١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


عزيزي الدارس،
ما تعريف "التحقيق" في اللغة، والاصطلاح؟

تعريف "التحقيق":
في اللغة: "التَّحقِيق": مَصدر حَقّق، يُقال: حَقّق الأمر، يُحَقِّقه تَحقيقاً: أثبته وصدّقه، وكان على يَقين منه. ويقال: حَقّق الثوب، أي: أحكم نَسْجه. وصَبغ الثوب صِبغاً تَحقيقاً، أي: مُشبعاً. وكلامٌ مُحقّق، أي: مُحكَم الصَّنعة رَصين. وأحقَّ الأمر إحقاقاً إذا أحكَمه وصَحّحه.
ويُستَخلص من هذه المَعاني اللغوية، التي يُمكن الرُّجوع إليها في القَواميس القَديمة والحَديثة: أنّ "التَّحقِيق": عَمل يَتضمّن الإثبات، والإحْكام، والإشباع، والدِّقّة، والرَّصانة، كما يَتضمّن: البحث عن الحَقيقة وإظهارها على حَقيقتها. وهذه كلها معانٍ يَنبغي أن نَستحضرها إذا كُنا نَتكلّم عن "التَّحقِيق" بمعناه الاصطلاحي الذي تَعارف عليه العُلماء في هذا الفَن. والعلماء يَروْن: أن التَّحقِيق هو: بَذْل عِناية خَاصّة بالمَخطوطات، حتى يُمكِن التَّثَبت من استيفائها بشَرائط مُعيّنة. ولذلك يُشتَرط للقيام بالتَّحقِيق بهذا المَعنى الفني الاصطلاحي:
أن يُنْقَل الكِتاب الذي كُتب باليد فيما مَضى، يُقَدَّم إلى الطباعة، بشرط أن تَجْتَمع فيه وله تلك الشروط التي وضعها العلماء وأهل الاختصاص بالتَّحقِيق؛ فإذا كان كذلك، أصبح يُطلق عليه أنه كتاب مُحقَّق أو رسالة مُحقَّقة. وهذا يَنْقل التعريف إلى "الكتاب المُحَقّق":



١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


تعريف "الكتاب المحقَّق":
فالكتاب المُحَقق هو: الذي اجتمعت فيه شُروط، من أهمّها:
أن يَصحّ عُنوانه، وأن يُعْرف اسم مُؤلِّفه، وأن نتأكّد من نِسبة الكتاب إليه، وأن يَكون مَتنه ونَصّه على نَحو ما تَركه المُؤلّف، أو في الأقل أقرب ما يَكون إلى الصورة التي تَركها عَليه مُؤلّفه؛ ولدينا إذاً هذه الزَّوايا والجَوانِب التي لا بدَّ من استِيفائها.

أولاً: تَحْقيق عُنوان الكتاب.
ثانياً: تَحْقيق اسم المُؤلف.
ثالثاً: تَحْقيق نِسبة الكِتاب إلى مُؤلّفه.
رابعاً: تَحْقيق مَتن الكتاب حتى يَظهر بقْدر الإمكان مُقارباً للنَّص الذي كَتبه عليه مُؤلّفه والذي حَكاه عنه تلامِيذه، أو مَن نَقله عَنهم.
وإذا لم تتحقّق هذه الشروط، فإن انتقال الكِتاب من الكِتابة اليَدوية التي كان عليها، إلى الطباعة التي لم تَكتَمل فيها هذه الشُّروط، لا يَجعله كِتاباً مُحقّقاً؛ بل يُقال عَنه: إنه كتاب مَنشور، أو مَطبوع فقط.
ويَنطَبق هذا الأمر -للأسف الشديد- على كَثير من الكُتب التي تَولَّى طِباعتها وإخراجها من صورتها المَخطوطة إلى صورتها المَطبوعة أناس لا دِراية لهم بفَن التَّحقِيق، ولا مَقدرة لهم على الوَفاء بشُروطه. وأمثال هذه الكُتب تَمتَلئ بكَثير من التَّصحيف والتَّحريف، والاضطراب والتَّشويش، ...


