية التقويم، وهو تقويم ذاتي؛ لذا لا نجد عند الزرنوجي كلامًا على ثواب أو عقاب، ولكنه يتكلم عن لذة العلم والفقه والفهم.
دافعية مادة؛ تعني: دافعية موضوع التعلم ذاته، أو مضمونه؛ فينبغي للمتعلم أن يبعث نفسه على التحصيل والجد والتأمل في فضائل العلم. ودافعية النشاط؛ تتمثل فيما قد يقوم به المتعلم من نشاط، أو أداء، أو عمل، أو ممارسة، هي في ذاتها مؤدية دورًا دافعيًا، وينبغي لطالب العلم دفع الملل بتنويع النشاط. وأخيرًا، دافعية مشاركة، فهي الدافعية الناتجة من تعامل المتعلم وتفاعله مع الأطراف الاجتماعية المشاركة معه في التعلم، طالب، تلميذ، معلم، إلى غير ذلك. وهو الجانب الاجتماعي في الدافعية، ويوجه عناية خاصة -أي: يوجه الزرنوجي عناية خاصة- إلى النشاط الاجتماعي في التعلم، حيث يؤكد أن فائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة التكرار فقط.
التعلم، حيث يؤكد أن فائدة المطارحة والمناظرة أقوى من فائدة التكرار فقط. العنصر الرابع من هذا النسق: هو الاختيار: فمن ذاتية الدافعية تنبثق حرية المتعلم، فهو حر من داخله، ومن حريته تنشأ وتنمو مسئوليته عن تعلمه، ومن مسئوليته عن تعلمه أن يختار ما يقدِّر هو ذاتيًا أنه أنسب لتحقيقه تعلمًا أفضل، فالمتعلم حر في رأيه؛ لأن حركته في التعلم ناتجة من انبعاث داخلي.

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


ويرى الزرنوجي في اختيار المتعلم اختيار:
العلم: فعلى المتعلم أن يختار من كل علم أحسنه.
اختيار الأستاذ: ومن حق المتعلم أن يختار من يعلمه؛ فيختار الأعلم، والأورع، والأسن.
المشاورة، أو المشاورة من الحرية، والاستزادة بوجهات النظر المتباينة، ومن المعلومات المتنوعة التي تساعد المتعلم على الاختيار.
الثبات بعد الاختيار: فعلى المتعلم أن يثبت عند اختياره، سواء فيما يتصل باختيار الأستاذ، أو الكتاب، أو البلد، أو فرع من فروع العلم.
اختيار الشريك: من مسئولية المتعلم أن يحسن اختيار شريك التعلم، وعليه أن يختار المجد الورع، وصاحب الطبع المستقيم. العنصر الخامس من عناصر النسق لتفسير التعلم عند الزرنوجي هو الأنشطة:
وهي جزء من التعلم، وهي شكله ومحتواه، وهي غايته ومرماه، ويجب أن تتصف هذه الأنشطة بالآتي:

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


بالتنوع: ومن الأنشطة التي تناولها الزرنوجي المطارحة، والمناظرة، والمشاورة، والمذاكرة.
بالتأمل: فينبغي على المتعلم أن يكون متأملًا في جميع الأوقات في دقائق العلم، ويعتاد عليه، وهو نوع من النشاط المعرفي.
التسجيل: فعلى المتعلم أن يسجل ما يسمع، وما يقرأ، وأن يحرص على كتابة الجزء الذي يدرسه، ويفهمه ويعيد.
الحيوية: لا ينبغي أن تكون أنشطة التعلم خافتة فاترة، بل يجب أن يكون الدرس فيه حماس، وإقدام، وممتع، ومبهر.

