(١.٧ الزرنوجي وكتابه(تعليم المتعلم


سنعرض الآن لتفسير إسلامي من وجهة علم النفس الإسلامي، أو نسق في تفسير التعلم في علم النفس الإسلامي، في بعض الأحيان قد يفوق هذا التفسير ما قدمه علماء علم النفس المعاصر في تفسيرهم لعملية التعلم، وهذا التفسير هو: تفسير التعلم عند برهان الإسلام الزرنوجي، وهو أحد علماء النفس الإسلامي الذين قدموا كتبًا في التعلم والتعليم، وفي التعلم الإجرائي أو التطبيقي.
وبرهان الإسلام أو برهان الدين الزرنوجي ذاع صيته في عام ٦٢٠ هجرية، وكان القرن الذي عاش فيه الزرنوجي ضمن القرون التي شهدت الغزو الصليبي (٤٩٨- ٦٩٢ هـ) أو (١٠٩٦ – ١٢٩٢م).
وكان اختيار عرض تفسير الزرنوجي لعملية التعلم كنهج للنظرية الإسلامية لأسبابٍ هي:
ما يحمله كتابه عن تعليم المتعلم طريق التعلم من آراء ونظرات في تاريخ الفكر العلمي النفسي التربوي تفوق آراء علماء النفس المعاصر.
الاهتمام العالمي بترجمة هذا الكتاب إلى لغات مختلفة؛ حيث طبع في ألمانيا ١٧٠٩م، وفي ليدز ١٨٣٨م، وفي مرشد آباد ١٨٥٢ م، وفي قازان ١٨٩٨- ١٩٠١ م، وفي تونس ١٢٨٦ إلى ١٨٩٦ وطبع في الآستانة -تركيا- ١٢٩٢م، وطبع في مصر طبعات متعددة ١٨٩٣، ١٨٨٩، ١٨٩٤، ١٩٠١، ١٩٣١م.

(١.٧ الزرنوجي وكتابه(تعليم المتعلم


قدم التفسير ملامح للتعلم للمتعلم، وعناصر للنسق التعليمي.
أنه كانت دراسته تطبيقية؛ لأن النسق أو عناصر النسق التعليمي هي: واقعية وتطبيقية في الواقع الخارجي، ومن هنا نستطيع الاستفادة منه.
تعال معي -أخي الدارس- نرى ما قدمه الزرنوجي من تفسير التعلم، وسنعرض هذا في قسمين
القسم الأول: هو الملامح العامة للتعلم في كتابه (تعليم المتعلم).
والقسم الثاني: هو عناصر نسق التعلم عند الزرنوجي.
ففي القسم الأول وضح الزرنوجي ملامح عامة للتعلم، هي:
إفراد دراسة خاصة عن التعليم والتعلم وطرائقه وشروطه: وقد حرص على سلامة منهجه، واستقامة نهجه، ومن أمثلة ما ذكره عن العلم وفضله حيث قال: قد ورد في مناقب العلم وفضائله آيات وأخبار مشهورة، وأنه ينصح طالب العلم بالرجوع إلى موضوع التعلم، وأن يستقر ويستغرقه عن الكلام من ناحية، ويحدد لنفسه الموضوع؛ أي: أن المتعلم يختار موضوع تعلمه بنفسه.

(١.٧ الزرنوجي وكتابه(تعليم المتعلم


تعليم التعلم: يهدف الزرنوجي بكتابه أن يتعلم المتعلم طريق التعلم، أو كما نقول نحن في اصطلاحنا الحديث في علم النفس: إن غاية التعلم أن يتعلم المتعلم كيف يتعلم، أو كيف يعلم نفسه، فالأصل في التعلم عند الزرنوجي: أن يتعلم المتعلم على طرائق، وشرائط التعلم؛ ليصبح معلمًا بنفسه، أي: أن كل ما نعلمه إياه، أو نعمله معه أن نضعه بثبات على طريق التعلم، أي: أن المعلم هنا موجه، والمتعلم ذاته هو الذي يحدد تمكنه، ويقوِّم تعلمه، ويوجه طريقه، والمتعلم هو الذي يضع المعيار، بل إن المتعلم هو المعيار نفسه لتعلمه.
صبغة عملية: ومن الملاح العامة لتناول الزرنوجي موضوع التعلم أنه ذو طابع عملي تطبيقي، وكان يهتم بالتوجيه المفضل لأساليب التعلم ذاتها من تكرار ومراجعة، وكان يهتم فيوصي بأمور مساعدة على التعلم، مثل:
تجويد الكتابة والخط، يتعلم الكتابة الصحيحة، والخط.
تقطيع الكتاب مربعات لأنه أيسر إلى الرفع والمطالعة أي: تقسيم الكتاب إلى أفكار، أو إلى عناصر.

(١.٧ الزرنوجي وكتابه(تعليم المتعلم


ينصح المتعلم بأن يصطحب دفترًا ليطالعه؛ هنا أهمية المطالعة، وأن يكون في الدفتر بياض؛ ليكتب فيه ما يجمعه من أفواه الآخرين.
أن تكون معه محبره؛ ليكون مستعدًا دائمًا بكتابة ما يسمع، كذلك يوصي بتناول أنواع معينة من المأكولات لفائدتها، وتجنب أنواع أخرى؛ لاحتمال أضرارها.
المتعلم كله: يعني: ينظر لعملية التعلم نظرة كلية، تعكس هذه النظرة المتكاملة إلى المتعلم عن اهتمامه بجوانب شخصية المتعلم كلها الانفعالية، سواء في إيجابها كما يظهر في تأكيد ضرورة تعظيم للمعلم وأهله، أو في سلبها كما في نصحه أن يترك الخصومة والمشاحنة؛ لأنها تعيق التعلم، والجوانب العقلية حيث تناول الحفظ، والنسيان، والمراجعة، والتأمل. أما الجوانب الاجتماعية: فتظهر في اهتمامه بالصحبة والرفقة من المشاركين في التعلم، كما اهتم بالجوانب الصحية، سواء صحة البدن، أو صحة النفس. لذا لم يهتم الزرنوجي بجوانب شخصية المتعلم كلها منفصلة، بل مترابطة متفاعلة، يؤثر بعضها في البعض الآخر تأثيرًا متبادلًا، الجانب الانفعالي يؤثر في الجانب العقلي، والجانب العقلي يؤثر في الجانب الاجتماعي، والجانب الاجتماعي يؤثر في الجانب العقلي والمعرفي، والجوانب الصحية تؤثر في كل الجوانب. ومن ذلك قوله مثلًا: أن الهم والحزن يضر بالقلب، والعقل، والبدن، وأن المعاصي وكثرة الذنوب تورث النسيان، وأن صحة البدن وحالاته تؤثر في الحفظ والنسيان.

(١.٧ الزرنوجي وكتابه(تعليم المتعلم


شمول التناول: لقد كان التعليم في عصر الزرنوجي، بل في الثقافة الإسلامية كلها تعلما معرفيًا انفعاليًا، دينيا أخلاقيًا، نظريًا تطبيقيًا. أي أن التعلم يتناول وشامل، تعلم معرفي، وديني، ونظري، وانفعالي، وأخلاقي، وتطبيقي، شمول التناول في التعلم. وكان التعلم للعمل بما علم من التزام بالفرائض والشعائر، واجتناب للنواهي، واستمساك بالقيم الأخلاقية والقواعد السلوكية في التعامل مع الآخرين. ولم يتناول الزرنوجي اكتساب المهارات الحركية، أو التعلم الحركي؛ ذلك أن هذا الجانب من التعلم لم يكن من اهتمام عصره.