١.٢ سمات التربية الإسلامية


عزيزي الطالب، بعد أن أوضحنا مفهوم "التربية" لغة واصطلاحًا، وبعض المفاهيم المتعلّقة بها كـ"التعليم" و"التعلّم"، وعرفنا مفهوم "التربية الإسلامية"، ننتقل إلى سمات التربية الإسلامية.
للتربية الإسلامية سمات أساسية، منها:

التربية الإسلامية: ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر.
التربية الإسلامية: ثابتة أصولها، مرنة تطبيقاتها.
التربية الإسلامية: تستهدف الحياتين الدنيا والآخرة في توازن واعتدال.
التربية الإسلامية: تحث المسلم على العمل بقدر طاقته.

وفيما يلي نتناول كل عنصر مما سبق بشيء من التفصيل:



١.٢ سمات التربية الإسلامية


أولًا: التربية الإسلامية ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر:

الإسلام هو الدين الحق
الحقيقة الأولى التي بيّنها كتاب الله: أن الإسلام هو الدين الحق، وأنه من عند الله -سبحانه وتعالى-، وأن رسوله لا يبتدع ولا يضيف ولا ...


ينقص عن هواه أو نزعة ذاتية، ولكنه مُبلِّغ لمنهج الله، وموضِّح لحدوده، مبيِّن لمقتضيات ربوبيته وإنفاذ منهجه، في كل الأزمان والأجناس، والأقوام والديار، وفي شتى الأمور والأحوال.
قال تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)) [آل عمران: الآية ١٩]، وقال تعالى: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)) [الأنعام: الآية ١٢٥]، وقال تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: الآية ٨٥].
ويرتكز في بلاغه على حقائق هي في واقعها مسلَّمات لهذا الدين:
- أوّلها: التوحيد:

فالله في الإسلام واحد لا شريك له، متفرّد في كل شيء، لم يَلد ولم يولد، وليس كمثله شيء. هو وحده الخالق البارئ المصوِّر، وهو الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، المنفرد بالألوهية في كل زمان وفي كل مكان في هذا الكون؛ قال تعالى: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) [الإخلاص: الآيات ١ - ٣].


١.٢ سمات التربية الإسلامية


فتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات: من المقوّمات الأساسية لهذا الدِّين. والأدلة في القرآن الكريم على هذا كثيرة، نذكر منها قوله تعالى: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّه))[المؤمنون: الآيات ٨٤، ٨٥].
ومجمّل القول: أنّ التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هناك ألوهية وعبودية: ألوهيّة يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كلّ من عداه، وكل ما عداه. كما يتفرد الله سبحانه بالألوهية، كذلك يتفرد تبعًا لهذا بكل خصائص الألوهية.

وكما يشترك كلّ حي وكل شيء بعد ذلك في العبودية، كذلك يتجرّد كل حيّ وكل شيء من خصائص الألوهية.
فهناك إذن وجودان متميّزان: وجود الله، ووجود ما عداه من عبيد الله. والعلاقة بين الوجودين هي: علاقة الخالق بالمخلوق، والإله بالعبيد.


شمول الرسالة للناس جميعًا
- والحقيقة الثانية التي تتّصل بالربوبية في الإسلام: شمول الرسالة للناس جميعًا.
- ومحمد -صلى الله عليه وسلم- نبي الإسلام لم يُرسل لقوم دون قوم؛ بل أُرسل للناس كافة، دون تمييزٍ لأحدٍ بسبب جنسٍ أو لونٍ أو مركز اجتماعي، أو غير ذلك من عوامل التمايز بين الناس.
فالرسالة عالمية موجَّهة للعالمين أجمعين، وليست خاصة بقوم دون آخرين؛ وهذا من بين ما يميّزها عند رسالات سائر الأنبياء.