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


...ونَقْص المَعلومات، والقِراءة الخَاطئة للنَّص القديم. وهي لا تَعلو على الأصل المَخطوط إلاّ في أنها طُبعت طِباعة حَديثة قد تكون فاخرة أحياناً؛ ولكن ذلك لا يُدْرجها ضِمن الكُتب المُحقّقة؛ بل إنه في بعض الأحيان، قد تكون النُّسخ المَخطوطة -التي كُتبت باليد قَديماً- أكثر دِقّة وصَواباً من هذه الكُتب المَطبوعة، التي يُشرف على طِباعتها مَن لا عِلم لَهُم بفَن التَّحقِيق، بما يَحتاج إليه من جُهد ودِراية، وتَثبُّت، ومُراجَعة للكتب، وصَبر على تَدقيق النُّصوص، وشرح غَوامِضها، وإحسان تَقديمها للعلماء والمُختصِّين، الذين يَزِنون التَّحقِيق بالمَوازين الدَّقيقة التي تَعارف عَليها العُلماء والمُحقِّقون. هذا هو التَّعريف الذي يَنبغي أن نَفهم منه، أننا نَنقل الكِتاب من الصورة اليَدوية، والمَوجود عَليها في خَزائن الكُتب القديمة، نَكتبه بلُغة حَديثة ونُقدِّمه في طِباعة حَديثة، بعد أن نُحقّق فيه كل الشُّروط التي تَحدَّث عنها العُلماء، حيث: اسم الكتاب، واسم المؤلف، وتَوثيق النِّسبة، والقيام بكل الأعمال التي يَشترطها عُلماء التَّحقِيق، والتي سيأتي عنها الحديث. بهذا يَصح أن يُقال عن الكِتاب، إنه كِتاب مُحقَّق، وإلاّ إذا لم تَجتمع فيه هذه الشروط، فإن الكتاب حتى وإن طُبع على أفخم ورق، وعلى أحسن الصوَر، وزُيّن وحُلّي بأحسن أنواع الزينات والحلى، لا يُمكن أن نَصفه بأنه كتاب مُحقّق، وإنما نَصفه بأنه كِتاب مَنشور، أو مَطبوع على وَرق أبيض جَديد، غير الورق القديم الذي كان يَكتب عليه القُدماء. طبعاً لدينا مراحل لا بدَّ أن نقوم بها للقيام بهذا العَمل.

مراحل التحقيق:
وأوّل شيء سنقوم به في مجال التَّحقِيق:


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


أن نَختار مَخطوطاً أو مَخطوطة؛ يعني: بعض الناس يجعلونها بلفظ المذكّر، وبعضهم يجعلونها بلفظ المؤنث، ولا مشاحّة في الاصطلاح كما يُقال؛ إنما المُهم أننا سنختار كِتاباً من الكُتب القَديمة المُكتوبة بخط اليد، لكي نقوم بتَحقيقه. ــ أول أمر لا بدَّ أن نُراعيه وأن نُلاحظه: أن نَختار كِتاباً بمواصفات مُعيّنة. هذا الذي سنختاره للتَّحقيق، لا بدَّ أن يكون فيه عدد من المُواصفات، سيأتي الكلام عنها بالتفصيل. ونَبدأ بالصِّفة الأولى من هذه الصفات:
أن لا يكون قد سَبق تَحقيق الكتاب في عَمل عِلْمي مُستَكمل لشروط التَّحقِيق. ويُمكن مَعرفة ذلك بطُرق مُتعدّدة. ذهبت إلى مكتبة المدينة المنورة، مكتبة دار الكتب في القاهرة، مكتبة الظاهرية في دمشق، أو مكتبة من مكتبات العراق، أو مكتبة من مكتبات اليمن، أو مكتبة من مكتبات المغرب، أو مكتبة من المكتبات المَوجودة في العالَم في تركيا أو في غيرها من البلاد، وبحثت في الدفاتر المَوجودة والخَاصة بقوائم الكُتب المَخطوطة، ووَقعت عَيني على كتاب، وقُلت أريد أن أحقِّق هذا الكتاب، فلا بدَّ أن أتأكّد أنّ هذا الكتاب لمْ يَسبقني أحد إلى تَحقيقه تَحقيقاً عِلمياً، سيأتي السؤال كيف لنا أن نَعرف ذلك؟ يُمكن مَعرفة ذلك بطُرق مُتعدّدة، منها:

سؤال أهل الاختصاص من المَعْنيِّين بالتَّحقِيق. تسأل الناس المُختصِّين في التَّفسير، أو المُختصِّين في عِلم العَقيدة، أو عِلم الكلام، أو المُختصِّين في عِلم التاريخ: هذا الكتاب الذي صِفته كذا وكذا، هذا الكتاب سَبق تَحقيقه أو لا؟
طَبعاً المَوجودون في المجال يُمكن أن يُجيبوا، وطبعاً نَجِد عِندهم في كَثير من الأحيان إجابات صَحيحة، وإجابات دَقيقة عن هذا المَوضوع، وإلاّ فأمامنا وسائل أخرى منها:

