٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


أخي الطالب، تناولنا من قبل: مصادر التربية الإسلامية: القرآن الكريم، ثم السنة النبوية المطهرة، ثم هدي الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.
وفي هذه المحاضرة، نتناول الجهود البشرية في مجال التربية الإسلامية؛ حيث نتناول الفكر والآراء التربوية لبعض علماء المسلمين من أمثال: ابن سحنون ، والقابسي، وابن حزم الأندلسي، والإمام الغزالي، وابن تيمية، وابن خلدون، والتي سبقت آراؤهم وتوجهاتهم كل النظريات التربوية الحديثة.

أولاً: ابن سحنون: التعريف به وبرسالته:
هو: محمد بن سعيد بن حبيب، التنوخي القيرواني. وُلِدَ بالقيروان بتونس سنة مائتين واثنتيْن، ومات سنة مائتين وستٍّ وخمسين، ودُفِنَ بجوار أبيه بالقيروان.
وقد نشأ ابن سحنون في بيئة مثقّفة متديّنة: فقد كان أبوه الإمام سحنون عالمًا متديِّنًا ذائع الصيت، وقاضيًا متنوّرًا عادلًا، تولى القضاء في عهد الأمير أبي العباس أحمد بن الأغلب، وباشر الحسبة والمظالم بنفسه، واستحق أن يلقب بـ"سراج القيروان". وقد تلقى ابنه محمد العلم عنه وعن غيره من علماء عصره. وارتحل إلى الشرق حبًّا في الاستزادة من طلب العلم. وقد ألّف محمد بن سحنون كتبًا كثيرة تزيد عن العشرين مصنفًا في مختلف العلوم، إلا أنّ شهرة ابن سحنون بالنسبة لدراسة التربية الإسلامية ترتبط بكتابه المعروف "آداب المعلّمين"، ويتضمّن الكتاب عشرة أبواب على الترتيب الآتي:

٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


ما جاء في تعليم القرآن العزيز.
ما جاء في العدل بين الصبيان.
باب ما يكره محْوه من ذكْر الله تعالى.
ما جاء في الأدب، ما يجوز في ذلك وما لا يجوز.
ما جاء في الختم، وما يجب في ذلك للمعلّم من حيث الأجْر.
ما جاء في القضاء بعطيّة العيد.
ما ينبغي أن يخلى الصبيان فيه (العطلات الرسمية).
ما يجب على المعلّم من لزوم الصبيان.
ما جاء في إجازة المعلّم، ومتى تجب (أجر المعلم).
ما جاء في إجازة المصحف، وكتب الفقه، وما شابهها...

٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


وهناك تداخل أحيانًا وتكرار أيضًا في الآراء التي يوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين؛ بل إنه قد يرد تحت العنوان كلام لا يدخل في بابه أو موضوعه.
وفي ضوء هذا التنبيه وهذه الإشارة، سنعرض لأهم الآراء والمبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذه العناوين، مع التزامنا بترتيبها كما أوردها. ولا يعتبر ذلك نقدًا لابن سحنون أو تقليلًا لأهمية الآراء التي أوردها؛ فهو صاحب فضل وسبْق كبير، باعتباره أوّل من ألّف في التربية الإسلامية من العرب والمسلمين؛ فلم يرد قبله كتاب تناول هذا الموضوع. وهو بهذا يُعتبر رائدًا في الكتابة في التربية الإسلامية، وقد اعتمد عليه مَن ألّف بعده في نفس الموضوع، ومنهم: القابسي في رسالته عن أحوال المعلّمين والمتعلّمين؛ بل إن القابسي كان ينقل أحيانًا نقلًا حرفيًّا عن ابن سحنون، وأحيانًا أخرى كان ينقل بتصرف في العبارة دون إخلالٍ بالمعنى.

ثانياً: أهم الآراء التي وردت في رسالة ابن سحنون:
لا يورد ابن سحنون آراء وأحكامًا مستقلة تعبّر عن رأيه، وإنما يورد هذه الآراء منسوبة إلى الأحاديث النبوية، أو القرآن الكريم، أو الروايات المدقّقة.


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


فضل تعليم القرآن وتعلّمه:
كان أوّل ما أكّده ابن سحنون: فضل تعلّم القرآن الكريم وتعليمه. ويقتبس لذلك أحاديث للنبي كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أفضلكم مَن تعلّم القرآن وعلّمه))، و((يرفع الله بالقرآن أقوامًا))، و((إن لله أهلين من الناس: حمَلة القرآن؛ هم أهل الله وخاصّته))، و((مَن قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد)).

العدل بين الصبيان:
في إشارته إلى عدل المؤدِّب بين الصبيان، يورد ابن سحنون حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول: ((أيما مؤدِّب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة، ولم يعلمهم بالسوية: فقيرهم مع غنيهم، وغنيهم مع فقيرهم، حُشر يوم القيامة مع الخائنين)).