١.٢ سمات التربية الإسلامية


فكل رسول أُرسل إلى قومه، إلا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فقد أرسل إلى كافة البشر؛ قال تعالى: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)) [الأعراف: الآية ١٥٨]، وقال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: الآية ١٠٧].
وتتضّح خاصّة العالميّة وخواصّ أخرى تتفرد بها رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ((أُعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهن أحدٌ قبلي: نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلّت لي الغنائم ولم تَحلّ لأحد من قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يُبعث لقومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة)).
- ومن جوانب شمول رسالة الإسلام: أنها تشمل الإنسان الفرد كله في خلْقه وإخراجه إلى الوجود، وفي عقيدته وعبادته ومعاملاته، وفي سرّه وعلنه، وفي نفسه وأسرته ومجتمعه، وفي نومه ويقظته، في حياته وموته، باختصار: في جميع مناشط الإنسان حيثما تكون ووقتما تكون. فالله ...
...محيط بها يهدي من يشاء، ويحاسب كلًّا على عمله ويعفو عمن يريد؛ قال تعالى: ((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الأنعام: الآية ١٦٢].
- ومن أهم صور الشمول في الإسلام: ردّ الكون من حيث نشأته، وتسييره وتفاعلاته وتغيّراته وعدمه، إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية المطلقة. فالله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون ابتداء، وهو الذي يحفظ ما هو محفوظ فيه، وهو الذي يغير ما هو متغير فيه. وكل حركة أو سكون فيه لا تكون إلا بأمره؛ فهو القاهر فوق عباده، ويعلم كوامنه وأسراره ويكشف ما يشاء منها لعباده.


١.٢ سمات التربية الإسلامية


إن الكون مليء بدلائل قدرة خالقه، وفي القرآن دلالات كثيرة لشمول سيطرة الله على هذا الكون، سيطرة شاملة كاملة؛ قال تعالى: ((إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)) [النحل: الآية ٤٠]، وقال تعالى: ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)) [القمر: الآية ٤٩]، وقال تعالى: ((سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [مريم: الآية ٣٥].
- وجوهر تصور خاصّة العالمية والشمول وارتباطها بالربانية إنما يمكن تلخيصه في: أنّ أمر الكون والحياة والإنسان والأحياء والأشياء يرجع إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأبدية المطلقة القادرة دائمًا، الملهمة للصواب أبدًا؛ وتكون عقيدة التوحيد هي البوتقة التي ينصهر فيها كل هذا.

ثانيًا: ثابتة أصولها، مرِنة تطبيقاتها:

هناك أصول ثابتة في الإسلام لا مجال للتغيير فيها؛ لأنها تشكِّل البنية الأساسية والقواعد الراسخة للدين الحنيف، ومبلغ سعي المسلم بالنسبة لهذه الأصول: أن يتفهّمها ويستوعبها ويطبّقها.
- ومن خصائص هذه الأصول الثابتة: أنها توافق الفطرة التي فطر الناس عليها؛ لذلك فإنها الأساس السليم للمنهج الذي يهدي الناس كافة في حياتهم الدنيا إلى حياتهم الآخرة.


١.٢ سمات التربية الإسلامية


وقد حدّد سبحانه هذا المنهج تحديدًا وافيًا؛ لأنه -لسابق علمه بخلقه- يعلم أنّ الإنسان لا يقدر على إيجاد منهج شامل ثابت كامل لحياته؛ وقد قال تعالى عن موافقة هذا المنهج للفطرة: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [الروم: الآية ٣٠]، وقال تعالى عن شموله: ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام: من الآية: ٣٨]، وقال تعالى عن إحاطته بالتفاصيل: ((وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)) [الإسراء: من الآية: ١٢]، وقال تعالى عن ثباته: ((فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)) [فاطر: الآية ٤٣]. - وتوجيهًا لاتّباع هذا المنهج كما هو، وتحذيرًا من الحيود عنه، قال تعالى: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)) [الأنعام: الآية ١٥٣]. وقيمة الثبات هي: وجود الميزان الثابت الذي يرجع إليه الإنسان بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصرفات، وبكل ما يَجِدُّ في حياته من ملابسات وظروف وارتباطات؛ فيزنها بهذا الميزان الثابت ليرى قربها أو مرادها من الحق والصواب؛ ومن ثَم يظل دائمًا في الدائرة المأمونة لا يشرد إلى التيه الذي لا دليل فيه من نجم ثابت، ولا من معالم هادية في الطُّرق.
- ولكن هذه الأصول لا تعيق حركة الحياة ونموّها، ولا تقيّد انطلاقها واستجابتها لمتغيّرات الزمان والمكان والبيئة والمعرفة، وشتّى المتغيرات التي تطرأ على الإنسان والحياة والكون؛ وذلك لأنّ الثوابت تتعلق بالكليات والمضامين الأساسية، وتترك للإنسان درجات من الحرية في التطبيق كافية لمواجهة المتغيّرات في شئون حياته داخل أصول الثوابت.