١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


مُتابعة المَجلَّات العِلْمية المَعْنية بتَتبّع النشاط العِلمي في مجال التَّحقِيق -هناك كُتب ومَجلَّات مُخصّصه لمثل هذا الأمر-. مَعهد المَخطوطات العَربية يُصدر نَشرة دَورية يَتحدّث فيها عن الكُتب التي تَمّ تَحقيقها فيما بين فترات الطباعة، بعض الجامعات، مثلاً: مَكتبة جامعة الملك سعود تَشترط على مَن يَأخذ مَخطوطاً منها أن يَكتب تَعهّداً أنه يَقوم بتحقيق هذا المَخطوط في وقت مُعيّن، وعند إتمام هذا التَّحقِيق يُقدِّم نُسخة مُحقّقة إلى المكتبة لتَستَفيد مِنها، لأنها هي التي أهدتْه النُّسخة المَخطوطة من هذا الكتاب. ومُؤسسة الملك فيصل فيها قِسم خاص بتَتبّع هذه الكُتب المَخطوطة، ويُصدر نَشرات عِلمية دَورية تَتحدّث عن هذا الموضوع، وهكذا وهكذا... فالمؤسسات العِلمية العَاملة في مجال التَّحقِيق يُمكن عن طَريقها مَعرفة هذا الموضوع.
كذلك يُمكن مَعرفة هذا الموضوع بمُراجعة قَوائم الرسائل العِلميّة في الكليات والجامعات التي تَجعل التَّحقِيق ضِمن اهتماماتِها؛ لأن القائم على تَقديم بَحث عِلمي يُضطر في كَثير من الأحيان إلى مُراجعة بَعض المُخطوطات، ويَكتب بياناتِها، يَقول: رَجعت إلى هذه المَعلومة في المَخطوط الفُلاني برقم كذا، في المَكان الفُلاني؛ فيَكون هذا من الوسائل التي يَستطيع الناس عن طَريقها أن يَعرفوا أماكِن هذه المَخطوطات، وأن يَبحثوا عنها ويعرفوا إن كانت قد حُقِّقت أو لا. لكن إذا كان الكتاب مُحقَّقاً فلا يَنبغي إعادة تَحقيقه مَرة أخرى، لأن هذا نوع من تَكرار الجُهد في غَير فائدة، ولا يُحقّق نتائِج جَديدة للعلْم. ويُمكن أن يُستثنى من ذلك عِّدة حالات، منها:

١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


الحالة الأولى
أن لا يكون التَّحقِيق الأوّل مُستوفياً للشروط التي تَعارف عَليها العُلماء، كأن يكون النص قد نُشر مُجرّداً من التَّعليقات العِلمية التي تُسهم في فَهم الكتاب وتَوثيق نُصوصه، وعَزو آياته وأحاديثه، والتعريف بأعلامِه ومُصطلحاته، وإزالة ما يُمكن أن يَكون به من غُموض... إلخ... هذه الأمور الكاشِفة التي لا بدَّ منها في التَّحقِيق في العصر الحديث. ـ الحالة الثانية: أن يَكون الكِتاب قد نُشِر نَاقصاً، ثم اكتُشِفت بعض المَخطوطات الكامِلة التي يُوجد فيها هذا الجُزء الناقص الذي لم يُنْشَر بالكِتاب في تَحقيقه الأول، أو أن يَكون النَّشر الأوّل قد اعتمد على مَخطوطة، أو مَخطوطات مَليئة بالأخطاء، ولم يَتمكَّن المُحقِّق من تَدارك هذه الأخطاء. وفي مثل هذه الحالات يُمكن السَّماح بإعادة تَحقيق الكتاب. وكذلك من بين الحالات التي يُسمح فيها بإعادة التَّحقِيق: حالات التَّحقِيق الحُر. ما معنى التَّحقِيق الحُر؟ هو التَّحقِيق الذي لا يَتقدَّم صاحِبه للحُصول به على دَرجة عِلمية. نحن نتحدَّث عن التَّحقِيق في مجال الجامِعة، في مجال الكُليات، لكن التَّحقِيق الحُر في السوق، يعني: يَقوم به أناس لا يَتقدَّمون بهذه الأعمال لكي يَحصلوا بها على دَرجات عِلمية كالماجستير مثلاً، أو الدبلومات، وليس هناك قانون يَمنع من إعادة تَحقيق الكُتب التي سَبق تَحقيقها في أي بلد مِن بلاد العالَم؛ ولذلك يُوجد في المكتبات كُتب ذات تَحقيقات مُتعدّدة. تَدخل المَكتبة فتجد الكتاب الواحد مُحققاً أكثر من تَحقيق، لأن هذا التَّحقِيق تَحقيق حُر. كل إنسان يعتبر أن هذا المَوضوع يُمكن أن يُدرَّ عليه دَخلاً، أو يأتي له بسُمعة، أو بشُهرة، أو نحو ذلك، يَقوم بإعادة تَحقيقه على الرغم من عِلمه بأن الكِتاب قَد حُقِّق من قَبل. ففي هذه الحالات كل واحد من المُحقِّقين يُحاول أن يَتميّز عن الآخرين بشيء يَختَلف به عَنهم؛ بحيث إذا وُضعت الكُتب كلّها أمام إنسان واحد، فإنه يَستطيع أن يَقول: إنّ هذا التَّحقِيق الثاني مُتميّز عن الأول. وذلك يَسمح...



