١٧.٥ تدريس النص الأدبي والبلاغة، والتذوق الأدبي وتنميته
تدريس النص الأدبي
لا يصح أن يفاجأ الطلبة بالنص مفاجأة، بل يجب أن يقدم لهم تقديمًا يترك في نفوسهم أثرًا عميقًا، يدفعهم إلى البحث عنه ويشوقهم إلى قراءته، وذلك بأن يمهد له قبل مناقشته بتصوير جوه، وقص ما يحيط به من حوادث وما يلابسه من ظروف.
نناقش ما في النص من حياة وقوة، فلا نقف به عند مجرد الشرح اللغوي وفهم المعاني الإجمالية، بل يجب أن نجعل منه محورًا لدائرة واسعة من المعرفة والثقافة، بشرح الأحداث التي تتصل به وأنواع السلوك والنقد التي يشير إليها.
نتعمق تدريجيًّا في شرح النصوص من الناحيتين اللغوية والبلاغية؛ ليتمكن الطلبة من مفردات اللغة وأساليبها، وليقفوا على ما في النصوص من جمال فني وأسرار بلاغية ليتذوقوها بأنفسهم، كل ذلك بالقدر الذي يتناسب مع مداركهم ومبلغ ثقافتهم، ولا يطول بحيث يضيع وحدة القطعة.
نعني إلى جانب هذا النوع من تحليل النصوص بتحليل آخر، تتضح منه نفسية الشاعر أو الكاتب كما توحي بها إلينا النصوص.
يقرأ النص الأدبي كاملًا بعد التمهيد له بتصوير جوه، وقبل الشروع في مناقشته وتحليله. يكون التعليل لأحكام الأدب استنباطيًا ما أمكن، بحيث يستطيع الطلبة بأنفسهم أو بتوجيه يسير من المعلم أن يدركوا تلك الأحكام الأدبية وعللها، عن طريق ما عرفوه من قصص أو قرءوه من نصوص وأخبار.
يحسن أن نعتمد في تراجم الشعراء والكتاب على القصص الواقعي، المستمد من المراجع الأدبية المطولة، وحين نتحدث عن صفات الأدب وخصائصه، ومميزات الشعراء والكتاب في لغتهم وأساليبهم يجب أن نتجنب تلك العبارات المجازية، التي لا تعطي للطالب صورة واضحة في هذه المرحلة من حياته اللغوية مثل: مشرق الديباجة، رقيق الحاشية، فحل المعاني إلى غير ذلك مما نراه شائعًا في الكتب، فإن الطلبة يرددون هذه ...
١٧.٥ طريقة تدريس القصة والوسائل المعينة في تدريسها
...يالعبارات ويستظهرونها، دون أن يكون لها مدلول واضح في أذهانهم.
وهناك طريقة أخرى لتدريس النصوص الأدبية، تتلخص في أن يمرن التلاميذ من أول العام الدراسي على الكشف عن الكلمات في المعاجم الصغيرة؛ كـ (مختار الصحاح) و(المصباح المنير) و(المعجم الوسيط)، وإذا كان هناك شيء مكتوب يتصل بالنص في الكتب أو الصحف أو المجلات، ينبه المدرس تلاميذه إلى قراءته، على أن يختار بعضها لتطالع في الفصل، فإذا لم يكن هناك شيء مكتوب قدم المدرس للنص بما يشوقهم إليه ويجذبهم نحوه، يعرض مناسبته والجو النفسي لتأليفه.
يقسم المدرس النص إلى أقسام تنتظم كل قسم فكرة واحدة، ثم يضع مناقشات في كل قسم تتجه نحو ما يأتي: شرح ما يحتاج من الكلمات إلى شرح بمعونة المعجمات الصغيرة كأن يقال: اشرح الكلمات الآتية مثلا. شرح المعنى الإجمالي لكل بيت مثلا أو لكل فقرة. التحليل المناسب لكل بيت والموازنة بين أجزاء العمل. النواحي البلاغية العملية المناسبة للتلاميذ. الصور النفسية البارزة المناسبة. النواحي النقدية للمعنى وللألفاظ التي أدته بصورة مناسبة.
يستوثق المدرس من أنَّ التلاميذ قد حضروا تعيين هذه الحصة في منازلهم، عن طريق الأسئلة والمتابعة. مهمة المدرس استعراض عمل التلاميذ على النحو الآتي: بعد التهيئة والقراءة النموذجية المتكررة يسأل عن شرح الكلمة الأولى، من الكلمات التي تحتاج إلى شرح. يسأل عن معنى البيت مثلا إجمالا، فيسمع من تلميذ وثان وثالث ثم يعلن الصواب. يتجه المدرس بعد ذلك إلى النواحي التي اتجهت إليها المناقشات المطبوعة بين أيدي التلاميذ، بعد هذه الدراسة يكون قد علق في أذهان التلاميذ شيء كثير من عبارات النص، فإذا أراد المدرس أن يحفظوها كلفهم حفظها في خارج الفصل. هناك ملحقات لدراسة النصوص كتراجم أصحابها والموازنة بين اتجاههم في النص واتجاه غيرهم من الأدباء، وما إلى ذلك مما يتصل...