١.٢ سمات التربية الإسلامية


وإنه لمن إعجاز منهج الله: أنّ هذه الأصول الثابتة لا تتعارض مع حركة الحياة، بل تهديها إلى الصراط المستقيم، وتجعل منها مصدر خير وسعادة للبشرية جمعاء في كل الأزمنة، وفي شتى بقاع الأرض، وفي مختلف مسافات سعي الإنسان في حياته.
- ومن إعجاز هذا المنهج أيضًا: أنه شامل لكل شيء، ومتكامل في ذاته في نسيج عجيب، كل عروة فيه تكمل الأخرى في تجانس رائع يليق بجلال صاحب الصنعة -سبحانه وتعالى-. ومن ثَمّ لا يقبل زيادة أو نقصانًا، ومع ذلك فإن الأصول الثابتة هي ذاتها حافز ومنطلق لحركة الحياة بكل أبعادها نتيجة لمرونة تطبيقاتها.
والتربية الإسلامية تستمدّ مقوماتها من هذا الدين، فتتخذ من منهجه في الثوابت والمتغيرات أساسًا لها، وتعمل على تبيان الثوابت وترسيخها وتجذيرها في وجدان الفرد. كما تعمل على تجلية طبيعة هذه الثوابت من حيث إقدارها للفرد على مواجهة مواقف الحياة المتغيّرة، كما تعمل على تبيان المرونة المتوافرة في التطبيق لبعض هذه الأصول في داخل إطارها، ومع المحافظة التامة على جوهرها، وتوظيف هذه المرونة في مواجهة المتغيرات في الحياة، وأن هذه المرونة هي من دلائل قوة هذا المنهج في مواجهة المستحدثات في الكون.
- وفيما يلي نعطي أمثلة أخرى لبعض الأصول الثابتة التي تفسح مجالًا للمرونة في تطبيقاتها، منها:
حقيقة أن أركان الإسلام بعد الشهادتين هي: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)).


١.٢ سمات التربية الإسلامية


تتضح المرونة في إقام الصلاة: أنها لا تؤدِّى على هيئة واحدة؛ فيجوز للمسافر أكثر من مسافة معيّنة القصر والجمع فيها. ويجوز لغير القادر على تأديتها قائمًا: أن يؤدّيها قاعدًا، أو مستلقيًا في فراشه. ومن جوانب المرونة أيضًا: السجود عند السهو عن واجب، أو الشك في زيادة أو نقصان.
وتتجلى المرونة في تأدية هذا الركن: بفتح الباب فيه على مصراعيه بالنوافل، للقادرين والمجتهدين.
كما تتضح المرونة في إيتاء الزكاة: بجواز تأجيلها عن موعدها انتظارًا لحضور من هو أحق بها، وفتح الباب أمام من يريد أن يزيد على الحد المقرر منها.
وتتضح المرونة في الصيام: جواز تأجيله عند المرض أو السفر أو الحيض، وجواز التعويض عند عدم القدرة عليه يقينًا بإطعام مساكين، وباب الاستزادة منه للمجتهدين القادرين مفتوح بالنوافل.
وتتضح المرونة في حج البيت الحرام: بأنه مشروط بالاستطاعة، وتأجيله ما دام حال عدم الاستطاعة قائمًا يقينًا حتى لو حال ذلك العذر دون تأدية هذه الفريضة، وتسقط بتأدية الحج مرة واحدة، ومع ذلك فتأديته مفتوحة بالنوافل لمن يريد أن يزيد.

