١.٣ أهداف التربية الإسلامية


عزيزي الدارس.

أولاً: أهمية البحث في أهداف التربية الإسلامية

البحث في أهداف التربية الإسلامية أمر هام وضروري لأسباب:
الأول: دور الأهداف ومكانتها في العملية التربوية كلها.
والثاني هو: الأزمة التي تعاني منها التربية المعاصرة في ميدان الأهداف، واحتدام الخلافات حولها طبقًا لاختلاف الفلسفات التربوية
والمصالح المادية والغايات العرقية والطبقية.
والثالث هو: عدم وضوح الأهداف في المؤسسات التربوية القائمة في العالم العربي والإسلامي المعاصر.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


وفيما يلي تفصيل هذه الأسباب:

أولًا: دور الأهداف في العملية التربوية:
التربية عملية هادفة مقصودة لا بد من تحديد أهدافها، وإلا سارت بغير وعي ولا إرشاد. وتنقسم الأهداف التربوية إلى قسميْن رئيسيْن:
الأهداف الأغراض، أي: التي تشتمل على الأغراض والمقاصد النهائية، التي يراد من التربية إنجازها وتحقيقها على المستويات الفردية والاجتماعية والعالمية.
والأهداف الوسائل أي: التي تشتمل على الوسائل والأدوات الفعالة لتحقيق الأهداف الأغراض.
ولا غنًى لأي من القسميْن عن الآخر. فالأهداف الأغراض دون وسائل: نوع من الأمنيات البعيدة المنال، والتطلعات المعوقة للإنجاز. والأهداف الوسائل دون أغراض: تنقصها الدوافع المحرّكة والغايات الموجّهة.
فمثلًا: تعليم درس من التاريخ هو: هدف من الأهداف الوسائل التي توصل إلى هدف نهائي من الأهداف الأغراض وهو:
الكشف عن قوانين الله في الاجتماع البشري.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


والاتفاق في التربية الحديثة قائم حول الأهداف الوسائل، ولكنه غير قائم حول الأهداف الأغراض؛ إذ هناك من ينكر الأهداف الأغراض، ويعتبر الحديث عنها معوقًا لعمليات النمو والتقدم، ومعطلًا للكشف والابتكار. بينما هناك من يُصرّ على بلورة الأهداف الأغراض؛ لأن التقدم ليس هو الخير الوحيد، وإنما هو وسيلة لهدف نهائي يتلوه وهو: السعادة أو الرضا. ولكنّ هؤلاء أيضًا لا يلبثون أن يختلفوا حول محتوى السعادة والرضا وحول مكوّنات أي منهما، والحياة التي تعكسها. ثم يبدؤون الدوران في حلقة مفرغة من الجدال والاختلافات الفلسفية، حتى إذا تَعبوا من الجدال والدوران اصطلحوا على وصف الأهداف الأغراض بأنها: أهداف نسبية متغيّرة.
وهذه مشكلة لا توجد في التربية الإسلامية؛ فالأهداف في التربية الإسلامية هي أيضًا حلقات في سلسلة متدرجة من الأهداف الوسائل والأهداف الغايات؛ ولكنه تدرج متناسب، كل هدف يفضي إلى الهدف الذي يليه، ويرتبط به روحًا ومنطقًا، حتى ينتهي التدرج بالأهداف الأغراض.
- ولتوضيح هذا: نأخذ عينة من الأهداف المتولدة من علاقة التسخير، أي: علاقة الإنسان بالكون. هناك بعض الآيات التي تضمّنت نماذج من هذه الأهداف، منها قوله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))[الجاثية: الآية ١٢]، وقوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [النحل: الآية ١٤].


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


فنحن هنا أمام سلسلة متدرّجة متناسقة من أهداف التسخير، وكل حلقة في هذه السلسلة هي وسيلة إلى ما بعدها، حتى تبلغ الحلقة الأخيرة التي تشكل الغاية والمقصد النهائي. فجريان الفلك: هدف لتسخير البحر، وهذا التسخير هو: وسيلة لتحقيق هدف يليه هو: الابتغاء من فضل الله. وهذا الهدف الثاني: وسيلة لتحقيق الهدف النهائي وهو: شكر الناس لله.
ومثله حلقة الأهداف المتضمنة في الآية الثانية: فأكل اللحم الطري واستخراج الحيلة للبس هما: هدفان لتسخير البحر، وهما أيضًا: وسيلة لتحقيق الهدف النهائي وهو: شكر الله.
وهكذا في جميع الأهداف التي تنبثق من مختلف المكوّنات لفلسفة التربية الإسلامية؛ فهي مهما تفرّعت وتعددت فهي تنتهي إلى هدف نهائي واحد هو: شكر الله وعبادته أي: محبته وطاعته. وبسبب هذه الوحدة في الهدف التربوي النهائي، كان وصف محور العقيدة الإسلامية بالتوحيد.
إن المشكلة القائمة في التربية المعاصرة: أنها تقف في أهدافها مثلًا عند جريان الفُلك، وأكل اللحم الطري، واستخراج الحلية، ولا تتعداها إلى أمثال: شكر الله، والإيقان بالله، والحمد لله؛ فهي حقيقتها: وسائل بلا غايات؛ ولذلك تتعدد المقاصد وتتصادم، وتختلف الآراء والفلسفات وتتناقض.
-إن التدرج في الأهداف وانقسامها إلى الأهداف الأغراض والأهداف الوسائل، جعل البعض يفرّق بينهما في الاسم في ميدان الممارسات التربوية، ويطلق على النوع الأول اسم: الأهداف التربوية، بينما يطلق على النوع الثاني اسم: الأهداف التعليمية.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


