٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


أخي الطالب،
لقد ربّى القرآن الكريم الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- أحسن تربية، وأرقاها، وأجلّها.
الصحابة هم: أولئك الذين صَحِبُوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونهلوا من معين معارفه، وتخرّجوا في مدرسته، وتأدّبوا بآدابه، وتحققت فيهم كل معاني الخلافة في الأرض؛ لأنهم تربّوا بآداب القرآن وبآداب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قلبًا وروحًا وجسدًا وعقلًا، وخُلُقًا وسلوكًا؛ إذ كانوا يشعرون أن عين الله تراقبهم، وأن سمْع الله إليهم، وأنّ ما يلفظ أحد منهم من قول بل ما ينوي من نية إلا وقد تصبح مكشوفة للناس، يتنزل في شأنها قرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأسلموا صدورهم لله، وقلوبهم لله، وأحبوا الله ورسوله حبًّا لا يدانيه حب، واتصلوا جميعًا بالسماء، ذُكْرَانًا وإناثًا. وكان الواحد منهم إذا حزبه أمر أو واجهته معضلة دعا، ولدعائه تتفتح أبواب السماء، ويتنزل منها حلّ لمعضلته أو فتوى في أمره أو قضاء في شأنه.


روي أن معقل بن يسار زوّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانت عنده ما كانت، ثم طلّقها تطليقة لم يُراجعها، حتى انقضت عدّتها، فَهَوِيَهَا وهويته، ثم خطبها مع الخُطّاب فقال معقل له: "أكرمتُك بها فطلّقتها؛ والله لا ترجع إليك أبدًا!". قال: فعلم الله -سبحانه وتعالى- حاجته إليه، وحاجتَها إلى بعلها، فأنزل الله تعالى: ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ...

٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


... أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [البقرة: الآية ٢٣٢]. فلما سمعها معقل قال: "سمعًا لربي وطاعة"، ثم دعاه فقال: "أزوّجك وأُكرمك"، فزوّجه إيّاها.
أما تربية الله للصحابة فواضحة من خلال القرآن الكريم. كان القرآن يتنزّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليربّي هذا الجيل العظيم -جيل الصحابة-، وليؤهّلهم لحمل رسالة التبليغ، تبليغ الدين للبشرية كلها، ولتعليم الناس في أرجاء المعمورة كيف يعبدون الله -عز وجل- لا يشركون به شيئًا، ليبلغوهم بالدين الحنيف، وليطهّروا الوجود من عبث الشياطين وطغيان الظالمين، وليوفرّوا الأمان للإنسان في كل مكان. ومع إخلاص العبادة يتّصل الإنسان بالسماء، وباتصاله بالسماء ينصلح كل ما على الأرض.
وتحقّقت تربية الله لهم على مدى عشر سنوات هي مدة القرآن المدني، حتى كان أحدهم يُؤمن إيمانًا مطلقًا بأن الله -سبحانه وتعالى- معه يراقبه ويحصي عليه حركاته وسكناته وأنفاسه. وَوَثِق كل منهم أن في مقدوره أن يستتر من الناس، لكن ليس بمقدوره أن يستتر من الله، وكيف يستتر من الله أو يخفي في نفسه أمرًا منه، والله تعالى يقول: ((يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)) [طه: الآية ٧]، ويقول: ((وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ)) [البقرة: الآية ٢٨٤].

٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


لما كان يوم فتح مكة، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلالًا حتى أذّن على ظهر الكعبة، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: "الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم يَرَ هذا اليوم"، وقال الحارث بن هشام: "أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذِّنًا؟". وقال سهيل بن عمرو: "إن يرد الله شيئًا يغيّره". وقال أبو سفيان: "إني لا أقول شيئًا أخاف أن يخبر به رب السماء". فأتى جبريل -عليه السلام- النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقرّوا: فأنزل الله تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات: الآية ١٣]، وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء.
وكان ثابت بن قيس بن شماس يحب أن يجلس إلى جنب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه. فجاء يومًا وقد أخذ الناس مجالسهم، فجعل يتخطى الرقاب ويقول: "تفسّحوا تفسّحوا"، فقال: له رجل: "قد أصبت مجلسًا، فاجلس!". فجلس ثابت مغضبًا، فغمز الرجل فقال: من هذا؟ فقال: أنا فلان، فقال: ثابت ابن فلانة، وذكر أمًّا كانت له يُعَيّر بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه استحياء، فأنزل الله -سبحانه وتعالى-: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ)) [الحجرات: الآية ١١].
وقيل أيضًا: إن قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [الحجرات: الآية ١٣] أنها نزلت في ثابت بن قيس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله. فقال: انظر في وجوه القوم. فنظر فقال: ما رأيتَ يا ثابت. فقال: رأيت أبيض، وأحمر، وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى)).

٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


لقد كان كلام الله بالنسبة لهم المنهاج اليومي الذي يتلقّونه ليعملوا به فورًا، فلا يتخلّف أحد منهم، ولا يتباطأ منهم فرد، بل يسارعون إلى التنفيذ والتلبية.
وكانت المرأة في الجاهلية تمرّ بين الرجال كاشفة صدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأَقْرِطَة أذنها. كانت تفعل ذلك؛ لأن قانون الجماعة لا يحرّمه، وعُرف البيئة لا يمنعه، حتى جاء أمر الله -سبحانه وتعالى-، ونَزَل توجيهه لتربية الأمة الإسلامية، قال تعالى: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) [النور: الآية ٣١].
فامتثل النساء لتوجيه الله وهديه، ولم تمتنع منهن واحدة عن الخضوع لأمر الله، وانقلب رجالهن يتلون عليهنّ ما أنزل الله. فيتلو الرجل على زوجته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابة، فما منهنّ امرأة إلا قامت إلى مِرطها فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتجرات.
وعن أم عمارة الأنصارية: أنها أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "ما أرى كلّ شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يُذْكَرن بشيء؟"، فنزلت هذه الآية: ((إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)) [الأحزاب: الآية ٣٥].


٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "كنت صاحب خمر في الجاهلية، فقلت: لو أَذْهَبُ إلى فلان الخمّار فأشرب". وظلّ عمر يشرب الخمر في الإسلام حتى نزل قول الله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)) [البقرة: الآية ٢١٩].
قال: "اللهم بيّن لنا بيانًا شافيًا في الخمر"، واستمر في الشرب، حتى نزلت: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا)) [النساء: الآية ٤٣]. قال: "اللهم بيّن لنا بيانًا شافيًا في الخمر"، حتى نزلت آية التحريم: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ .وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)) [المائدة: الآية ٩٠، ٩١]. قال عمر: "انتهينا! انتهينا!". وهكذا حرمت الخمر؛ لأن القرآن يهدف إلى تربية جيل يكون دائمًا مرتبطًا بدينه، وثيق الصلة بربه، مراقبًا له في كل خطوة، في كل لحظة، في كل همسة، وكان يستهدف من وراء ذلك إيجاد اليقظة الدائمة، والصحوة المستمرة لهذا الجيل. يقظة مستمرة في عقله، وصحوة دائمة في وجدانه، حتى يستطيع أن يؤدّي تكاليف الخلافة التي كلّفه الله بها، يؤدي تكاليفها تجاه نفسه، ويؤدي ما عليه تجاه الجماعة التي يعيش معها، ويؤدّي ما فرضه عليه ربه من فروض وواجبات، ولن يتمّ ذلك بالكامل، ولن يستقيم وهو دائمًا نصف يقظ، ونصف مخمور.


٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


ولقد استجاب المسلمون لأمر ربهم، ولم يحتج الأمر إلى إصدار قانون أو عدة قوانين، أو صرف ملايين الجنيهات كما فعلت بعض الدول الكبرى في مجتمعنا المعاصر، ولم توفّق إلى تحريم الخمر. لقد استجاب المسلمون لأمر ربهم في تحريم الخمر، واستجابوا له في الامتناع عما نهاهم عنه. وأصاخوا له في تكريم المرأة والرفق بها، والتسليم الكامل في إعطائها حقوقها كاملة. وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، واعتبروا أنّ ما في أيدهم من مال أو عقار هو عارية مردودة، وأن المال مال الله، وأن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده، فكانوا يتسابقون في الإنفاق.
وجاءت آيات كثيرة في القرآن لتشجيع المسلمين على التبرع بالنفقة والصدقة، واشترط القرآن على أولئك المنفقين من أموالهم في سبيل الله: أن يكون ذلك من أحب الأموال إليهم ومن أجودها. ورباهم القرآن على أن المال مال الله، وأن الرزق الذي في أيدي الواحد منهم هو رزق الله، وكان مجرّد إحساس الفرد أن ما في يده عارية محددة بأمد، ثم يستردّها صاحبها الذي أعارها في الأجل المرسوم.
وكان مجرد استحضار هذه الحقائق كفيل وحده، أن يخفّف من الشره والطمع في داخل النفس البشرية، ويبعدها عن الشح والحرص، ويجعلها تترك التكالب المسعور في جمع المال؛ وبالتالي يملؤها بالقناعة والرضا بما يعطيها الله، ويكسبها السماحة والجود بالموجود.
ومن هنا يطمئن القلب فلا يضطرب، ويقرّ الوجدان فلا يقلق، وتستريح النفس فلا تذهب حسرات على فائت، أو ضائع؛ لأن عمر الإنسان القصير محدود ليس نهاية الحياة، ولا نهاية المتاع؛ قال تعالى: ((قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)) [النساء: الآية ٧٧]. ولا يتحرك القلب سعارًا على المرموق المطلوب، قال تعالى: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) [الحديد: الآية الآية ٢٣]. ولا يتعالى صلفًا وغرورًا بما أعطي؛ قال تعالى:...



٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


... ((وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)) [الحديد: الآية ٢٣]، فإذا أعطي الواحد من ماله شيئًا فإنما من مال الله أعطى؛ قال تعالى: ((وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)) [الحديد: الآية ٧]، وإذا قدّم حسنة فإنما هي قرض الله يضاعفها له أضعافًا كثيرة، يضاعفه له في الدنيا، ويضاعفه له في الآخرة قال تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)) [البقرة: الآية ٢٤٥].

تربية الرسول للصحابة
أما تربية الرسول للصحابة:
فنلاحظ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد استوعب أصحابه وهم كثيرون بالتوجيه، والتربية النموذجية في فترة تعتبر قياسية على المستوى العالمي؛ بحيث لا يستطيع جهاز أمة من الأمم في قرون أن يستوعب نفس القدْر من الصحابة، وبنفس المستوى الرفيع. فما هي الميزة التي اختصر بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- الطريق في التربية على هذه الصورة.

يقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي: "لقد أجاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- المنهج الإسلامي في التربية، وهو: أن يحسن المربّي -بكسر الباء- كيف يأخذ المربَّى -بفتح الباء-. هذه القضية قد تكون صعبة وللعقل فيها وقفة، ولكن لياقة المربّي وحسنَ استعداده، واتّساع ثقافته تصبح كلها أدوات تعينه على أن يصل بالمُربَّى إلى الحقيقة التي يريدها من أيسر طريقٍ إلى الفهم، وبأقل وسيلة في الإقناع".


٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


وقد أخرج الإمام أحمد والبيهقي في "الشُّعب" عن أبي أمامة -رضي الله عنه-: ((أن فتًى شابًا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إني امرؤ أحبّ النساء فَائْذَنْ لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه فقال: ادْنُ. فدنا منه قريبًا فقال: اجلس. فجلس. فقال: -صلى الله عليه وسلم-: أتحبّه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: وكذلك الناس لا يحبون لأمهاتهم. أفتحبّه لابنتك؟ قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، أفتحبه لعمّتك؟ قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم، أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهّر قلبه، وحصِّن فرجه)). قال: فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء، وقال: فو الله ما همّت نفسي بمعصية من ذلك النوع إلا ذكرت أن يُفعل بأمي، أو بزوجتي، أو بابنتي، فأمتنع.
إذن فالرسول -صلى الله عليه وسلم- واجه المسألة من أقرب طريق يتصل به وبكرامته، وبعواطفه، وبمكانته، وبمقامه، فإذا ما أراد أن يفعل ذلك تذكّر ما يمكن أن يُفعل به. وبهذا الأسلوب المقنع عالج الرسول -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا من الرّذائل التي تَفَشَّتْ في العرب لا يما القتل؛ إذ انتشرت بينهم جريمة القتل والاعتداء على النفس، وربما تتحوّل إلى وقوع الحروب بين القبائل لأتفه الأسباب، ولم يكن لهم قانون يقضي على هذه الجريمة، ويوقف هذا النزيف الدموي حتى جاء الرسول الكريم، فأوقف هذا النزيف بتربية القرآن لهم؛ حيث يقول الله -سبحانه وتعالى-: ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَق)) [الإسراء: الآية ٣٣].


٢.٣ هدي الصحابة: النموذج الأمثل للتربية الإسلامية


وبتربيته لهم -صلى الله عليه وسلم- إذ بيّن لهم الحقّ الذي تُزهق به النفوس في قوله عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) رواه البخاري ومسلم، وما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه الترمذي بسنده عن عبد الله بن عمرو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لَزوال الدنيا أهْون على الله من قتل رجل مسلم)). وهناك أحاديث كثيرة تبيّن لنا الآداب وفضائل الأعمال التي بثّها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في نفوس الصحابة، وطهّر بها قلوبهم، ومحا ما علق بها من آثار الجاهلية.
هكذا سلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- مسلكًا راقيًا في توجيه صحابته، وهذا المسلك يُعتبر من أعظم المناهج في التربية؛ لأن قَوَامه الرأفة، والرفق، والموعظة الحسنة، استطاع به أن يحوّل كثيرًا من العرب إلى رجال صالحين ونساء صالحات، بصبره عليهم، ورأفته بهم؛ فنقلهم من رعاة إبل غلاظ يُشعلون الحرب لأوهى الأسباب إلى قادة عظماء، وهداةٍ مرشدين.
ومن يقرأ كتب السُّنة يُدرك مدى جهاده -صلى الله عليه وسلم- في تعليم العرب رجالًا ونساء، وصبره عليهم، ولسوف يطلع على أمور في التعليم والتربية من أمتع وأعظم الأساليب في هذا المجال. ثم إنهم من بعده نهضوا بهذه التربية خير نهوض، حين فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، وبرًّا وبحرًا، فكانوا مشاعل هداية أوصلوا نور الإسلام إلى جميع البشرية.