- والشورى والعدل والإحسان حقائق ثابتة في منهج الله؛ قال تعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) [الشورى: الآية ٣٨]، وقال تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران: الآية ١٥٩]، وقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)) [النحل: الآية ٩٠]، وقال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: الآية ٥٨].


١.٢ سمات التربية الإسلامية


أما كيفية هذا كله فقد تركت للاختيار مع الالتزام بالإطار العام للمنهج. فصورة تطبيق الشورى مثلًا يمكن أن تتم بأكثر من طريقة؛ إذ يمكن أن تكون الشورى لأهل الحل والعقد، ويمكن أن تكون الشورى لذوي الاختصاص في موضوع المشورة، ويمكن أن يختار من يستشار بواسطة الجماهير؛ فالتطبيق يختلف حسب مقتضيات الحال.
- ومن الأصول الثابتة في الإسلام: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [آل عمران: الآية ١٠٤]. ولكن تنفيذ هذا يمكن أن يتم بمختلف الطرق والأساليب. فيمكن أن تتم الدعوة بواسطة الدعاة المتخصصين المعادلين لها خاصة، ويمكن أن تتم بواسطة المهنيّين كالأطباء والمهندسين والمدرسين. ويمكن أن تتم بالقدوة والمثل. كما تختلف أدوات الدعوة وطرائقها مع معطيات العصر.

ثالثًا: تُعِدّ التربية الإسلامية الإنسان للحياتين الدنيا والآخرة في توازن واعتدال

من أهمّ سمات التربية الإنسانية: أنها تشمل كلًا من الحياتين الدنيا والآخرة، وأنها تُعِدّ الإنسان للحياتين معًا. فهي تربي الإنسان ليعمل في دنياه كأنه يعيش أبدًا، فيكدّ ويكابد ويُحسن العمل فيها، ويحقق أهدافها، ويستمتع فيها بما سمح الله من متاع، ويأخذ منها ما أحل الله فيها من طيبات، ويعطي فيها ما أوجب الله عليه من عطاء.


١.٢ سمات التربية الإسلامية


باختصار، فإن التربية الإسلامية تهيئ الإنسان لحمل الأمانة التي حمّله الله إياها في حياته الدنيا؛ فيحلّ لنفسه ما أحل الله، ويحرّم على نفسه ما حرّم الله، ويأخذ نفسه فيها بمنهج الله -تبارك وتعالى- متاعًا وامتناعًا.
- ومن حدود منهج الله للإنسان في الحياة الدنيا: قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) [المائدة: الآية ٨٧]، وقوله: ((فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) [النحل: الآية ١١٤]، وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) [البقرة: الآية ١٧٢]، وقوله تعالى: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد)) [الأعراف: الآية ٣١].
- ولكن الحق -تبارك وتعالى- يُحذّر المسلمين من الاستغراق في متاع الدنيا، ويحثّهم على الاعتدال والتوازن في الأخذ من متاعها، والاعتدال والتوازن في الإعراض عنها أيضًا؛ بل يأخذ منها ويعرض عنها وفْق المنهج الذي أنزله الله، حتى لا تستقطبه ملذات الحياة الدنيا فيغرق نفسه فيها، وحتى لا يهملها ويترك ما فيها من متاع مباح فيفوته فيها ما أحب الله له أن يتبوّأ من فضله. ولكي لا يضل الإنسان الطريق، أنزل إليه الهدى في كتابه ليترسّم خطاه؛ قال تعالى: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) [الأعراف: الآية ٣١]، وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)) [الفرقان: الآية ٦٧]، وقال تعالى: ((وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)) [الإسراء: الآية ٢٩].