- فالأهداف التربوية هي: تلك التغييرات التي يراد حصولها في سلوك الإنسان الفرد، وفي ممارسات واتجاهات المجتمع المحلّي أو المجتمعات الإنسانية. فهي تصف الصفات العقلية والنفسية والشخصية التي يتمتّع بها الفرد المثقف تثقيفًا عاليًا، وهي تصف أيضًا الاتجاهات والخصائص الاجتماعية التي يتّصف بها المجتمع الراقي المتحضّر. وهذه الأهداف هي الثمرات النهائية للعملية التربوية كما قلنا.
وأهمية هذه الأهداف: أنها تحدّد مسارات الأنشطة التربوية، وتحدّد الوسائل والأدوات اللازمة للتنفيذ والتقويم. وهي تشتق مباشرة من فلسفة التربية، وتنبثق عنها انبثاق الثمرة من البذرة.

هذا ويجب أن تتصف الأهداف التربوية بما يلي:
أن تكون الأهداف التربوية متّفقة مع الطبيعة الإنسانية، مراعية لحاجاتها، قابلة لإطلاق قدراتها الإبداعية.
أن تحدّد أهداف التربية العلاقة بين الفرد والمجتمع، ثم بينه وبين التراث الاجتماعي من عقائد وقيَم، وعادات وتقاليد، ومشكلات.
أن تلبّي هذه الأهداف حاجات المجتمع الحاضرة، وتعالج مشكلاته.
أن تكون مرِنة قابلة للتغير، حسب ما يتطلبه التطور الجاري والمعارف المتجدّدة.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


أن ترشد الأهداف العاملين في التربية إلى ما يجب أن يعملوه، وأن تساعدهم على تحديد الطُّرق اللازمة في التربية والتعليم، والأدوات
والأدوات اللازمة لقياس نتائج العملية التربوية وتقويمها.
أن توضّح هذه الأهداف نوع المعارف والمهارات، والمواقف والاتجاهات والعادات التي يراد تنميتها في شخصية المتعلم.
أن تكون هذه الأهداف شاملة متكاملة في ضوء العلاقات التي تحدّد نشأة الإنسان ومصيره، وعلاقاتها بالكون والإنسان والحياة من حوله.

السبب الثاني: أزمة التربية الحديثة في ميدان الأهداف التربوية:
تعاني التربية الحديثة من أزمة معيّنة في ميدان الأهداف التربوية وهي: أزمة نابعة من الأصل التربوي الذي يسبق الأهداف في دورة العملية التربوية، أي: أزمة فلسفة التربية. وتتمركز مظاهر أزمة الأهداف التربوية في أمور عديدة، هي: مشكلة ماهية الأهداف الأساسية للتربية، ومشكلة أهداف تربية الفرد، ومشكلة التناقض بين أهداف تربية الفرد والأهداف الاجتماعية الاقتصادية، ومشكلة التناقض بين أهداف تربية الفرد والأهداف المتعلقة بالفضائل الأخلاقية.
ولا يزال الجدال يدور بشدة حول ماهية الأهداف التربوية وتصنيفها، ويتّخذ هذا الجدل مظاهر ثلاثة:
الأول: ما هي الأهداف التربوية التي يجب تحديدها؟



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


والثاني: هل تتصل هذه الأهداف بغايات الحياة الرئيسة، أم يجب الاقتصار على بلورة أهداف سلوكية عملية، تنحصر في موضوع دراسي
محدد، أو موقف تعليمي محدد؟
والثالث: هل هذه الأهداف ضرورية للتربية، أم هي غير ضرورية أصلًا؟

السبب الثالث
والسبب الثالث الذي يجعل البحث في أهداف التربية الإسلامية أمرًا هامًّا هو: أنّ هناك ضرورة مُلحّة إلى بلورة أهداف تربوية محدّدة تتصف بالأصالة والمعاصرة.
فما زالت النظم والمؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية والإسلامية تعاني في هذا المجال من أمريْن اثنين:
- الأمر الأوّل: إن النظم والمؤسسات التربوية التي أنشئت في هذه الأقطار على النمط الأوربي والأمريكي، ما زالت مغتربة ثقافيًّا وتربويًّا في هاتين القارتين. وهي في هذا الاغتراب والتقليد تحتفظ دائمًا بفجوة تربوية واسعة بينها وبين النظم التي تقلدها؛ وهذا أمر كامل في طبيعة التقليد نفسه؛ إذ لا يمكن للمقلِّد أن يلحق بمن يقلّده أو يتساوى معه ماديًّا ونفسيًّا وعقليًّا. ففي الوقت الحاضر مثلًا: تراجع الدوائر التربوية في أمريكا وأوربا تراث أمثال دوي وسكنر وفرويد، مراجعة جذرية شجاعة كما يفعل المراجعون. ولكن المؤسسات التربوية في الأقطار العربية والإسلامية ما زالت تعتمد على الترجمات التي نقلت عن هذا التراث قبل عشرين سنة، أو ثلاثين أو أكثر بكثير.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