١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


...بإعادة التَّحقِيق، ونحو ذلك... ولكن هذا طَبعاً لا يَكون مَسموحاً به في التَّحقِيق المُقيّد، وهو التَّحقِيق الذي يَتقدّم به صَاحِبه للحُصول به على دَرجة عِلميّة. كما يَنبغي أن يَكون واضحاً، على سبيل المثال: كِتاب مثل كِتاب "رياض الصالحين" للإمام النووي، له تَحقيقات عَديدة جِداً، والذي يُتابع سَيجد. وبعض شُروح هذا الكِتاب مثلاً عليها أيضاً ولها تَحقيقات مُتعدّدة جداً. كما يَنطبق ذلك على بَعض التَّفاسير، مثل: "تفسير الطبري"، و "تفسير ابن كثير"، أو نحو ذلك. الكتب، مثل: كتاب "مَدارج السالكين" لابن قيم الجَوزية؛ وهكذا سنَجد بعض الكُتب التي تُحقَّق أكثر من مرة. ولكن ذلك لا يُسمح به في التَّحقِيق الذي يَتَقدَّم صاحِبه للحُصول به على دَرجة عِلمية، وإن كان مَسموحاً به في النَّشر الحُر. يعني: الذي يَقوم الإنسان فيه لنَفسه، ولسوق الكُتب، وللقارئين، وللباحِثين عن الكُتب، يَتقدَّم بعَمله إلى السوق، وإلى القراء، ويَقول له الناس: إنّ هذا الكتاب مُحقّق، فيقول: لا شأن لكم، أنا سأضيف إلى تَحقيقي مَعلومات أخرى ليست مَوجودة في الكُتب التي سَبق تحقِيقها. وهكذا يَحدث مثل الأمر في النَّشر الحُر للكُتب، ولكنه ليس بمَسموح به في مَجال التَّحقِيق الخاضِع للإشراف الجامعي؛ لأن مِن الشروط: أن لا يكون الكِتاب مُحقّقاً، فإذا كان الكتاب قد سَبق تَحقيقه، فلا يُؤذن بإعادة التَّحقِيق، إلا بعد كِتابة تَقرير عِلمي يُبيِّن ما في التَّحقِيق السابق من أخطاء، أو نَقص، تُبرر إعادة التَّحقِيق مَرة ثانية. ولا بدَّ أن يَقْتَنع بذلك الأستاذ المُشرف، والقِسم العِلمي الذي يَتقدّم الباحِث والمُحقّق في بَحثه إليه، حتى يُسمَح بعَمل مثل هذا التَّحقِيق مرة ثانية -هذا هو الشَّرط الأول-.


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


الشرط الثاني
أن يَكون المخطوط ذا قِيمة عِلميّة تَجعله جَديراً بالتَّحقِيق؛ فليس كل كتاب مخطوط صالحاً لتَحقيقه، أو للحُصول به على دَرجة عِلمية، لأنه ربّما يَفتقد هذه الصلاحية. متى يَفْتقد الصلاحية؟ يعني: ليس كل كتاب مَخطوط قَديم نُسرع ونَقول هذا يَصلح لكي نَحصل به على الماجستير، أو نَحصل به على دبلوم. لا، بعض الكُتب القَديمة لا قِيمة لها من الناحية العِلمية، ويَظهر ذلك في الحالات الآتية:

أن يكون المخطوط تَكراراً، أو اقتباساً من بعض المؤلفات السابقة دون إضافة عِلمية تَسمح بإعادة النَّشر مَرة ثانية.
أن يَكون شَرحاً لكتاب سَابق دون أن يكون فيه جَديد أصيل يَتعلّق بالشَّارح نَفسه؛ بحيث لا يكون مُجرّد تَكرار أو تَرداد للمَتن القديم الذي يقوم الشارح بتَحقيقه. ونُشير هنا إلى أن بعض الشُّروح قد تَزيد في قِيمتها العِلمية على الكتاب الأصلي نَفسه. وعلى سبيل المثال: كتاب "مدارج السالكين" لابن قيم الجوزية، شَرح لكتاب "منازل السائرين"، ولكن شتان مابين المَتن وما بين الشرح؛ لأن الشرح فيه إفاضة كَبيرة جِداً ربما تَصل إلى خَمسين مِثْلاً للكتاب الأصلي. وقد اتّخذه ابن القيم وسيلة لكي يُعبّر عن آرائه، وليس فَقط مُجرّد الدِّفاع عن بعض الآراء، أو شَرحاً لبعض الآراء التي قالها الهَروي في كتابه الأصلي؛ ومن هنا فليس كل شرح مَقبولاً، وليس كل شرح مَرفوضاً، ولكن لا بدَّ أن يُوجد في الشيء الذي نُريد أن نُحقِّقه إضافة عِلمية تَسمح لنا بأن نَبذل جُهداً، ووقتاً، ونَبذل مَالاً، ونَشغَل أنفسنا بهذا الأمر. لا بدَّ من وجود الإضافة العِلمية في مثل هذه الأمور.

