"١.١ مفهوم "التربية الإسلامية
عزيزي الدارس، في هذا العنصر الأّول نتعرف على مفهوم "التربية الإسلامية" من خلال دراسة النقاط التالية:
مفهوم "التربية" لغة واصطلاحًا:
أولًا: مفهوم "التربية" لغةً:
تضّمن مصطلح "التربية" في اللغة دلالات عدّة، ويشير جميعها إلى: ما ينبغي أن تتضمّنه العملية التربوية من ممارسات، وما يجب أن تستهدفه من غايات؛ فجاءت بمعنى: الإصلاح؛ إذ "ربَّى" الشيء أي: أصلحه.
وقد تعني في اللغة: النّماء والزيادة؛ فالقول: رَبَا يَربو بمعنى: زاد ونما؛ ومن هذا قوله تعالى: ((وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)) [الحج: الآية ٥]، وقوله تعالى: ((يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ)) [البقرة: الآية ٢٧٦].
وقد تعني: الحكمة والعلم والتعليم، لقوله تعالى: ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)) [آل عمران: الآية ٧٩].
و((تُعَلِّمُون)) هنا معنى: تفهمون.
تأتي "التربية" بمعنى: الرعاية؛ قال تعالى: ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)) [الإسراء: الآية ٢٤]،
"١.١ مفهوم "التربية الإسلامية
مفهوم "التربية الإسلامية"
ننتقل بعد ذلك إلى تعريف "التربية الإسلامية":
- ــيتداول المشتغلون بالتربية الإسلامية من المتخصصين وغيرهم بعض المصطلحات التي تختلف عن مفهوم التربية الإسلامية بعض الاختلاف؛ فتسمع عن: التربية الدينية، وتربية المسلمين، والتربية عند المسلمين؛ وكل هذه مصطلحات يُقصد بها غير ما يقصد بالتربية الإسلامية عند المتخصِّصين.
- أعني: مفهوم "التربية الدينية": علوم الشريعة كالتفسير والحديث، والفقه والتوحيد، وغيرها من العلوم الشرعية التي يدرسها الطلاب في مرحلة التعليم السابق على التعليم الجامعي. وهذه المواد الدراسية التي يجمعها مصطلح "التربية الدينية"، منها ما يتناول الحديث الشريف وحده، ومنها ما يعتمد على الأصليْن: الكتاب والسنة، إلى جانب الفكر البشري الذي يقيم الأدلة، ويتحقق من الأحكام كعلم الفقه وعلم التوحيد.
وفي كل الأحوال، لا تخرج "التربية الدينية" عن هذا الإطار الذي يحوي علوم الشريعة التي يطلق عليها الباحثون فيما قبل التعليم الجامعي اسم: "التربية الدينية".
- أما "تربية المسلمين"، و"التربية عند المسلمين"، فإنها تشمل: بعض علوم الشريعة، وبعض الفكر التربوي الإسلامي، فضلًا عن فكر أجنبي تربوي تسرّب إلى المسلمين، سواء كانوا طلابًا أم باحثين.
"١.١ مفهوم "التربية الإسلامية
والناظر مثلًا إلى الطلاب المسلمين، سوف يجد أنّ من طلاب المسلمين مَن يتعلّم في مدارس أجنبية، في فلسفتها، ونُظمها، والمحتوى التعليمي فيها. ومنهم من يتعلم في مدارس الإرساليات الدينية التي يحتوي التعليم فيها على بعض ما لا يتّفق ومبادئ الإسلام في الممارسات التربوية، فضلًا عن المبادئ والأسس.
نخلص من هذا: أن "تربية المسلمين"، و"التربية عند المسلمين"، و"التربية الدينية": ليست هي "التربية الإسلامية" موضوع هذا البحث، وإن استعمل البعض عن قصد أو بدون قصد هذه المصطلحات كمترادفات، وهذا وَهْمٌ وخطأ.
- إن "التربية الإسلامية" -موضوع بحثنا- تعني: الآراء والمبادئ والمفاهيم، والممارسات التربوية المستمدّة من الأصول الإسلامية بالمناهج التربوية، مستهدفة تربية إنسانٍ عابدٍ عاملٍ طائعٍ مؤتمِرٍ بأوامر الله، مُنتهٍ عن نواهيه.
وهي بذلك: علمٌ تربويٌّ قائمٌ على الأسس الشرعية، وفقْه الواقع الإسلامي، ولا بدّ له من متخصِّصين يجمعون بين علوم الشريعة وعلوم التربية؛ فلا يُكتفى بالتخصص في علم واحد منها.
إن التربية الإسلامية كعلمٍ تربويٍّ قائم على الأصول الإسلامية، تفرض: الالتزام بأصول الشريعة، وبالمنهج التربوي، وبالمعالجة الإسلامية لقضايا التربية، عن طريق العقل الملتزم الناقد، والتحليل العلمي، بعيدًا عن الألفاظ والعبارات الرنانة التي تناسب العامة لا طلاب العلم.
"١.١ مفهوم "التربية الإسلامية
- وواضحٌ أن التربية الإسلامية بالمفهوم السابق تبدأ من: الأصول الإسلامية، وترتبط بالهدف الكلِّي للتربية الإسلامية: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: الآية ٥٦]. وتختلف عن المادة الدراسية فيما قبل التعليم الجامعي، سواء كان اسمها "التربية الدينية"، أو "التربية الإسلامية"؛ فهذه المادة الأخيرة تتناول الأصول الإسلامية في صيغتها الأخيرة، أمّا المعالجة التربوية بالمنهج العلمي لهذه الأصول فهي شأن التربية الإسلامية.