ولعل المثال التالي يقدم نموذجًا واضحًا للفجوة التربوية المشار إليها بين كِلا النوعين من المؤسسات: ففي عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين وضع فيليب فينيكس كتابه "فلسفة التربية" متأثرًا بالمثالية القديمة. وفي عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين نشرت ترجمته دار النهضة العربية بالقاهرة، بعد أن قدّمت له بأنه عمل تربوي جديد، يُلبي حاجة الطلبات المتزايدة من الباحثين والدارسين، ويسدّ ثغرة تربوية هامة.
والإحساس بهذه الفجوة المعرفية دفَع بعض الجامعات العربية إلى استعمال اللغة الأجنبية مباشرة في التدريس، رغم ما في ذلك من أخطار ويرتبط الأمر الثاني بالأول ارتباطًا وثيقًا وهو: أن المؤسسات والإدارات التربوية القائمة في الأقطار العربية والإسلامية تلقّن هذه الأهداف التربوية المستوردة تلقينًا يشبه تلقين النصوص المقدسة، ويتجاهل الظروف الاجتماعية والعلمية والمرحلة الحضارية التي صاحبت هذه الأهداف في مواطن نشأتها،. وهي تهمل تحليل الدوافع التي رافقت استيراد هذه الأهداف، والنتائج التي تولّدت عن هذا الاستيراد، ولا تدري شيئًا عن المراجعات الجارية لهذه الأهداف عند أهلها وواضعيها.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


أهداف التربية الإسلامية
قد كَتَبَ الذين ألّفوا عن التعليم في الإسلام من المتقدمين عن أغراض التعليم، ونقل عنهم المحدثون، وتناولوه في كتابتهم عن أغراض أو أهداف التربية الإسلامية. وبعضهم يجمل الكلام عن هذه الأهداف، فيركّزها بالهدف الديني الذي يقوم على تعلّم القرآن، ومعرفة العبادات المفروضة، أو بعبارة أخرى: معرفة الدين علمًا وتطبيقًا. وهذا هدفٌ كبيرٌ يمكن أن يشمل التربية الإسلامية كلها باعتبار الدين الإسلامي دينًا ودولة.
وبعضهم -لا سيما المحدَثون- يفصلون هذه الأهداف إلى: أهداف دينية وعقلية وثقافية ونفسية. وبعضهم يقسّمها إلى: أهداف دينية وعقلية واجتماعية ومادية. وواضح أن هناك اشتراكًا كبيرًا، وشبْه اتفاق على هذه الأهداف، مع اختلاف المعالجة في التركيز أو التفضيل.
ويصبح من الصعب إذن: أن نتقبّل ما يذهب إليه أحد المؤلفين في التربية الإسلامية من المحدَثين عندما يقول: "والرأي عندنا: أنه لا يوجد أغراض للتربية عند العرب تعمّهم على الإطلاق؛ وإنما الصواب: أن نذكر صاحب المذهب، ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب".

إنّ أي تصور لأهداف التربية الإسلامية لا بد وأن يضع في اعتباره: أن مجيء الإسلام يمثّل بداية تربية جديدة للمجتمع العربي، وأنه كان من الطبيعي إذن أن يرسم الإسلام مثلًا أعلى للحياة مغايرًا لما كان عليه حال العرب في الجاهلية أو قبل الإسلام.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


وعلى هذا، يمكن القول: بأن أهم أهداف التربية الإسلامية هو: بلوغ الكمال الإنساني؛ لأن الإسلام نفسه يمثل بلوغ الكمال الديني. فهو خاتم الأديان وأكملها وأنضجها؛ يقول الله -تبارك وتعالى-: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)) [المائدة: الآية ٣]، ويقول -عز وجل-: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)) [آل عمران: الآية ١١٠].
ومن تمام الكمال الإنساني: مكارم الأخلاق؛ وقد جاء الإسلام ليصل بهذا الكمال الإنساني إلى قمّته. وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: ((إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق)).
وهكذا يعتبر بلوغ الكمال الإنساني هدفًا رئيسيًّا للتربية الإسلامية. ومع أن الكمال لله وحده، فإن الإنسان لا بد وأن يتصف بالكمال، باعتباره خليفة الله على الأرض؛ قال تعالى: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) [البقرة: من الآية: ٣٠].
وعلى الإنسان أن يسعى إلى هذا الكمال، وله في هذا السعي لذّة تحفزه دائمًا إلى مزيد من الكمال؛ يقول الغزالي: "إن أشرف مخلوق على الأرض هو: الإنسان؛ وقد كرّمه الله على كثيرٍ من خلْقه. وهذا التشريف والتكريم يدفع الإنسان دائمًا إلى بلوغ مزيد من الكمال".
إن موضوع التربية الإسلامية -شأنها شأن غيرها من أنواع التربية- هو: الإنسان، بكل مقوّماته الجسمية والعقلية والنفسية والوجدانية؛ ذلك أن طبيعة الإنسان من المنظور الإسلامي تتضمّن كل هذه المقومات لتحقيق حياة خُلق من أجلها، ورسالة كُلّف بأدائها؛ ومن ثَم فإن التربية الإسلامية تقوم على أساس: أن الكمال موجود بالقوة في طبيعة الإنسان، بمعنى: أن الإنسان قادر على بلوغ هذا الكمال، إذا ما وَجد من الرعاية...