١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


وفي بعض الحالات يَكون الكتاب مُلخصاً لكتاب سابِق دون قِيمة علمية تُذكر؛ فلا بدَّ من القِيمة العِلمية، ولا بدَّ من الإضافة. مثلما تَحدثنا قَديماً عن أنّ البحث العِلمي لا بدَّ أن يكون فيه إضافة عِلمية، وهذا من أول ما تَحدثنا عنه في المُحاضرات، لا بدَّ أيضاً أن يكون في الكتاب المخطوط الذي نَودّ أن نُحقِّقه، أن يكون له قِيمة عِلمية لا بد أن تتحقّق فيه، وإلاّ فإنه لا يَصلح لكي يُنال به رسالة عِلمية. لا يَكفي أن يَكون شَرحاً لكتاب سابق، أو يَكون مُجرّد تَلخيص لكتاب سابق، بل لا بدَّ أن يكون له في ذاته قِيمة عِلمية تَجعله جَديراً بالمَوافقة عليه، كيف نَتبيَّن هذا الأمر؟ وكيف يَتبيَّن القِسم العِلمي والأستاذ هذا الأمر؟ يُكلِّف الأستاذ هذا الذي يَتقدّم بهذا المَخطوط بكِتابة تَقرير عِلميّ يتقدم به إلى الأستاذ المُشرف، والقِسم العلمي، مُتضمناً تَعريفاً بالمَخطوط وصاحبه، والمَوضوعات التي يَتناولها، والقيمة العِلمية له، وهذا أمر لا بدَّ من القيام به قَبل الإذن بتَسجيل المَوضوع.

الشرط الثالث
أن يكون المخطوط الذي يُراد تَحقيقه في بحث جامعي ذا حَجم مُناسب؛ فلا يَكون صغيراً جداً بحيث لا يَتمكّن صاحِبه من إضافة أي شيء من العِلم، ولا يكون كَبيراً جِداً بحيث يَعْجز الباحث عن القِيام به في الوَقت المُحدّد له. طبعاً هو يكلّف بأن يُنجز هذا المخطوط مثلاً في سنتيْن، لا يأتي لمخطوط (١٠٠٠) ورقة، ويقول: أنا قادر على إنجازه، لأنّ هذا من التَّكليف العَسير الذي لا يَستطيع الإنسان أن يقوم به. فالحجم لا بد أن يكون حَجماً مُناسباً. طبعاً سيأتي السؤال ما هذا الحجم المناسب؟


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


الحَجم تَعارف العلماء المُهتمّون بأمر التَّحقِيق على: أنّ الحَجم يكون ما بين نحو (٧٥-١٠٠) وَرقة، الوَرقة ستتكون من صفحتيْن وجه وظهر، أو (أ، ب)؛ فإذا يكون عِندي المخطوط (٧٥) وَرقة، فإذاً سيكون عندي (١٥٠) صفحة، وعندما يكون (١٠٠) صفحة يكون مائتَيْ صفحة، يكون (١٥٠- ٢٠٠) صفحة هذا حَجم مُناسب. لماذا؟
لأنه -كما سيَتضح فيما بعد- سيُكلّف بأن يَكتب تَعليقات عِلمية على هذه المائتي صفحة، لا بدَّ أن يكون عندنا تَعليقات عِلمية إضافية يقوم بها الباحِث نَفسه على هذا النَّص الذي اختاره ويَقع في (١٥٠ أو ٢٠٠) صفحة، ثم سيُكلّف بكِتابة مُقدمة عِلمية أيضاً. وهكذا يُمكن أن يَصل حَجم العَمل الذي يَتقدّم به الباحِث لتحقيق مخطوط مائتيْ صفحة إلى خمسمائة صفحة؛ وهذا حَجم ليس بالهيِّن إذا أردنا أن نتحدث عن رسالة، رسالة ماجستير على سبيل المثال. كما سيحتاج إلى فهارس فَنِّية. هذا كلام سنتحدث عنه في المحاضرات القابلة -إن شاء الله تعالى-. فعندئذٍ لا بدَّ من اختيار حَجم مناسب، فلا يأتي لي مَثلاً بعشرين وَرقة ويَقول: "هذا ينفع آخذ به ماجستير". كما لا يأتي بألف وَرقة، يقول: "هذا يَنفع آخذ به ماجستير". هذا لا ينفع أيضاً لأنه من التَّكليف الصَّعب الذي لا يَستطيع الإنسان القِيام به في الوقت المُحدّد لدرجة الماجستير.
أما بالنسبة للدكتوراه، فإن بعض الجامعات لا تَسمح أن يُقدَّم فيها تَحقيق لدرجة الدكتوراه، يعني درجة الدكتوراه لا بدَّ أن تكون موضوعاً، بحثاً عِلمياً، لا يَكون فيها تَحقيق، وبعضها تَسمح بذلك. ففي الجامعات التي تَسمح بذلك لا بدَّ أن يكون الحجم أكبر من الحجم المسموح به في درجة الماجستير، ويُمكن أن يَزيد بنحو مائة وَرقة، يعني: من الممكن يصير (١٧٥- ٢٠٠) وَرقة أو إلى (٢٢٠) أو نحو ذلك. يعني: من نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة إلى ما هو أكثر، على حَسب أن الوَرقة اثنتيْن، عدا ما سيضاف إليها من مُقدّمة عِلمية، وتَعليقات على النَّص، وفهارس فَنَّية؛...


