١١.١ أسباب أهمية تحقيق التراث
عزيزي الدارس، تتجلّى أهمية تحقيق التراث في جَوانب عَديدة، من بينها:
أن تُراثنا العربي الإسلامي تُراث حافل، وقد كُتبت فيه مُصنَّفات لا تكاد تُحصى لَكثرتها. وجاء أكثر هذا التراث باللغة العربية التي هي اللغة الأولى للمُسلمين؛ فقد اختار الله هذه اللغة لغة لكتابه الكريم، وهي كذلك لغة نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، ولغة الجَمهرة الغَالبة للصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-. وقد بَدأت الكتابات الأولى في العُلوم الإسلامية بها، ثم حبّبها الله تعالى إلى المسلمين من غير العرب، فكتبوا بها مُؤلّفاتهم وكُتبهم، وتَنازلوا طَواعية عن لغتهم الأصلية، ليتكلّموا بهذه اللغة العربية الشريفة -لغة القرآن والسُّنّة-. وقَد بَرعوا فيها، وألّفوا في عُلومها المُختلفة بما فيها علوم النحو واللغة.
كما أنّ اللغة العربية لمْ تَقْتصر على هؤلاء المسلمين؛ بل إنها أصبحت لغة أهل الكِتاب الذين كانوا يَعيشون في الدولة الإسلامية. وكانوا بحاجة إلى تَعلّمها،؛ لأنها أصبحت لغة الإدارة، ولغة العِلم، ولغة الحَياة؛ ومن ثَمَّ اتخذوها لساناً لهم، وكَتبوا بها كُتبهم ومَعارفهم.
وهكذا كَتب بهذه اللغة عَرب، وعَجم، ومُسلمون، وغير مُسلمين. واتّسعت اللغة من بعد ذلك لتشمل كلّ ما أبدعتْه هذه العُقول المُختلفة على امتداد القُرون. ومثّل هذا آلافاً مؤلّفة من العلماء الذين كَتبوا من الكتب ما لا يَكاد يُحصيه إلاّ الله تعالى. ويكفي أن نرجع إلى كتاب مثل كتاب: "الفِهرست" لابن النديم، لنرى أنّ صفحاته الكثيرة التي تُعدّ بالمئات تَمتلئ بأسماء هؤلاء العُلماء وعَناوين مُؤلفاتهم الكَثيرة.
ثم كان من عَوامل كَثرة الكُتب والمُؤلَّفات: إنجاز حَركة التَّرجمة الكُبرى التي بدأت بواكِيرها منذ عهد الدولة الأموية، ثم اتسعت في عهد الدولة العباسية، ولا سيما في عهد خُلفائها الكبار من أمثال: المَنصور، والرَّشيد، والمَأمون. وهي حركة من أكبر حركات التَّرجَمة في التاريخ الإنساني...
١١.١ أسباب أهمية تحقيق التراث
...كلّه. وقد نُقِل فيها تُراث الحضارات واللغات السابقة على الإسلام إلى اللغة العربية، كالحضارة اليُونانية، والفَارسية، والهِندية، والمعارف التي جاءت من اللغات اللاتينية، والعِبرية، والسريانية، والقِبطية. وأصبحت اللغة العربية نتيجة لذلك هي المُستودع الذي اجتمعت فيه عُلوم الأمم والثقافات جَميعاً، وهي المَرجِع الذي يُرجَع إليه للتعرف على ما أبدعتْه عُقول هؤلاء من أصحاب هذه الحضارات واللغات. وأدّى ذلك إلى اتّساع اللغة العربية عن طريق النَّحت والاشتِقاق والتَّعريب والتَّرجَمة، كما أدّى ذلك إلى زيادة الكُتب والمُؤلّفات التي كُتبت بهذه اللغة العربية.
ثم يُضاف إلى هذا كلّه: أنّ اللغة العربية ما تَزال وستظل -بإذن الله تعالى- لُغة حَيّة لم تَمت، ولم تَنقرض كما ماتت وانقرضت لغات أخرى، ولم تتحوّل إلى لُغة مَحدودة مَحصورة في نِطاق مَحدود، كاللغة اللاتينية والسريانية ونحوهما... بل إنها لغة شعوب كَثيرة، تَكْتبها، وتَتكلّم، وتَتعَلّم بها. وما يَزال الناس فيها قَادرين على أن يَقرؤوا ويَفهموا ما كُتب بهذه اللغة منذ مئات السنين، وأن يتّخذوا من النُّصوص التي كُتبت بها نماذج تُحتذى، وغِذاء يُشبع العُقول، ويُثري الخَيال، بحيث يَمتد الاتصال بينها وبين اللغة المُعاصِرة التي يَستخدمونها.