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


...والعناية والتربية ما يساعده على ذلك. وتصبح الوظيفة الرئيسية للتربية في الإسلام هو: الانتقال بهذا الكمال الموجود بالقوة إلى كمال موجود بالفعل، يكتسبه الإنسان من خلال أساليب التربية والتنشئة التي يتعرّض لها في مراحل حياته المختلفة.
ويقدم لنا القرآن الكريم الهدف الكلّيّ للخلْق والنشاط الذي يملأ حياة الإنسان كما يبدو من قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: الآية ٥٦]. فالإنسان لم يُخلق إلا للعبادة، ونشاطاته التي يُقرّها الإسلام لا تخرج عن نطاق العبادة. وليست العبادة التي خلَق الله الإنسان لها محصورة في العبادات المفروضة فقط، وإلا كانت التربية الإسلامية تربية أخروية، لا تهتم بغير الآخرة والعبادات المتصلة بها.
ولما كانت التربية الإسلامية تربية للدنيا والآخرة، فإن العبادة في الآية الكريمة كما يقول ابن تيمية: "هي: اسم جامع لكل ما يحبّه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبِرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، فكلّ ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو: عبادة".
ويعني ذلك تربويًّا: أن الهدف الكلي للتربية في الإسلام هو: تربية العابد العالم، المؤتمِر بأوامر الله المنتهي عن نواهيه، المرتبط بمبادئ الإسلام في كل سلوكياته. ومن الطبيعي: أن يكون الإنسان العابد عاملًا عالمًا؛ لأن الإنسان خليفة في الأرض، والخلافة تقتضي العمل وتحمّل الأعباء، والعبادة ترقَى بالعلم في الإسلام؛ قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)) [فاطر: الآية: ٢٨].



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


ولا يحظى الإنسان بالثواب على عمله، ولا قبول لعبادته، إلا بصدق النية والإخلاص في العمل وإتقانه، كما ينبئ بذلك الحديث الشريف: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوَى)).
ويتحقق الإتقان في الأعمال أو العبادات التي يحبها الله بالعلم والمهارة والتخصّص: ((إن الله يُحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه))؛ ولذلك كان المسلم مطالبًا بأن يتعلّم، وأن يبحث عن أرقى الأساليب لأداء عمله في حدود قدرته واستطاعته: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [التغابن: الآية ١٦].
ومن ثم، كان تحسين الأعمال وأداؤها بإخلاص أمرًا أساسيًّا في الإسلام يرتبط بالعلم، وكان تعلّم المهارات والصنائع وسُبل التقدم وغيرها من العلوم التي تلزم المسلمين في إقامة مجتمع الإسلام القوي في أرض الله -جل شأنه- واجبًا عينيًّا على المجتمع ككل، وعلى الأفراد الذين منحهم الله مواهب وقدرات يتميزون بها على الآخرين.
وفي إطار هذا الهدف الكلي للتربية الإسلامية، سوف تقدم لنا النصوص الإسلامية أهدافًا فرعية أو جزئية نشير إلى أمها في إجمال:
التربية الإسلامية والنمو الجسمي:
مما لا شك فيه: أن طاعة الله وعبادته، والدعوة إليه، تحتاج إلى جهد وطاقات جسدية؛ ولذلك جاء في الحديث الشريف:




١.٣ أهداف التربية الإسلامية


((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)). وأن الانتحار وقتل النفس، وإلحاق أي أذى بالجسم: من الأمور المحرّمة التي يعاقب عليها الشرع في الدنيا والآخرة. وأن كلًّا من الصلاة و الصيام والحج: فيها تنشيط وتوجيه لبعض طاقات الجسم وأجهزته. وأن تغذية الرضيع وإعالة الطفل وإطعامه وكساءه: من الأمور التي يكلّف بها الأب أو النائب عنه، أو الدولة إن فقد العائل.
ثم إن الإسلام حضَّ على بعض الأمور التي تقوّي الجسم، كالرمي والفروسية. وندَب إلى السباحة. وسمح الرسول للأحباش بممارسة ألعابهم بالحراب، وكان يطل من حجرته ويتفرّج عليها، هو والسيدة عائشة. وصارع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ركانة بطل قومه في ذلك الوقت، فصرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وسابق السيدة عائشة في الجري.
وكان الصحابة عندما يخرجون من صلاة المغرب يتبارون ويتمرّنون على رمي النبال، حتى قال رافع بن خديج: "كنا نصلِّي المغرب مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله". وأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سباقًا للخيل.