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


...فهذا هو الحَجم الذي يَنبغي مُراعاته ونَحن نتحدث عن مثل هذا الأمر.
وهذه الأحكام المَذكورة هي أحجام تَقريبية، فقد تكون أكثر قَليلاً، وقد تكون أقلّ قليلاً، على حَسب ما يتمّ التعارف عليه في كلّ مَوقع عِلمي. والأمر يَعود إلى تَحقيق عُنصر المُلاءمة، ومُراعاة العُرف المَعهود في الجامعة التي يتحدث عنها الباحث، أو التي يَتقدّم إليها الباحث.

الشرط الرابع
أن يكون هناك أكثر من نُسخة من هذا المَخطوط، والنُّسخ لا بدَّ أن تَكون نُسخاً أصلية، -وسيَتبيّن فيما بعد ما مَعنى "نُسخ أصلية"-، حتى يُمكن إجراء المُقابلات العِلمية بَين هذه النُّسخ، ولكي يُمكن التَّوصل إلى النَّص الأصلي الذي كَتبه مُؤلف المَخطوط، أو إلى نَص قَريب مِنه بقدر الإمكان -كما سبق القول-. ويَتبيَّن من هذا الشرط، أن التَّحقِيق على نُسخة واحدة فقط، يُعدّ أمراً غَير مَرغوب فيه؛ بل إنّ بعض الجامعات لا تَسمح بالتسجيل للمَوضوع إلاّ إذا كان مَوجوداً من المخطوط أكثر من نُسخة، فإذا كان هناك نسخة واحدة تقول: لا، لا يَصلُح هذا الأمر لكي يُبحث في الجامعة، وتُنال به دَرجة عِلمية، وذلك لأن التَّحقِيق هو الوصول إلى الحقائق، فالاعتماد على نُسخة واحدة لا يُوصلنا إلى هذه الحَقائق. لماذا؟
لأن النُّسخة الواحدة قد يكون بها نَقص لبعض النُّصوص أو الأوراق، وقد يكون فيها تَقديم وتَأخير، وقد يكون فيها طَمْس لبعض العِبارات أو الكَلمات بفعل القِدم الزَّمني، أو بسبب تآكُل الأوراق، أو بسوء ظُروف حِفظ هذه المَخطوطات، وعَدم الرعاية الكافية لها، أو الإهمال، وربما يُوجد بالأوراق خَرم، أو قَطع أو أكل أرضة، وهي: الحَشرة التي تأكل الأوراق، أو عثة كالعثة التي تُوجد في المَلابس تأكل الأوراق أيضاً أو نحو ذلك...



١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


...من الأسباب. فإذا لم يكن لدينا إلا نُسخة واحدة، فإنه سيتعذّر تَحقيق النَّص وإحكامه على النحو الذي كَتبه عَليه صاحبه؛ ولذلك لا تَسمح بعض الجامعات بالتسجيل للموضوع في هذه الحالة. فإذا وجد الباحث نسخة واحدة فعليه أن يَكسب الوقت، ويَكسب الظُروف، ويَبحث عن شيء آخر فيه أكثر من نِسخة. ويُستثنى من ذلك بعض الحالات، -دائماً نحن نقول الشرط ونقول الاستثناءات، لأننا لا نتحدّث عن نصوص قُرآنية، ولكن اجتهادات بشرية؛ فنضع الشرط ثم نضع استثناءات من هذا الشرط-.
ويُستثنى من ذلك بعض الحالات، منها:
أن تَكون النُّسخة المَوجودة من المَخطوط تامة جَيدة تماماً، خَالية من العُيوب التي سبقت الإشارة إليها، كالطَّمس والخَرم، والقَطع، والمَحو، والتقديم، والتأخير، ونحو ذلك... ومن بين الحالات التي تُستَثنى أيضاً: أن تُعالِج مَوضوعاً شَديد الأهمية، بحيث تُؤدّي في الجُملة -وبِغَض النَّظر عن هذا العَيب، وكَونها نُسخة واحدة فقط- إلى فائِدة عِلمية تَكون مُسوِّغاً أو مُبرراً للنَّشر.
ومن الحالات أيضاً: أن يتم النشر على يد باحث عِلمي يَنشره لحساب نَفسه، دون أن يتقدّم بهذا العمل إلى الحصول لدَرجة جامعية. ومثل هذا الباحث يقوم بهذا العمل على مَسؤوليته الخاصة، وهو حُر ليس مُقيّداً بلوائح أو نُظم جامعية، فإن أجاد في عَمله فإنه يُحقِّق للعِلم فائِدة، وإذا أخفق فإن مَسؤوليته تَعود إليه هو، "فعلى نَفسها جَنت بَراقِش" كما يَقول المثل العربي. ـ الحالة الباقية من الحالات التي يكون فيها استثناء: أن يَتولّى تَحقيق هذا المَوضوع عالِم كَبير عَارف بالنُّصوص وقِيمتها، وعارف بالمُؤلَّف وأهمّيّته، ولَديْه من الموهبة والكفاءة، والخبرة، والدِّراية، ما يَستطيع أن يُقَوّم به هذا النَّص، حتى ولو وَقع فيه خَطأ أو نَقص أو عَيب؛ عندئذٍ يُمكن استثناء هذه الحالة من التَّحقِيق على نُسخة واحدة.