وكان الفضل الأعظم في هذا كلّه للقرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى بهذه اللغة، فكان لها عِماداً وسِناداً، وقوة وعتاداً، وحافظاً وحامياً. وكان من ثَمرة هذا كلّه: أن التُّراث المَكتوب بهذه اللغة العربية أصبح تُراثاً ضَخماً جداً. وقد كُتب على مدى قُرون كَثيرة كِتابة يَدوية قَبل اختراع الطباعة، وعندما دَخلت الطباعة إلى العالم الإسلامي منذ نحو قَرنيْن من الزمان، بدأ الناس يَتّجهون إلى نَشر هذا التُّراث وطِباعته. وتمّ ذلك في أرجاء عَديدة من العالَم الإسلامي وغيره، ولكن ذلك لم يُؤدّ إلاّ إلى نَشر القَليل جِداً من هذا التُّراث الكَبير الضَّخم، الذي ما يَزال أكثره مَخطوطاً، أي: مَكتوباً باليد. ويُقَدِّر بعْض الخُبراء عدد المَخطوطات العَربية الإسلامية، التي كُتبت باللغة العربية في العالَم بنحو: ثلاثة ملايين...
ولهذه الأسباب كلها، يَنبغي العِناية بهذا التُّراث الإسلامي الضَّخم الذي لا بدَّ أن تُعنى الجامعات والمُؤسّسات والدول العَربية الإسلامية به عِناية كَبيرة؛ لأن ذلك يٌمثّل جُزءاً لا يَصحّ تَركه، بل يَجب العِناية به، اهتماماً بتُراثِنا، وتاريخنا، وحضارتنا، وأصالتنا، وحِفاظاً على هويّتنا. وهذا هو الذي يَجعلنا نُخصّص هذه المحاضرات من أجْل تَقديم فِكرة عِلمية جَيدة عن هذا الموضوع.
١١.١ أسباب أهمية تحقيق التراث
...مخطوط، مُوزّعة على عَديد من البلاد العربية، والإسلامية، كمصر، والشام، والعراق، والسعودية، واليمن، وتركيا، وغَيرها من مَكتبات العالَم المُختلفة، كالمَكتبات، والمَتاحف المَوجودة في إسبانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وأمريكا، وروسيا، والهند، وباكستان وغيرها...
وما تزال هذه المَخطوطات الكَثيرة تَحتاج إلى نَشر وتَحقيق، لأن ذلك يُحقِّق فَوائِد كَثيرة، منها:
الحِفاظ على تلك الثَّروة العَقلية الكَبيرة التي أبدعتها عُقول العَرب المُسلمين على امتداد القُرون، ثم استِكمال تلك الصُّورة العَقلية والثقافية التي تَدلُّ عليها هذه الكُنوز الغَالية، والتي بغَير مَعرفة ما فيها لا نَستطيع أن نُكوّن صُورة دَقيقة تَماماً لكلّ ما أبدعه المسلمون في مَجالات
العِلم المُختلفة.
ويُضاف إلى ذلك: إبراز جَوانب الأصالة العِلمية العَقلية العربية الإسلامية، وبيان تأثيرها في مَجرى الثقافة العالمية. ومن فَضل الله -
عز وجل-، أنّ كَثيراً من جَوانب هذا التُّراث كان تُراثاً مُشرِّفاً، وبَنَّاءً ومُؤثراً تأثيراً إيجابياً كَبيراً، شَهِد به المُنصِفون من أبناء الثقافات
والحضارات الأخرى؛ ومن هنا تَبدو الحاجة مُلحّة إلى العِناية بهذا التراث، وضَرورة تَهيئة وسائل نَشرِه وتَحقيقه، لتتحقّق تلك الغَايات
النَّبيلة المَرجوّة من وراء هذا النَّشر.
وقد اتجهت بعض الجامعات -إدراكاً منها لأهمية هذا التُّراث، وإسهاماً منها في نَشره- إلى تَشجيع اختيار بعض المَخطوطات للحُصول بها على دَرجات عِلميّة كالماجستير، والدبلومات ونحوها... ويَستَدعي هذا أن يَتزود الطُّلاب بقدر مناسب من المعلومات حول التَّحقيق وخُطواته، ومَراحله، ليكون ذلك هادياً لهم إذا ما رَغبوا في القِيام بهذه المُهمّة العِلمية الرَّفيعة.
وهذا ما سنحاوله في المُحاضرات التالية.