ما يُكره محْوه من ذكر الله تعالى:
يستدل ابن سحنون في كلامه عمّا يُكره محْوه من ذكر الله تعالى بما ورد عن أنس بن مالك قوله: "إذا مَحَت صبية الكتاب تنزيل رب العالمين، من ألواحهم بأرجلهم، نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره، ثم لم يبال حين يلقى الله على ما يلقاه عليه".


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


ويورد على لسان أنس تفسيرَه للطريقة التي كانت تُمحى بها الألواح وما عليها من القرآن أيام الخلفاء الأربعة فيقول: "كان للمؤدب إجانة، وكان صبي يأتي يوم نوبته بماء طاهر يصاحبه فيها، وتُمحى الألواح بغمسها في الإجانة المملوءة بالماء. ثم يوضع الماء بعد الانتهاء من غسل الألواح في حفرة في أرض يُصب فيها لينشف، كما يمكن مسح الألواح بلعقها أو بمسحها بالمنديل وما أشبهه".

يجوز في الأدب وما لا يجوز:
يورد ابن سحنون تحت هذا العنوان روايات تتضمّن أقوالًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- تحدد مدى ما يجوز للمعلم في عقاب الصبيان وتأديبهم، منها: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط، إلا في حَد))، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أدب الصبي ثلاث درر، فما زاد عليه قوصص)) من القصاص يوم القيامة. وهذا يعني: أن ضرب المعلم الصبي يجوز بين ثلاث درر، ولا يزيد عن عشرة عند تأديبهم على اللعب والبطالة. ويكون التأديب بهدف منفعتهم، لا بسبب غضب المؤدِّب. ولا يجوز للمؤدب أن يزيد في ضربه على ثلاث درر في تأديب الصبي على قراءة القرآن، ويجب أن يكون التأديب على قدْر الذنب دون إسراف.


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


وفي ختمة القرآن، وما يجب للمعلّم:
يفهم ممّا يورده ابن سحنون: أن ختمة القرآن تكون إمّا بحفظ القرآن كله، أو معظمه، أو نصفه، أو ثلثه، أو ربعه. ويكون ذلك حسب قدرة المتعلّم. ولا يجوز للمعلم أن يحمل المتعلم فوق ما يريد أن يحفظه من القرآن، إلا بإذن أبيه. كما يجوز للمعلم أن يأخذ هدايا من الصبيان في مناسبة الختمة، وفي الأعياد فقط. ولا يجوز له أن يأخذ منهم هدايا فيما عدا ذلك إلا بإذن الآباء.
لا يجوز للمعلم أن يكلّف الصبيان فوق أجره شيئًا من هدية أو غير ذلك، وحرام عليه أن يقبل منهم هدية سألهم عليها. ولا جناح عليه أن يقبل الهدية إذا جاءت منهم بدون سؤال. ولا يجوز له أن يعاقبهم أو يهدّدهم على عدم إهدائهم، كما لا يحل له أن يُخليهم إذا أهدَوْا إليه؛ لأن التخلية داعية إلى الهدية وهو أمر مكروه.

وفيما ينبغي أن يُخلى الصبيان فيه:
يُفهم مما يذكره ابن سحنون: أن إجازة الصبيان في الأعياد تكون من يوم إلى ثلاثة في عيد الفطر، ومن ثلاثة أيام إلى خمسة في عيد الأضحى. ولا يجوز للمعلم: أن يرسل أحدًا من صبيانه في طلب مَن تغيّب منهم إلا بإذن أولياء الأمور، إلا أن يكون الأماكن قريبة لا تُلهي الصبي عن دراسة. وعليه أن يتعهّد المتغيِّبين من الصبيان بنفسه، وأن يخبر آباءهم بتغيّبهم. ومن الأفضل: ألا يكلف أحد صبيانه في القيام بالضرب، وألا يجعل...


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


...لهم عريفًا عليهم، إلا إذا كان قد ختم القرآن وعرفه، وأصبح مستغنيًا عن التعليم، فلا بأس من أن يستعين به في التعليم لما في ذلك من منفعة للصبي، وله أن يستأذن والده في ذلك. ويجوز له أن يستأجر مَن يُعينه إذا كان في مثل كفاءته.

ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان:
مما يورده ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يلي: لا يحل للمعلم أن ينشغل عن الصبيان وهو يقوم بتعليمهم، اللهم إلا في الأوقات التي تتخلل عمله، فلا بأس من أن يتحدث وهو يتفقّدهم وعينُه عليهم.
يعرض ابن سحنون لتحريم رمي الفاكهة على الناس عند الاحتفال بختم القرآن؛ لأن ذلك يعتبر طعامًا، وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الطعام النهبة.
يجب على المعلم أن يتفرغ لتلاميذه، ولا يترك عمله للصلاة على الجنائز إلا في حالات الضرورة، ولا يجوز له أن يترك عمله للسير في الجنائز أو عيادة المرضى.
ينبغي أن يخصص المعلم لتلاميذه وقتًا لتعليم الكتاب، وينبغي أن يعلّمهم إعراب القرآن والشكل، والهجاء والخط الحسن، والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل. أما تعليم الحساب والشعر والعربية والنحو، فتعليمها ليس واجبًا عليه إلا إذا اشتُرط عليه ذلك.