١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


الشرط الخامس
أن تتوفّر في هذا المخطوط المعلومات الضرورية، التي تُؤدِّي إلى مَعرفة اسم المخطوط، واسم صاحبه، بأن لا يَكون به نَقص في أوّله يَحول دون ذلك. وعلى سبيل المِثال: المخطوط الذي فُقدِت منه صَفحة العُنوان، أو الجُزء الأول من هذا المَخطوط، يُعدّ مَخطوطاً مَعيباً؛ ولذلك لا يُمكن الاعتماد عليه وحده في النَّشر، ولكن يُمكن الاعتماد عليه إذا أمكن التَّوصل إلى مَعرفة صاحبه، ومَعرفة اسم الكتاب، عن طَريق بعض النُّصوص المَوجودة في الكِتاب نفسه، أو إذا وُجدت نُسخة أخرى أكمل وأتمّ؛ فيكون عِندنا نُسختان تُكمِّل إحداهما الأخرى، فعندئذٍ يُمكن الاعتماد عليه بصفة ثانوية. لكن إذا كان مخطوطاً مَجهول المؤلِّف، أو مَجهول العُنوان، أو فُقِد مِنه الجُزء الأول مِنه، فإننا لا نَستطيع أن نُجازف بتحقيقه إلاّ إذا وُجِد ما يَجْبُر هذا النَّقص.

الشرط السادس
أن يكون المَخطوط كَاملاً على وجه العُموم، بحيث لا يكون فيه نَقص يَتعذَّر تَدارُكه، أو أن يكون كَثير الأخطاء، بحَيث يكون من الصَّعب ضَبط النَّص وقِراءته قِراءة صَحيحة؛ ولا غَرابة في وقوع بعض الأخطاء من النُّساخ في المخطوطات القَديمة:

أولاً: لأنهم بَشر، والبَشر يُمكن أن يَقع مِنهم الخَطأ في كل وقت.

١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


ثانياً: أنه لم يَكن يلزم في كل الأحوال أن يكون الذين يقومون بكتابة المخطوطات من العلماء، يعني: لا يلزم أن يكون كلّ مؤلف هو الذي يَكتب كُتبه بيديه. بعض المؤلفين كان يُملي، وكان التلاميذ يكتبون، وليس هو الذي يتولّى الكتابة، ومِن المُمكِن أن يَقع التلاميذ في الأخطاء. ثم بعد ذلك يَقوم نُسّاخ -مِهنتهم ووَظيفتهم نَقل الكُتب القَديمة على وَرق أحدث-، ويَنْسخون نُسخاً من الكُتب الأصلية في نُسخ جَديدة، ولا يَلزم أن يَكون هؤلاء النُّساخ من العُلماء، ومن ثَمَّ يَقع مِنهم الخطأ. وربما كان بعضهم يَنْسخ من أجل أن يَستَرزق من وراء هذا الموضوع، فكان أمثال هؤلاء يَعْجزون عن القِراءة الصَّحيحة للنَّص الذي كانوا يَنقلونه، فيأتي المخطوط مشحوناً بكثير من الأخطاء التي تُفقِد المخطوط قِيمته وتَجعله غير جَدير بالنَّشر والتَّحقِيق.
هذه مسائل لا بدَّ من مُراعاتها، ولعلّ هذه الشروط تُقدِّم لنا فِكرة عن هذا المخطوط. وأرجو أن يكون واضحاً أننا نَتحدث هنا عن المخطوط الذي يَتقدَّم به صاحبه لنيل دَرجة عِلمية. النَّشر الحُر ليس هناك ضوابط له، إنما كل واحد يَجْتهد ويَنْشر، قد يأتي عَمله جَيداً وقد لا يأتي، ويَتقبَّله الناس بقَبول حَسن، وقد لا يَتقبَّلونه. لكننا في كل الشروط التي نذكرها في كل هذه المحاضرات، نتحدّث عن المخطوط الذي نَتقدَّم به للحصول على دَرجة عِلمية. فلا بدَّ أن يكون في مثل هذه المَخطوطات مثل هذه الشروط، وبعض المُحققين الذين يَعملون لحِساب أنفسهم قد يَتحرّرون من بعض هذه الشروط. وليس معنى ذلك أنّ أعمالهم تَكون خَالية من القِيمة العِلمية، لأن كثيراً من هؤلاء الذين يَتقدّمون بهذه الأعمال العِلمية يَكونون من العُلماء الكِبار، فالعُلماء الكبار يحافظون على سُمعتِهم العِلمية، وعِندهم أمانة الحِفاظ على العِلم أيضاً؛ ولذلك قد يَنْشر أحدهم كِتاباً على نُسخة واحدة، ثم يأتي هذا الكتاب المُحقّق على أعلى ما يكون، من حَيث تَوافر الشروط التي يَجب أن تَتوافر في أي كتاب مُحقَّق. فنحن لا نَقول هذا...


