١٧.١ اللغة الإبداعية
اللغة الإبداعية
الكتابة نوعان: الكتابة الوظيفية والكتابة الإبداعية، الأولى وظيفتها الأساسية قضاء المصالح الاجتماعية المختلفة التي تعرض لنا في الحياة، ومن ثم كان لا بد فيها من العناية بالوضوح والدقة، على أنهما أهم الصفات المطلوبة فيها، أما الثانية فلا تكتفي بمجرد الدقة والوضوح، بل نتعدى ذلك إلى التعبير عن العنصر الذاتي في تجربة الكاتب. والكتابة الإبداعية بهذا صورة مصغرة لما نسميه الأدب والفن، فإذا عبر النص عن تجربة نفسية لشاعر ما، وعرض هذه التجربة في صورة فنية تثير المتعة في معانيها فذلك الأدب الشعري، فالفنان يعرض لنا في لوحة من اللوحات، أو في قطعة موسيقية، أو أثر أدبي شعري أو نثري خبرته الذاتية، وأثمن ما في الفن هو هذه الناحية الذاتية التي يضيفها الفنان إلى الحياة الموضوعية حوله.
ولكي ندرك هذا يمكن أن نوازن بين الصورة التي يرسمها فنان والصورة الفوتوغرافية؛ ففي الأولى نجد أنَّ الفنان يختار عناصر بعينها ليبرزها ويعيد تنظيمها، فإذا نظرنا إليها فإننا ندرك نظرة الفنان الذاتية وتفسيره لخبرته، أما الصورة الفوتوغرافية فإنها لا تستطيع أن تميز أو أن تفسر أو أن تقوم، بل تقدم لنا الواقع الذي تقع عليه عدسة الآلة الفوتوغرافية، وإذن فالناحية الأساسية في الفن هي أنَّ الأثر الفني عبارة عن تقويم الحياة أو الناس أو الأشياء، كما يراها الفنان.
وتطلق لفظة الأدب في المجال الدراسي على الأحكام الأدبية التي يستنبطها مؤرخوه، من خلال دراستهم لشاعر أو كاتب أو عصر أدبي، في ضوء القيم التي تضعها أسس البلاغة ومعايير النقد، فهو يعنى أساسًا بالحكم على أدب شاعر أو ناثر ما من ناحية قوته أو ضعفه، في ضوء المقاييس البلاغية والنقدية السائدة في عصره، والموازنة بينها وبين آخر التطورات لهذه المقاييس، والحكم على أدب عصر ما كالعصر الجاهلي أو الإسلامي أو العباسي، من ناحية الفنون الأدبية ومدى اتساعها والأصالة أو التقليد فيها أو ما إلى ذلك، وتتبع سلسلة التطور من عصر إلى عصر؛ لبيان ...
١٧.١ اللغة الإبداعية
...التطور التي مر بها هذا التراث من عصر إلى عصر، وهذا هو أدق مفهوم له في مجال هذه الدراسة.
وأما البلاغة فهي التي تضع الأسس الجمالية لتذوق الأدب الجيد أو إبداعه، ويأتي النقد ليبني عليها معايير ويبين نواحي القوة والضعف في تطبيق هذه الأسس، وما ترتب على ذلك من اندفاعة الإنتاج الأدبي في طريق الجودة، أو انحرافه عنها، وتعرف البلاغة بأنها العلم الذي يحاول الكشف عن القوانين العامة التي تتحكم في الاتصال اللغوي، ليأتي على نمط خاص، وبعبارة أخرى هي التي تعمل على توضيح الطرق التي يمكن بها تنظيم الكلام، بحيث يتيح لأفكار الأديب أن تنتقل إلى القارئ أو السامع على أكمل وجه ممكن، وهي بهذا تقدم مجموعة القواعد التي يجب أن تراعى في النتاج الأدبي.
ويأتي الأديب شاعرًا أو ناثرًا فيتصل بتراث غيره ويتأثر به ويتفاعل معه، ويستعمل هذه القوانين سواء عن دراسة لها، أو عن موهبة وبصيرة منه، وبهذا يتمثل عمل الأول في السعي وراء القوانين الجمالية، التي يرى أن تتحكم في الاتصال بين الناس، أما الثاني فعمله الاتصال بالناس واستخدام هذه القوانين في ذلك الاتصال، وإذا كانت البلاغة ترمي إلى عرض القوانين العامة التي ينبغي أن يراعيها الكاتب؛ لكي يكون موفقًا في نقل خبرته، فإن النقد لا يقتصر على هذه النتائج التعليمية، بل إنه يحاول أن يحلل الكتابة ويفسرها ويقومها ويضعها في مكانها في عالم الفكر والأدب.
إنَّ البلاغة ترمي إلى تمكين الأديب من إتقان أدوات الاتصال الفعلي بالناس، أما النقد فإنه يؤدي وظيفته حين يقدم الصورة التي يرسمها الأديب، ومهاراته في اختيار الرموز التي تدفع القارئ إلى إدراك هذه الصورة، ولذا نجد أن النقد يحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة هي: ما الصورة التي لدى الفنان؟ وما قيمتها؟ وإلى أي حد نجح في نقلها إلى الآخرين؟ هذا هو النقد، أما المعايير التي يحكمها الناقد في تقويم الآثار الأدبية فهي ما نسميه بمبادئ النقد الأدبي.
\