وهكذا نرى أن التربية الإسلامية تضم في طياتها: تنمية الجسم، وتربية الجوارح؛ ولكنها بالمقابل توجّه هذه الطاقات نحو خير الإنسان، وخير المجتمع، وتحذر من البطش أو الاعتداء.
- فللتربية الإسلامية وسيلتان لتوجيه الطاقات الجسمية:



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


أولاهما: توجيهها نحو كل ما يرضي الله من إغاثة الملهوف، وإعانة الكَلّ، والجهاد في سبيل الله.
وثانيتهما: تحذيرها مِن كل ما يُغضب الله، مع التلويح بالعقوبة لكل بطش أو أذى، أو اعتداء يقوم به أي إنسان مهما بلغت قوته أو
مكانته.

التربية الإسلامية والنمو العقلي:
العقل هو أهم الطاقات الإنسانية في نظر الإسلام؛ فجميع أركان الإيمان مبنيّة على فهم العقل وقناعته.
لقد خاطب القرآن العقل ليدله على وجود الله، وحضّ الإنسان على التدبر في الكون وفي نفسه ليدلّه على: أن الله وحده الذي يستحق العبادة. ولفت النظر إلى قياس البعث في الآخرة على الخلْق الأول، والنشأة الأولى، ليبرهن بالاستنتاج العقلي على صحة عقيدة البعث والجزاء والجزم بها. وأمَره أن يتفكر في خلْق السموات والأرض، وينظر في آثار الأقوام السالفة.
- وأُنزل القرآن لنعقل معانيه، ونتدبر آياته. وأنكر على الذين لا يستعملون عقولهم في الفهم والتفكير السليم، ووصَفهم بالصم والبكم والعمي؛ لأنهم لم يفكروا فيما نقلته إليهم حواسهم من المرئيات والمسموعات، وأبَوا أن ينطقوا بالحق الذي يمليه عليهم عقلهم لو سمحوا له بالتفكير والتدبر. وهم عمي عن إبصار الحق، أو ما يؤدّي إليه من آيات الله في الآفاق، صمّ عن سماع الحُجج والتفكير في مصيرهم.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


ولو ذهبنا نحصي الآيات التي وردت فيها كلمات: ((تَعْقِلُون))، ((يَعْقِلُون))،" لوجدنا ستًّا وأربعين آية أو موضعًا في القرآن، وأربعة عشر لكلمة ((يَتَفَكَّرُون)) و((تَتَفَكَّرُون))، وثلاثة عشر موضعًا وردت فيه كلمة ((يَفْقَهُون)). وكل هذه الآيات جاءت إما للحض على التفكير، وإمّا لمخاطبة العقلاء دون سواهم من الذين لا يريدون أن يعقلوا أو يتفكروا.
وورد الحض على تدبّر القرآن في أربع مواضع من القرآن، وورد تخصيص أولي الألباب بالموعظة، والحض على التقوى، والاعتبار بقصص القرآن، وبالتذكر والعبرة بالقصص وبالهداية ست عشرة مرة.
- وهكذا نلاحظ: أن التربية الإسلامية في سبيل تحقيق هدفها الأسمى -وهو: الإيمان بالله والخضوع له، وتذكّر عظمته، كلما نظر الإنسان إلى الكون أو إلى نفسه- تدعو العقل إلى ممارسة حقه في البرهان والاقتناع، والتأمل والملاحظة، واستخدام الحجج المنطقية. كما تدعوه إلى استخدام ما سخر الله له في الكون،
ودراسة القوى الكونية، بقصد معرفة سننها للاستفادة منها. أي: إنها تنمي العقل على أفضل أساليب النمو، ولكنها لا تسمح للعقل بالغرور والتكبر عن قبول الحق، والصمم عن سماع الحجة المنطقية في سبيل التشبث بالأهواء والشهوات، أو التحجر والتصلب والاستمرار في الباطل من أجل منصب أو مال أو جاه، أو عزة زائفة يبتغيها من وراء هذا الباطل، كالسيطرة على عقول البسطاء بالشعوذة والتخريف.
- فالتربية الإسلامية تنمّي العقل على التفكير السليم والتواضع والتسليم بالحق والأمانة العلمية، وابتغاء الحق دون الهوى، والانتفاع بما يعلم لا الاكتفاء بالعلم النظري بل لا بد من التطبيق العملي.




١.٣ أهداف التربية الإسلامية


التربية الإسلامية والنمو الاجتماعي:
شمول الهدف الإسلامي للجانب الاجتماعي من جوانب التربية. معنى النمو الاجتماعي:
يقصد بالنمو الاجتماعي أو الجانب الاجتماعي في التربية: عدة معان أهمّها:

نمو المشاعر الاجتماعية، كالشعور بالانتماء، والميل الفطري إلى الجماعة وحب التقليد.
نمو الخبرات الاجتماعية، وما ينتج عنها من أساليب التعايش مع الجماعة، ومعرفة ما تحرّمه الجماعة، وما تستحبه، وما توجبه على أفرادها،
وأساليب السلوك في المجتمع، وآداب الحياة المشتركة.
نمو التصورات الاجتماعية، والأفكار والأهداف المشتركة التي تنعكس في نفوس الأفراد، نتيجة للتربية الاجتماعية التي يتلقّونها، وللمشاركة
في أعياد الأمة، أو عبادتها، أو مظاهر حياتها الاجتماعية، أو جهودها الاقتصادية أو الحربية.