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


الاستمرار: والاستمرار من خصائص أنشطة التعلم التي تضمن لها فاعليتها، فالانقطاع عن ممارسة الأنشطة يؤدي إلى هبوط وفتور مستوى دافعية التعلم، والانقطاع عن العلم ابتعاد عن مجاله، وفي هذا غربة عن جو التعلم، والترك آفة التعلم فإن عدم الاستعمال وترك ممارسة الأنشطة إضعاف لما اكتسبه المتعلم من سلوك.
التدرج في ممارسة أنشطة المتعلم: فيجب أن يراعي المتعلم أن يبتدئ بشيء يكون أقرب إلى فهمه، ثم يتدرج إلى الأعلى، أو الأصعب.
التكرار، واتباع نمط، أو أسلوب تكرار مناسب لقدر المادة المتعلمة منذ البداية: تختلف صعوبة المادة، وكثرة المادة؛ إلى غير ذلك من أسلوب التكرار. العنصر السادس: الحفظ والنسيان:
والحفظ والنسيان نشاط عقلي معرفي، تناوله الزرنوجي تناولًا منفصلًا، فليس الحفظ هو نقص النسيان، وقد أعطى عوامل تساعد على الحفظ، قسمها إلى قسمين: العوامل النفسية، والعوامل الجسمية، وقسم العوامل النفسية إلى: عقلية مثل: قراءة القرآن، حفظ كتاب واحد من كتب الفقه، التأهب العقلي المناسب للمتعلم، الاستعداد العقلي، الفهم أما العوامل الانفعالية: فهي قراءة القرآن تعميق وتثبيت للعقيدة، الاشتغال بهموم الآخرة يحرر طاقة الدافعية عند المتعلم، ويركزها في التعلم والحفظ.


٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


أما العوامل الجسمية: فتتناول أنواعًا معينة من الأغذية، مثل: شرب العسل، وتناول المتعلم إحدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق؛ لأنها تورث الحفظ، وتقوي الذاكرة. أما العوامل التي تؤثر على النسيان: فقد قسمها إلى عوامل عقلية، مثل: كثرة الأشغال والعلائق تؤدي إلى النسيان، إهمال الفهم عند الحفظ يؤدي إلى النسيان، أو عوامل انفعالية مثل: هموم الدنيا لا تخلو من الظلمة في القلب، فتور الهمة، المعاصي، وكثرة الذنوب يُورث النسيان. أما العوامل الجسمية فهي: أكل الكزبرة الرطبة يؤدي إلى النسيان، كل ما يزيد البلغم يؤدي إلى النسيان، الحجامة تؤدي إلى النسيان. سابعًا: صحة البدن والتعلم:
فصحة البدن تعتمد على التقليل من الطعام، السواك يقلل البلغم ويزيد الحفظ، النظافة الشخصية، على المتعلم أن لا يجهد نفسه؛ هذه عوامل وجوانب تمثل صحة البدن.
ثامنًا: اجتماعية التعلم:
تتمثل اجتماعية التعلم في:
الاختيار للمعلم، والشريك، والموضوع.

٢.٧ عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي


تفضيل المشاركة: يرى أن أنشطة التعلم الاجتماعية أفضل من الفردية مثل: المناظرة، والمطارحة.
التوجيه الأخلاقي: ويشمل تعظيم المتعلم، والشركاء، وحسن الظن بالناس، وحسن اختيار الشريك، والوفاق، أي: تناغم التفاعل، وانسجام العلاقات.
ومن العرض السابق لملامح تفسير التعلم في النهج الإسلامي وعناصره عند برهان الإسلام الزرنوجي عالم النفس الإسلامي، ومن مشاهير الثقافة الإسلامية أنه تناول كثيرا من الموضوعات التي طرحتها نظريات التعلم والتعليم في علم النفس المعاصر، والتي سبق أن فسرناها في الاتجاهين: الاتجاه السلوكي، والاتجاه المعرفي؛ حيث تناول ظواهر نفسية مثل: الدافعية، والتعلم، وعناصر الموقف التعليمي من متعلم، ومعلم، وبيئة مدرسية، وتناول الأنشطة، ودورها في عملية التعلم، كما تناول موضوع الذاكرة، والحفظ، والنسيان، والعوامل المؤثرة فيهما، وهي لا تقل عما عرض من ظواهر في نظريات علم النفس المعاصر.