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


... للإزراء بمَن يَقومون بمِثل هذا الأمر، لأن منهم من كان في مُقدمة وفي طَليعة الذين عُنوا بالتَّحقِيق في العالَم العَربي والإسلامي، ولم يَكن هؤلاء يتقدّمون لكي ينالوا دَرجات عِلمية، ولكنهم يَخدمون العِلم، ويُقدِّمون للناس نُصوصاً ثَمينة قد لا تتوفر فيها كل الشروط الأكاديمية التي قلناها الآن، ولكن أعمالهم تَرفعها إلى أعلى مَقام في مجال التَّحقِيق العِلمي. وأذكر على سبيل المِثال، وليس على سبيل الحَصر: الأستاذ محمود شاكر، وأخاه الشيخ أحمد شاكر، والأستاذ عبد السلام هارون، والأستاذ السيد أحمد صقر، والأستاذ أحمد تيمور باشا، والأستاذ إحسان عباس، والدكتور محمد رشاد سالم، وأمثال هؤلاء من المُحقِّقين الكِبار، الذين ربما نَشر أحدهم كِتاباً على نُسخة واحدة، لا يتوفّر فيها الشرط الذي كنا نَتحدث عنه منذ قليل، ولكن هذا رجل عالِم كَبير جَدير بالقِراءة الدَّقيقة للنَّص، وجَدير بتَدارك العُيوب المَوجودة في النَّص، وهو يُشير إلى ذلك قَطعاً، ويُقدِّم للنَّص مُقدمات عِلمية عَظيمة تَرفع من قِيمة الكتاب. ومن ثَمَّ فنَحن نَقول هذا بالنسبة لِمَن يَبدؤون أعمالهم في التَّحقِيق، لِمَن يَتقدّمون بها للماجستير أو نحو ذلك: لا بدَّ أن تَتوفّر هذه الشروط حِماية لهم، وحِماية للعِلم، من أن يَقع فيه مثل هذا القُصور، الذي لا يَستطيع أن يَتدارَكه إلاّ مثل هؤلاء العُلماء الكِبار وطبعاً الأمثلة كثيرة جداً، لأن هؤلاء وأمثالهم قد وضعوا نماذِج وأمثلة تُحْتذى يَتعلّم منها الباحِثون لفَنّ التَّحقِيق كثيراً من القِيم العِلمية، لأن تَحقيقاتِهم جاءت مُستوفية للشروط النَّظرية والتَّطبيقية على حدٍ سواء؛ بل إن هؤلاء أسهموا في وَضع القَواعد التي نَتحدّث عنها الآن في عَملية التَّحقِيق. هم الذين كَتبوا فيها، هم الذين طبَّقوها، وهم أشاروا إليها، وهم الذين نَبَّهونا إليها. ومن ثَمَّ فنحن لا نُزْري بأمثال هذه الأعمال العِلمية، ولكننا نقول بالنسبة لمَن يَبدؤون الطَّريق: عليهم أن يأخذوا حِذرهم، وأن يَلتزموا بمثل هذه القَواعد التي أشرت إليها فيما يَتعلّق بالنَّص الذي نُريد تَحقيقه ونَقله من الحالة التي هو عَليها، من كَونه مَكتوباً باليد، إلى كَونه مَطبوعاً، ومُحقَّقاً تَحقيقاً عِلمياً يَليق...


١١.٢ تحقيق التراث: تعريفه، وشروطه


...بالجَامعات، وبالأقسام العِلمية.