إن تربية الإنسان على إخلاص الخضوع والطاعة والعبادة لله وحده في جميع أمور الحياة سينتهي إلى تنمية المشاعر الاجتماعية بشكلها المزدهر المتفتح الخير. وأوّل ما يقرره علماء الاجتماع: أن المجتمع إنما يتكوّن باجتماع مجموعة من الأفراد واشتراكهم على تصورات وأهداف ومصالح، يفهمونها فهمًا موحّدًا، ويعملون لها جميعًا؛ فيؤلف ذلك بينهم بروابط تربط جميع الأفراد، وتشدّهم بعضًا إلى بعض، وتحبب إليهم العيش المشترك، والتعاون والتكافل فيما بينهم.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


وهذا الهدف الذي عرفناه للتربية الإسلامية من أفضل التصورات المشتركة، وأقدرها على لَمّ شعث الأفراد، وربط قلوبهم وعواطفهم برباط متين لا يتزعزع، ثابت لا يتغير، ما دام الأفراد يتعهدونه بالتزام ما ينتج عنه من سلوك عملي، ومن وعي وتقدير لظروف الحياة.
وللمجتمع في التربية الإسلامية سلطة عظيمة في حماية الشريعة والعقيدة التي تعتنقها الجماعة، وهو لا يتنازل عن هذه السلطة ما دامت مستمدة من الله الذي أوكل إلى الجماعة مهمّة التواصي بالحق، والتناصح والتناهي عن المنكر.
والتربية الإسلامية بهدفها المشترك وهو: إخلاص العبودية لله، توحّد فكرة الانتماء، وتربطها بهذا الهدف الأسمى. فجميع الناس ينتمون إلى أمّة واحدة، هي التي اعتنقت عقيدة التوحيد، واتخذت طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد كان العرب قبل الإسلام لا يعرفون الانتماء إلى أمّة واحدة، حتى جاء القرآن يصرِّح بها: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران: الآية ١١٠]، كما يصرّح بالولاء لله: ((أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُون)) [يونس: الآية ٦٢، ٦٠]، وبأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. ولا يجوز أن يتخذوا لأنفسهم أولياء من دون المؤمنين؛ لأنّ أخوة الإيمان هي التي تربطهم وهكذا وبتربية هذه المعاني في نفوس الناشئ، ترعى التربية الإسلامية تنمية الأواصر الاجتماعية عنده على أساس هدف نبيل، لا عنصرية فيه، ولا ظلم ولا طغيان على الشعوب الأخرى، لمجرد أنها من طينة أخرى. فالانتساب في التربية الإسلامية، إنما يكون للدين وليس للغة أو القومية.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


التربية الإسلامية والمواطنة الصالحة:
معنى المواطن الصالح في التربية الغربية ونقده:
تختلف التربية الإسلامية عن التربيات الأخرى التي جعلت هدف النمو الاجتماعي عندها: تربية المواطن الصالح.
- والمواطن الصالح عندهم هو: الذي رُبِّي تربية اجتماعية تلائم المجتمع الذي نما فيه، وتُحقق مصالح ذلك المجتمع، وأهدافه ومطامعه. فالمواطن الصالح في المجتمع القومي هو الذي يخدم هدف أمّته القومي، ولو أدى به هذا الهدف إلى استعمار الشعوب الضعيفة والفتك بها ونهْب ثرواتها. - والمواطن الصالح في المجتمع الشيوعي هو: الذي يصبح آلة منتجة مسيّرة بيد زعماء الحزب الحاكم، يعظّمهم ويتّخذهم أربابًا من دون الله، أي: مشرعين له، مسيّرين لكل حياته. يعظّمهم من دون الله، ويخشاهم، ويزعم: أن بيدهم حياته أو موته أو رزقه.
فإيجاد المواطن الصالح المساير لمجتمعه في الحق والباطل لا يصلح أن يكون هدفًا للتربية، ولا لتكوين الحياة الاجتماعية السليمة، والتصورات المشتركة للمجتمع المستقيم.
- أما التربية الإسلامية، فإن هدفها: تربية المواطن المؤمن والمجتمع المسلم الذي تتحقق فيه عبودية الله وحده، وتتحقق بتحقيقها كل فضائل الحياة الاجتماعية من: تعاون وتكافل، وتضامن ومحبة. كما أنها تروي الحاجة إلى الأنس بالمجتمع عند الناشئ، والحاجة إلى الانتماء، والميل إلى التقليد، والاعتزاز بالأمة، تروي ذلك كله بدون انحراف أو استهتار أو انقياد أعمى، أو فقدان للمواهب وللذاتيات والمقومات الشخصية.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


أي: إنها تجمع باتزان بين تربية الذاتية الفردية، وتربية النزعة الاجتماعية، من غير أن تطغى إحداهما على الأخرى، أو تنحرف أي منهما عن الأخرى، وعن طاعة الله وتحقيق شريعته، وعن جادة الصواب والاستقامة في الحياة.