١٧.٥ طريقة تدريس القصة والوسائل المعينة في تدريسها
...بالنص الذي يدرس، ومثل هذه النواحي يترك للتلاميذ لتحضيره في خارج الفصل بإرشاد من المدرس.
هذه النواحي تكون موضوع محاضرات يلقيها التلاميذ بعضهم على بعض، على أن تتبع هذه المحاضرات بمناقشات مستفيضة بين التلاميذ، يكون صمام الأمان فيها المدرس. يختار المدرس ما يرى فيه قيمة من هذه المحاضرات، فيطبعه ويوزعه على تلاميذه ليكون مرجعًا لهم. هناك مدارس متعددة لكل رأيها في تدريس النصوص والأدب؛ منها مدرسة قديمة كانت تدرس تاريخ الأدب وتعتبره محورًا للدراسة، ومن خلاله يسوق النصوص كشواهد للحقائق التي تعرض لها، وهذه مدرسة عفا عليها الزمن؛ لأنها كانت تعنى بالمعارف التي تتصل بالتراث أكثر مما تعنى بالتراث نفسه، وبما وراء ذلك من مهارات الفهم والتحليل والتعبير والتذوق والنقد، وبذلك تضيع جوهر الدراسة النصية في سبيل قشور لا جدوى لها ولا غناء فيها. مدرسة ترى أن تنتقى نصوص من روائع التراث قديمه وحديثه تدرس دراسة نقدية تذوقية، ومن مميزاتها أنها تعنى بالنواحي الجوهرية في دراسة التراث، ولكن كثيرا ما تتشتت أذهان الطلاب فيعجزون عن مناقشة بيئة النص وجوه، والحياة التي أحاطت بالشاعر أو الكاتب فدفعته بملابستها إلى إنشاء نصه.
مدرسة ثالثة ترى أن يدرس التراث الأدبي في صورة فنون، كفن الوصف أو الحماسة أو القصة أو المسرحية أو المقال، ومن مميزاتها الخيط المتصل الذي يربط نماذج الفن الواحد، ويكشف عن سلسلة تطورها، ومما يؤخذ عليها أنها قلما تلم بمجموعة الفنون البارزة إلمامًا كافيًا. مدرسة ترى أن يدرس التراث الأدبي في صورة عصور، ويطالب بعض روادها أن يكون البدء بالعصر الحديث، ويرى آخرون أن يكون لعامل الزمن ومسيرته التاريخية اعتباره.
ومهما يكن من الأمر فإن هناك حقيقة راسخة هي أن تكون النصوص أساس الدراسة ولبابها، وأن يتجه فيها إلى نواحي الفهم الذاتي والتحليل...
١٧.٥ طريقة تدريس القصة والوسائل المعينة في تدريسها
...التلقائي، والتذوق المعتمد على حس التلاميذ، والنقد المبني على الأسس الجمالية السليمة.
أما دراسة الحقائق الأدبية فلا بد أن تكون بقدر، وأن تأتي عن طريق الاستنباط، وأن تظهر فيها شخصيات التلاميذ، وأن تبتعد عن القوالب والأحكام العامة التي لا توضح الظواهر.
تدريس البلاغة
الطريقة الحالية في تدريس علوم البلاغة تؤدي إلى الإخفاق، في الوصول بالطلبة إلى الغاية المرجوة منها، فالطريقة الحالية تفصل علوم البلاغة عن دروس الأدب، وتعالجها في حصص مستقلة بأسلوب علمي نظري، وفوق ما في هذا الفصل من خطأ فني فإنه يشعر الطالب بأن درس البلاغة شيء متكلف، فيقف منه موقف الحيرة والشك في قيمته الأدبية، وليتهم كانوا مع ذلك يتجهون في دراستها اتجاهًا أدبيًا ذوقيًا، وماذا يكون رأي الطالب في قيمة البلاغة، وهو ينفق وقتًا ومجهودًا لمجرد أن يعرف أن في هذه العبارة استعارة أو كناية، وأن هذا استفهام خرج عن معناه الأصل إلى معنى آخر.
الواجب ألا يكون للبلاغة درس خاص تشرح فيه قواعدها، وإنما يجب أن تعلم في حصص الأدب وفي خلال نصوصه؛ ليتبين الطلبة منزلتها الرفيعة من الدراسات الأدبية، وليسهل علينا أن نتجه بها دائمًا اتجاهًا ذوقيا خالصًا لا تشوبه شائبة من علم أو فلسفة.