١.٢ سمات التربية الإسلامية


- ومع حرص منهج الإسلام على أن يتمتع الإنسان بالحياة الدنيا وفق المنهج الرباني، فإن المنهج ذاته يبيِّن: أن هذه الدنيا بما فيها من متاع تكون الحياة فيها موقوتة، وأنها مَعْبر للحياة الآخرة التي هي دار القرار؛ ومن ثَم لا ينبغي أن تشغل الحياة الدنيا الإنسان عن حياته الآخرة إلا أن يكون ظالمًا لنفسه باغيًا ومتخطيًا لحدود المنهج القويم؛ قال تعالى: ((وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)) [آل عمران: الآية ١٨٥]، وقال تعالى: ((يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)) [غافر: الآية ٣٩].
- وإن لوجود الحياة الآخرة بين خصائص التربية الإسلامية معطيات تربوية أساسية في سلوك الفرد في الحياة الدنيا؛ منها:
- ضرورة إيمان الفرد بالحساب الذي بناء عليه يتقرر نوع حياته الآخرة.
- ومنها: استشعار الفرد لمراقبة الله -تبارك وتعالى- له في أقواله وأفعاله، مراقبة محيطة شاملة دائمة دقيقة، لا تخفى عنها خافية؛ فقد بيّن الحق-تبارك وتعالى- هذا في قوله: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى)) [النجم: الآيات ٣٩ - ٤١]، وقوله تعالى: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)) [المدثر: الآية ٣٨].

وعن ابن مسعود قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟)).
- وهكذا تتكامل الحياة في الدارين؛ فالعمل في الأولى يحدّد نوع الحياة في الأخرى. والحياة في الثانية تجعل من الإنسان رقيبًا على نفسه، حسيبًا لأعماله في الأولى، ومع أن الحياة الآخرة نعيم مقيم للطائعين، وأنها محط البشر جميعًا، وأن الحياة الدنيا معبر إليها.


١.٢ سمات التربية الإسلامية


ومع أن العمل الصالح في الدنيا أساس النعيم في الآخرة، إلا أن التوازن والاعتدال في العمل لكل من الحياتين مطلب أساسي في التربية الإسلامية، نستبين هذا من قوله تعالى: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) [القصص: الآية ٧٧]، ومن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه؛ فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)).

رابعًا: حث المسلم على العمل بقدر طاقته

وتصل قيمة العمل في الإسلام مداها حين يوجّه الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم- المسلم ألاّ يكفّ عن أداء العمل حتى ولو قامت القيامة؛ وذلك في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألاّ يقوم حتى يغرسها فلْيغرسها، فله بذلك أجر)).
ولقد كانت حياة محمد -عليه الصلاة والسلام- مدرسة في العمل الجاد المتواصل؛ فقد عمل في التجارة ورعي الغنم. وكان يخصف نعله بنفسه. وكان يشارك أصحابه فيما يقومون به من أعمال. وفي غزوة الخندق -على سبيل المثال:- كان يضرب بفأسه مشاركًا في حفر خندق يَحمي جيش المسلمين والمدينة من الجيوش الغازية.