التربية الإسلامية وهدف كسب الرزق:
كثير من الشباب يتعلمون ويدخلون الجامعات في سبيل إيجاد عمل، أو منصب اجتماعي يؤمِّن لهم الرزق. إن هذا الهدف مشروع، ولكن قصْر التربية عليه يُضيِّق من آفاقها، ويَحرم الإنسان من الرقي الخُلقي والفكري والحضاري. وقد يصبح عبدًا لشهواته، همّه: جمع المال والترف والرفاهية؛ لذلك لاحظنا أن التربية الإسلامية قد وجّهت هذا الهدف، ولم تَقم بكبت هذه الغريزة غريزة جمع المال وحب الرفاهية، وحس البقاء.
فقد جعل الإسلام كسب المال من عبادة الله والتقرب إليه، إذا قصد به الإنسان الإنفاق على أهله أو على نفسه، أو على أرملة أو مسكين، أو قصَد إخراج زكاة المال، أو غرس غرسة فأكل منها طير أو إنسان.
فعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها، كانت له صدقة)). وعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار)). وعن أنس بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما من مسلم يغرس غرسًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلاّ كان له به صدقة)).


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


وهكذا نرى: أنّ هدف التربية الإسلامية -وهو: إخلاص العبودية لله- قد أحاط بالعملية التربوية من كل جوانبها: الفكرية، والجسمية، والاجتماعية، والفردية، والروحية.
- وقد تميّز هدف التربية الإسلامية لذلك؛ لأنه هدف رباني، والهدف الرباني لا يأتي إلا:
كاملًا يستمد كماله من الكمال الإلهي؛ فهو في كل المجالات يبعدنا عن النقائص، ويوجّهنا نحو الفضائل، وخير الإنسانية أفرادًا
ومجتمعات.
شاملًا يكتنف الحياة من جميع جوانبها، والنفس الإنسانية من كل نواحيها.
عامًّا لكل الناس، وهو إنساني وليس خاصًّا بمصالح أمّة معيّنة أو قوم بخصوصهم.
صالحًا للبقاء والخلود على مر الزمن، وهو يستمد خلوده من أنه جاء من عند الله.
موافقًا للفطرة الإنسانية، وفطرة الإنسان لا تتغير على مر الزمن، من حيث هو فرد، ومن حيث هو عضو في جماعة، ومن حيث هو بشر من دم ولحم، وله نوازعه وشهواته ودوافعه الغريزية، ومن حيث هو إنسان له عقله وإرادته وقدرته على الخير والشر. فهدف التربية الإسلامية يربّي كل هذه النوزاع والدوافع والفطرة، ويوجّهها كلها نحو مثلها الأعلى، نحو: عبادة الله الذي خَلق الإنسان وإليه مرجعه ومآله.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


وهو هدفٌ خصبٌ تتولد عنه الثمرات الطيبة. وليس عقيمًا؛ لأنه لا يجافي الفطرة، ولا يصدّ طاقات الإنسان؛ بل يحرّضها على الإنتاج الخير،
ويدفعها إليه دفعًا، ويستوفي منها كل خير تستطيع تقديمه للفرد والجماعة والإنسانية.
وهو هدفٌ واضحٌ يفهمه ويعقله جميع البشر؛ لأنه مناسب للفطرة النفسية والعقلية، يعتمد على الإحساس والوعي، يقبله المربِّي والطالب
جميعًا.
وهو هدف يؤدي إلى التوازن والتوافق، وعدم التعارض بين جوانب الحياة والنفس؛ بل يوفّق بينها جميعًا، في غاية واحدة مثمرة ذات فروع
تضم هذه الجوانب كلها.
وهو هدفٌ واقعيٌّ ميسّر التطبيق، يؤثر في سلوك جميع الناس بمختلف ثقافاتهم وأعمارهم.
وهو هدف مرن يستطيع مسايرة الظروف والأحوال على اختلافها. كما أنه يساير الإنسان في مختلف العصور والأقطار، مهما تعددت سُبل
عيشه، وأساليب حياته من تجارة وزراعة وصناعة.
وهذه أهم شروط الهدف التربوي قد استوفتها غاية التربية الإسلامية، فكانت نواة لخصائص هذه التربية ومميزاتها، امتازت بها على التربيات الأخرى.



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


التربية الإسلامية تطبيق للإسلام عقيدة وشريعة
التربية الإسلامية فريضة إسلامية:
الإسلام شريعة الله للبشر، أنزلها لهم ليحققوا عبادته في الأرض. وإن العمل بهذه الشريعة ليقتضي تطوير الإنسان وتهذيبه، حتى يصلح لحمْل هذه الأمانة وتحقيق هذه الخلافة. وهذا التطوير والتهذيب هو: التربية الإسلامية: ((إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)) [الأحزاب: الآية٧٢].
فلا تحقيق لشريعة الإسلام إلا بتربية النفس والجيل والمجتمع على الإيمان بالله ومراقبته، والخضوع له وحده؛ ومن هنا كانت التربية الإسلامية فريضة في أعناق جميع الآباء والمعلّمين، وأمانة يحملها الجيل للجيل الذي بَعده، ويؤدّيها المربّون للناشئين. وكان الويل لمن يخون هذه الأمانة، أو ينحرف بها عن هدفها، أو يسيء تفسيرها أو يغيّر محتواها.
إنها تربية الإنسان على: أن يُحكِّم شريعة الله في جميع أعماله وتصرّفاته، ثم لا يجد حرجًا فيما حكَم الله ورسوله، بل ينقاد مطيعًا لأمر الله ورسوله؛ قال تعالى: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا))...
...[النساء: الآية٦٥]. فالإنسان معرّض للشر والخسران، لا ينقذه منهما إلا الإيمان بالله واليوم الآخِر، والعمل الصالح والتعاون، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، على إحقاق الحق ومحاربة الباطل؛ قال الله تعالى: ((وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر)) [العصر: الآيات ١ - ٣].