والطريقة التي تلائم طبيعة البلاغة وعلاج دراستها في المرحلة الثانوية: أن نبدأ بالتدريب الفني مباشرة، بأن نوجه نظر الطلبة إلى نواحي القوة والجمال في النص الأدبي الذي ندرسه في حصة الأدب، ونشترك معهم في تحليله ونقده موازنته بغيره، متجهين في كل هذا اتجاهًا أدبيًا.
ومن طرق التدريب البلاغي في اللغات الأوروبية أن يطلب إلى التلميذ التعبير عن معنى واحد بصور مختلفة، ليتخير منها صورة يراها أجمل في نظره وأبلغ...
١٧.٥ طريقة تدريس القصة والوسائل المعينة في تدريسها
...في تقديره، وهذا تدريب عملي حسن إذا كان الطالب يملك زمام لغته ويستطيع التصرف فيها.
تعيينات للتلاميذ
يخصص لكل تلميذ كراسة خاصة بالنصوص الأدبية، ويكلف المدرس تلاميذه تحضير تعيينات في هذه الدروس في منازلهم، وأن يعنى بحمل التلاميذ على هذا التحضير المنزلي، وأن تكون مهمة المدرس في الدرس استعراض جهد التلاميذ، والأخذ بيدهم إلى الصواب إذا زلوا، والوصول بهم إلى الغاية المرتجاة إذا قصروا، فيسأل عن شرح كلمة من البيت مثلا.
التذوق الأدبي
مفهوم التذوق الأدبي يتجه الخيال في الإبداع الأدبي من الكل إلى التفاصيل الجوهرية، ومن التفاصيل الجوهرية إلى الكل، فالأديب يتجه إلى التفاصيل الضرورية بعد أن يتصور الكل في ذهنه، واختيار كلمة بعينها أو عبارة بعينها لتؤدي المعنى المقصود. يوجه القارئ الذي يستطيع بعملية إغلاق جشطلتي أن يكمل النمط التام، ويعرف الحكم الجمالي بأنه القدرة على إدراك الصفة الجمالية الكاملة، في أية علاقة بين العناصر داخل أي تنظيم، ولا يقتصر الأمر على مجرد تطبيق قواعد، لكن القدرة على الحكم تنمو مع السن والخبرة.
ومن هنا نرى أنَّ هناك اختلافًا في إدراك التذوق الأدبي، فهناك من يعرفه بأنه إحساس القارئ أو السامع بما أحسه الشاعر أو الكاتب أو القصاص، وهناك من يعرفه بأنه نوع من السلوك، ينشأ من فهم المعاني العميقة في النص الأدبي، والإحساس بجمال أسلوبه، والقدرة على الحكم عليه بالجودة أو الرداءة، وهناك من يعرفه بأنه انفعال...
١٧.٥ طريقة تدريس القصة والوسائل المعينة في تدريسها
...يدفع الفرد إلى الإقبال على القراءة، أو الاستماع في شغف وتعاطف، وإلى تقمص الشخصيات التي في الأثر الأدبي، وإلى المشاركة في الأحداث والأعمال والحالات الوجدانية التي تصورها الأديب. أما أنواع سلوك التذوق الأدبي فهناك أنواع متعددة منها: تمثل القارئ للحركة النفسية في العمل الأدبي. إدراك الوحدة العضوية في العمل الأدبي. إدراك الترابط بين أجزاء القالب الواحد. تعرف الصور البلاغية ومدى توفيقها. الإحساس بقيمة الكلمة التعبيرية في العمل الأدبي.
تنمية التذوق الأدبي
تقوم طريقة التدريس لتنمية التذوق الأدبي على أساس أن النقاش الشفوي ييسر عملية التذوق، وأن النقاش الشفوي في مجموعة صغيرة-أو مجموعات صغيرة- يوفر التغذية المرتجعة للجميع، والمدرس في طريقة المناقشة هذه موجه ومرشد، كما أنه يوفر النشاط والدافعية للتلميذ. وهذه مبادئ يجب أن يسترشد بها المعلم: لا تذوق دون فهم، تأمل وتخيل، اقرأ وعبر، تناقش ثم أجب، تذوق بمفردك، ومن هنا يجب على المعلم أن يلم بجو العمل الأدبي، وبالمعلومات التي تمس العمل الأدبي، وأن يتعرف على أماكن التذوق في العمل الأدبي، والفكرة التي تدور حول هذا العمل. المعلم عليه دور كبير في تنمية التذوق الأدبي، فيجب أن يكون عالمًا بأسرار التذوق وعناصره، وأن يحدد المهارات التي يريد أن ينميها لدى التلاميذ، وأن ينمي لديهم الميل إلى قراءة الشعر وتذوقه، عن طريق إعداد كراسة خاصة لكل تلميذ، يدون فيها النصوص الشعرية التي قرأها، ويعرضها على المعلم لمناقشة ما سطره بها.