١٧.٣ واقع تدريس النصوص الأدبية

واقع تدريس النصوص الأدبية
إنَّ التذوق الأدبي يساعد الطفل على أن يكون إيجابيًّا نشطًا، يشعر بقيمة الشعر في حياته، يفهم ويحس برابطة وجدانية بين النص الأدبي وبين نفسه.
إن التذوق الأدبي يجعل المتعلم قادرًا على استعمال ألفاظ اللغة بوضوح ودقة في التفكير والتعبير، وإن إثارة الطفل للتذوق الأدبي في الطفولة المتأخرة تحتاج إلى أن نشجعه على الغناء المصحوب بالحركات، وإسماعه الكثير من الشعر والقصص الجيد، وإتاحة الفرصة أمامه للقراءة الأدبية عن عوامل جديدة وغريبة. عرض الصور المعبرة عن النصوص الأدبية، شريطة أن تكون ملونة ومستورًا بها الأبيات الشعرية التي عبرت عنها الصورة بخط واضح، وخلق جو من المنافسة في الحفظ والتعبير حركيًّا عما حفظ، وأن يقرأ التلميذ قراءة معبرة عن الانفعالات والمعاني، يعنى فيها بإخراج الحروف من مخارجها الصحيحة أيضًا، وكذا القيام برحلات لتوسيع دائرة خبراته، ولمشاهدة جمال الطبيعة في أشكالها وألوانها وأصواتها وحركاتها وتنوعها، أو الحديث عن رحلات، أو مشاهدة أفلام تسجيلية عن البحار والأنهار والمحيطات والزروع والأشجار والثمار، والطيور والحيوانات بألوانها وأحجامها وأشكالها وأنواعها، وما يرتبط بكل ذلك من كلمات وتعبيرات وأسماء للأصوات في تراكيب سارة ممتعة.
بيد أنَّ مدارسنا تجعل الغاية من دراسة الشعر في المرحلة الأولى من التعليم الحفظ والاستظهار، وتسمي دروس الشعر العربي بالمحفوظات، ولذلك تجد القليل من الأطفال هم الذين يستمتعون بالشعر، والمدرسة تقتل الذوق الشعري عند الأطفال، حيث يقدم الشعر بطريقة الخطابة والإلقاء، فالمدرس يقرؤه -أي الشعر- بطريقة مصطنعة ومفتعلة، وبأسلوب غير طبيعي، أو هو يهتم بالتفصيلات الكثيرة في تحليل الشعر مما يعوق استمتاع الأطفال به، وما زالت المشاهدات اليومية عبر دروس المحفوظات في مرحلة التعليم الأساسي تؤكد الاتجاه السلبي للتلاميذ حيال الشعر الذي...



١٧.٣ واقع تدريس النصوص الأدبية

...يقدم لهم، وتعثرهم في فهمه وتذوقه.
أضف إلى ذلك كله أنَّ النمط الفكري السائد في مدارسنا هو الحفظ والتلقين والاستيعاب، مما أضعف روح الخلق والإبداع، الأمر الذي يدعونا إلى ثورة فكرية ليحل نمط جديد في مدارسنا؛ هو التفكير والإبداع والتذوق؛ لنشكل الإنسان العربي المنتج والمبتكر المتذوق والمبدع.
إن الشعر له مكانة خاصة في أدب الأطفال، فهو يحتل من تراثنا منزلة متميزة بين الفنون الأدبية المختلفة، والشعر أكثر قدرة على نقل التجربة، ففيه النغم الصوتي والصور الفنية والنسيج اللفظي والبناء الفني، والشعر بذلك قادر على تحريك كل مظاهر النشاط الكامنة في روح الإنسان، وهو ما يجعل التلاميذ أكثر وعيًا بوجودهم، فالشعر يؤسس خبرة الإنسان وأفكاره ومشاعره وأحاسيسه، والاستجابة الإيقاعية سمة مميزة للأطفال في مختلف مراحل حياتهم، والشعر له تأثير واضح في نفوسهم؛ لما يتضمنه من إيقاع موسيقي وله موقع مميز في وجدان الأطفال.
وعلى الرغم من ذلك فقد جرت العادة بين السادة مدرسي النصوص الأدبية أن يقرأ المدرس النص على تلاميذه، ثم يأخذ في شرح كلماته التي تحتاج إلى شرح، ثم يشرح النص بعد ذلك بيتًا بيتًا إنْ كان شعرًا، وفقرة فقرة إن كان نثرًا، والتلاميذ حين ذاك ينصتون محاولين أن يفهموا مما يلقيه عليهم من أفكار. وقد يدفع التفوق أو غيره بعضهم إلى المناقشة في شيء مما يقول مناقشة قصيرة، ليس فيها شيء من إظهار ذاتية التلميذ، بل كل ما فيها إنما هو محاولة الفهم لهذا الذي يلقيه المدرس، أو إبداء نقد لمعنى عرض. والمجتهد من المدرسين هو الذي يستطيع أن يأخذ بيد تلاميذه ليدركوا في النص تصويرا جميلا من صور التصوير الأدبي، والذي يستطيع أن يحملهم على تتبع فكرة الأديب الذي يدرس نصه. هذا العرض الموجز يبين لنا أن الطريقة في التدريس مملة للتلاميذ، وأنها تجافي فاعلية التلميذ وإظهار ذاتيته في إدراك ما يعرض عليه، وأنها لا تمرن التلميذ على الاستقلال في العمل بعض الشيء، ولا تترك له مجالا يعبر فيه عما يفهم بلغته هو لا بلغة أستاذه، إلى ما فيها من سوءات لا تخفى...



١٧.٣ واقع تدريس النصوص الأدبية

...على السادة المربين من قتل للتذوق الأدبي.