١.٢ سمات التربية الإسلامية


- والقصص القرآني يضرب الأمثال الكثيرة لعمل الأنبياء والرسل: فهذا نوح -عليه السلام- يعمل في بناء السفن التي ركبها هو ومن معه من المؤمنين. وهذا موسى يعمل أجيرًا لدى شعيب -عليهما السلام-. وهذا داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده. وهذا يوسف كان يعمل لدى فرعون.
- ممّا سبق يتّضح لنا -نحن المسلمين- مدى عناية الدين الحنيف بالعمل الصالح. كما يتّضح لنا: أن العمل من أساس الحياة، وفق منهج الدين الإسلامي؛ ففي كتاب الله الكريم نجد الأنبياء والرسل قد ضربوا الأمثال في العمل بأنفسهم حتى يكونوا لنا قدوة، ويبيّن القرآن لنا: أن العمل أساس الحياة، وأنّ الإحسان فيه طريق للمثوبة والأجر.
- وعلى وجه العموم، فإن العمل وارتفاع مستوى الإنتاج فيه: من العوامل الفارقة بين الأمم. فالأمم المتقدمة تهيئ الفرص لأبنائها للعمل والإنتاج والإحسان فيه وفي تطبيقه، فتُعِدّهم الإعداد اللازم لذلك. فتزوّدهم بالخبرات المناسبة لمجال العمل الذي سوف يمارسونه، وتتابع تأهيلهم بالتدريب المستمر؛ ومن لم يسر على هذا الدرب من الأمم تخلّف وصار من القاعدين.
وفي العالم المعاصر لم تَعُد الخبرات المؤهّلة اليوم لعمل ما مؤهّلة له بالضرورة في الغد القريب أو البعيد؛ فالمستحدثات العلمية والتقنية تغشى مختلف مجالات الأعمال. ولما كان التقدم فيها يتسارع تسارعًا غير مسبوق، فإن مواكبة التنمية البشرية المتكاملة لهذا التسارع أضحت أمرًا لا غنًى عنه لإنهاض المجتمعات، والسير بها نحو التقدم المنشود. وهذا يوضّح ضرورة التلازم بين العلم والعمل، من حيث كونهما ركيزتيْن للانطلاق والتقدم. هذا التلازم قرّره الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا خلَت، فاشترط: أن يكون العمل مسبوقًا بالنية الخالصة لله، وأن تكون النية مسبوقة بالعلم.




١.٢ سمات التربية الإسلامية


- فمن الأمور المسلم بها ألاّ يقدم الإنسان على عمل ما لم يكن لديه معلومات عن هذا العمل، تكون اقتناعًا عنده بضرورته وأهميته، فيجد لديه دافعًا ذاتيًّا لإنجازه على أفضل وجه مستطاع. ويتضح فضل العلم وسبْقه على القول والعمل، في الخطاب الموجّه للرسول الكريم في قوله تعالى: ((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)) [محمد: الآية ١٩].

خامساً: أهمية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع المحلي والعالمي

وقد كتب "ماسلو" وهو أحد علماء النفس، في بحثه: "الثورة غير المرئية": "إن التربية المعاصرة قد فشلت في تحقيق الذات لدى الدارسين. وإن هذا الفشل أكثر مما يبدو في الجامعات المشهورة". ثم خلص إلى القول: إنه سيتردد في إرسال أبنائه إلى الجامعات التي توصف بأنها ممتازة، كتردّده في إرسالهم إلى بيت دعارة".
ثم يضيف: "إن الناشئة يتطلعون إلى حقائق مؤكّدة كتلك التي تقدّمها الأديان والتقاليد الراسخة، ولكن أثر الأديان والتقاليد الآن تداعى".


١.٢ سمات التربية الإسلامية


- ومن خلال هذا الكلام وبإطلالة سريعة على أحوال المجتمع الإسلامي، فضلًا عن أحوال المجتمع العالمي، ما تزال الحاجة قائمة إلى بلورة فلسفة تربوية إسلامية تسهم في تحقيق أمرين اثنين، هما:
تقديم التربية الإسلامية كرسالة إصلاحية، غايتها: مواجهة التحديات التي تواجه العالم الإسلامي المعاصر، وتلبية حاجاته وتطلعاته.
إعداد المسلم المعاصر لدخول معترك الفكر التربوي العالمي، الذي يبحث عن نظريات تربوية جديدة، تخرجه من أزماته الإنسانية الراهنة،
وتساعده على المضي قدمًا في مسيرته.
ولا شك أن التفاعل بين الثقافات قد ازداد في عصرنا، عصر الكرة الأرضية التي قدر لنا أن نبرز إلى الحياة خلاله؛ ولذلك لا بد للمسلم المعاصر: أن يعرف زمانه ويبلور مضمون رسالته، بدل الوقوف عند التغني بالتراث فقط. ولا بد له: أن يدخل العصر بأصالة وثقة، وأن يقوم بدوره كشاهد على العصر يبشر بالتقدم والخير، وينذر من التخلف والشر. والذي لا يشهد العصر بوسائله ومصطلحاته وفكره ولغته، لا يمكن بأي حال أن يشهد عليه.