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


- وفي هذه السورة إشارة إلى: أنّ خلاص الإنسان من الخسران والعذاب لا يتمّ إلا بثلاثة ضروب من التربية:
تربية الفرد على الإيمان بالله، والاستسلام لشريعته، والإيمان بالغيب.
تربية النفس على الأعمال الصالحة، وعلى منهج الحياة الإسلامية في الحياة اليومية، والمواسم السنوية، والتصرفات المالية، وجميع شئون
الدنيا.
تربية المجتمع على التواصي بالحق للعمل به، والتواصي بالصبر على الشدائد، وعلى عبادة الله، وعلى التزام الحق.

التربية الإسلامية قضية إنسانية، وضرورة مصيرية:
إنّ المصائب التي تنزل بالمجتمع الإنساني عامة، والكوارث التي تصيب المجتمعات الإسلامية، وظلْم الإنسان للإنسان، واحتكار الدول القوية لخيرات الأمم الضعيفة، كلّ ذلك نتيجة لسوء تربية الإنسان، والانحراف به عن ابتغاء كماله، وعن فطرته وطبيعته الإنسانية.
ولما كان الإسلام هو المنهج الرباني المتكامل المُواتي لفطرة الإنسان، والذي أنزله الله لصياغة الشخصية الإنسانية صياغة متّزنة متكاملة، وليجعل منها خير نموذج على الأرض يحقق العدالة الإلهية في المجتمع الإنساني، ويستخدم ما سخّر الله له من قوى الطبيعة استخدامًا نيِّرًا متزنًا، لا شطط فيه ولا غرور، ولا أثرة ولا استئثار، ولا ذل ولا خضوع.


١.٣ أهداف التربية الإسلامية


ولمّا كنا قد رأينا كيف أخفقت الجهود التربوية والمدارس التربوية الحديثة والفلسفات التربوية الغربية، في إنقاذ الطفولة والإنسانية من ظلم القرون الأوروبية الوسطى وظلامها في أوربا، بل نقلها من الظلم والظلام إلى الدمار والضياع، وإلى الميوعة والاضمحلال، فكانت البشرية في ذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار.

التطبيق هو: غاية العلم والمعرفة:

ينعَى القرآن على فئة من المؤمنين يقولون ما لا يفعلون، ويصف هذا السلوك بأنه ممقوت عند الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ)) [الصف: الآيتان ٢، ٣].
إن منهج التربية الرشيد لا توجد فيه تلك الفجوة المعهودة بين العلم والعمل، أو بين المثال والواقع، أو بين النظرية والتطبيق؛ فلا بد أن تكون المناهج نظرية وعملية معًا، وأن ترتبط مناهج الرجال بالورش والمصانع والمزارع، وأن ترتبط مناهج البنات بإدارة البيوت ومدارس البنات ورياض الأطفال، ومستشفيات أمراض النساء. وبذلك يتعلم الجميع حيث يعملون، ويعملون حيث يتعلّمون.

إن العلم في منهج التربية هو: معرفة قوانين الله في الكون، وتطبيقاتها في عمارة الأرض؛ فالعلم الصحيح إذن هو الذي يؤدّي إلى معرفة الله، وهذا العلم فريضة مقدّسة: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)).



١.٣ أهداف التربية الإسلامية


وبذل الجهد في طلب العلم جهاد -أي: عبادة-: ((مَنْ سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سهّل الله له طريقًا إلى الجَنّة)). إن التربية الإسلامية تُعتبر منهجًا فريدًا شاملًا متكاملًا لتربية الإنسان كله: جسمه وعقله ووجدانه، تربية شاملة متكاملة، تربية الإنسان القوي القادر على الإسهام في عمارة الحياة وترقيتها، الإنسان التواق إلى العدل، المناضل من أجل الظفر بالحرية، الذي تحرّكه الأشواق إلى الخير والحق والجمال، الإنسان الذي يعمر قلبه الإيمان، وحب الآخرين والرغبة في إسعادهم، الإنسان الذي يتحدى الخطر والفقر، ويقتحم المجهول في جسارة، مستعينًا بالله ليصوغ لنفسه وللناس عالمًا أفضل. إن ذلك المنهج الذي يربي الإنسان الموصول القلب دائمًا بالله، الذي يربط بين الدنيا والآخرة كما يربط بين ملكوت الأرض بملكوت السماء، ذلك المنهج هو هويّتنا التربوية؛ لأنه وسيلتنا إلى تحقيق هويّتنا الكلية، وهي أن نكون مسلمين حقًّا.