ومن ثَمّ يمكن القول: إذا كان القرآن قد بيّن للناس قواعد الأخلاق الفاضلة، وأصول المعاملات الحسنة على الإجمال، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- فَصّل ما أجمله القرآن، وطبّق كلام الله تطبيقًا عمليًّا. فإذا قرأنا في القرآن مثلًا: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) [الحجرات: الآية ١٠]، وجدنا تفصيلًا رحيبًا في أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقرّب للناس كل معاني الإخوة، ويحبّبها إليهم في أسلوب راقٍ بديع يليق بتفسير كلام رب العالمين. رُوي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تَحَاسدوا، ولا تَفَاحَشوا، ولا تباغضوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يبعْ أحدكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله أخوانًا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات-. بحسب امرئٍ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعِرضه)).
فالحديث يبيّن الخُلق الإسلامي الرفيع لما يجب أن يكون عليه المسلم تجاه أخيه المسلم في كلمات قليلة؛ حيث نبّه فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- على كل أسباب الفُرقة والخلاف والشقاق بين الناس، فنهاهم عنها حتى تحقّق معنى الإخوة الصافي الذي يريده الله من عباده المؤمنين؛ كل هذا في كلمات قليلة. وبالحديث النبوي كما نرى يتضح معنى ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) بشكل جلي؛ لأنه بيّن المجمل في الآية بالتفصيل.
الرسول نعمة أنعم الله بها على المؤمنين وعلى العالمين:
والرسول نعمة من النِّعم التي أنعم الله بها على المؤمنين بعامّة والعرب بخاصّة؛ فقد نشأ فيهم من نسبهم وجنسهم. فهو عربي مثلهم، وكلامه مفهوم لهم. ثم إنه من أشرف قبائل العرب وبطونهم، وهم يعلمون عن يقين: أنه الصادق الأمين، فلهم أن يفخروا أن النبوة ظهرت فيهم على...