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


لا يجوز للمعلم أن يضرب الصبي على رأسه أو وجهه، ولا يجوز له أن يُمنع من طعامه وشرابه إذا أرسل في طلبه.
لا يجوز للمعلم أن يوكل تعليم الصبية لبعض؛ بل يجب أن يتولى ذلك بنفسه. لا يجوز للمعلم أن ينشغل عن الصبيان بأن يكتب لنفسه أو لغيره كتب الفقه، إلا بعد انتهاء الصبيان من القراءة.
على المعلم أن يحضر الدّرة والفلقة، وعليه أيضًا استئجار الحانوت، وليس على الصبيان شيئًا من ذلك كله. ولكن إذا استأجر الآباء المعلمَ على تعليم الصبيان لمدة سنة، فعليهم استئجار المكان للمعلم.
على المعلم أن يختبر مدى تقدم صبيانه في التعليم، وأن يخصص وقتًا معلومًا لمراجعة حفظ القرآن مثل: عشية الأربعاء ويوم الخميس، وأن يعفيهم من الحضور للدراسة يوم الجمعة. لا يجوز للمعلم أن يعلم صبيانه قراءة القرآن بالألحان والغناء؛ لأنه مكروه.
من الإشارات الطريفة عن المعلمين لابن سحنون قوله: أنهم كانوا يُسرّون بوقوع الحِبر على ثيابهم دلالة على اجتهادهم الشديد في تعليم الصبيان.
يجعل المعلم وقت الدراسة بالكتاب من الضحى إلى وقت الظهر، وما يسمّى الانقلاب، يجوز للمعلم أن يجعل صبيانه يُملي بعضهم بعضًا لما في ذلك من منفعة لهم، ويجب أن يتفقد إملاءهم أو يفحصها.


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


لا يجوز للمعلم أن ينقل الصبي من سورة إلى سورة إلا إذا حفظها بإعرابها وكتابتها. لا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في قضاء حوائجه. يجب على المعلم أن يأمر الصبي بالصلاة إذا كان ابن سبع سنين، ويضربه عليها إذا كان ابن عشر. وعليه أن يعلمهم الوضوء والصلاة؛ لأنها من تمام دينهم، ويعلمهم أيضًا سنن الصلاة والابتهال إلى الله. لا يجوز تعليم الصبيان في المسجد، لأنهم لا يتحفظون من النجاسة، ولم ينصب المسجد لتعليم الصبيان.
لا يجوز للمعلم أن يعلّم أولاد النصارى القرآن. ومن المكروه تعليم الجواري باختلاطهن بالغلمان؛ لأن في ذلك فسادًا لهم. على المعلم أن يؤدّب الصبيان إذا آذى بعضهم بعضًا.
وأخيرًا إذا أدّب المعلم الصبي الذي يجوز له تأديبه فأخطأ ففقأ عينه أو أصابه فقتله، كان على المعلم الكفارة في القتل والدية إذا جاوز حد التأديب إلى القسوة، وإذا لم يجاوز المعلم الحد فلا دية عليه. وإذا ضرب المعلم الصبي بشيء غير مسموح به فقتله، فعلى المعلم القصاص.


جاء في إجازة المعلّم ومتى تجب:
من أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي:
يجوز أن يؤجر المعلم شهريًّا أو سنويًّا، أو يدفع له الأجر حسب الاتفاق. يستحق المعلم الأجر المتّفق عليه ولو كان لمدة سنة في حالة مرض الصبي أو خروجه مع والده في سفر.


٣.١ جهود ابن سحنون التربوية


يجوز أن يستأجر المعلّم لجماعة من الصبيان إذا تراضى الآباء بذلك، ويقوم كل منهم بدفع نصيبه. يمنع المعلم من التعليم إذا عُرف عنه التفريط أو التقصير في تعليم تلاميذه.
يجوز للمعلم أن يعلم مع صبيان استأجر على تعليمهم صبياناً آخرين، بحيث لا يضر بتعليمهم.

جاء في إجازة المصحف وكتب الفقه:
من أهم المبادئ التي أوردها ابن سحنون تحت هذا العنوان ما يأتي:
يجوز أن يُستأجر المصحف للقراءة فيه، كما يجوز بيعه؛ لأن ما يباع هو: الحبر والورق.
ويجوز أيضًا إجارة كتب الفقه وبيعها، إذا علم من استأجرها واشتراها.