١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


عزيزي الدارس، يُعدّ هذا الجُزء النهائي من البحث عُنوان شَرف الرسالة العِلمية، ودليل صِدق المصادر والأصول التي نشأت عَنه؛ وهذا أمر أساسي في تَوثيقها، وفي اعتمادها من الناحية العِلمية. فليس هناك بحث عِلمي بدون مصادر ومراجع؛ لأن البحث العِلمي ليس رِواية، ولا مَسرحية خيالية، يُؤلّفها أديب أو قَصَّاص أو رِوائي مُعتَمِداً على خَياله. بل إننا هنا أمام عَمل عِلمي مَبني بصفة أساسية على المَعرفة بالمعارف العِلمية السابقة، ثم إنه يُضيف جَديداً إلى تلك المَعارف العِلمية السابقة؛ ومن ثَمَّ فلا بُدَّ من الرُّجوع إلى المصادر السابقة للتّعرّف على ما فيها من العِلم. فإذا ما رَجع إليها، فلا بُدَّ مِن إثباتها في بَحثه، لتكون بُرهاناً ودَليلاً على أمانته العِلمية، ولكي تُبيّن مَدى الجُهد الذي بَذله في معرفة آراء السابقين. وهو مُكلف من أجْل ذلك بأن يَنسب الآراء إلى أصحابها، مُعترفاً لهم بالفَضل فيما سَبقوا إليه مِن عِلم ومَعرفة. وإذا لم يَفعل الباحث ذلك، فإنه سيُتّهم بالسَّرقة وافتقاد الأمانة العِلمية، ونُكران الفَضل والجَميل؛ وهذا ما لا يليق بالباحِثين الأصلاء، كما أنه لا يليق بما تتطلّبه الأخلاق الإسلامية الرفيعة.

ما الذي تَكتبه في قائمة المصادر والمراجع في آخر البحث؟
نحن تَكلّمنا في مَرة سابقة عن كتابة المصادر والمراجع في الهوامش، وهذا مَوضوع آخَر. نحن الآن في الجُزء الأخير من البحث. قائمة للمصادر والمراجع لا بدَّ أن تُلحق في كلّ بَحث عِلمي، حتى ولو كُنَّا قد كَتبنا البيانات كَامِلة في أثناء الحَديث عن الهوامش التي سبق لنا الحديث عنها. ما الذي يُكتب ضِمن المَصادر والمَراجع، القائمة الكَبيرة، والفهرس الكَبير الذي يُوضع في النِّهاية؟



١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


أقول: يُدرَج ويُكتَب ويُسجّل ضِمن قائمة المصادر والمراجع: كلّ كتاب، أو بَحث، أو مَقال عِلمي، أو موقع على (الإنترنت)، أو أقراص ممغنطة، أو أي شيء استفاد منه الباحث فِعلاً في بَحثه، بأن أخذ منه نَصاً، أو اقتباساً، أو فِكرة، أو نَحو ذلك من وجوه الاستفادة؛ وهذا أمر يَتَّفق عليه كلّ الباحِثين.
وهكذا يَكتب الباحث في كلّ مصادره: كلّ كتاب أو مصدر رَجَع إليه فِعلاً واستفاد مِنه في البحث. هذا النَّوع من الكُتب استفاد مِنها فِعلاً، يَختلف عن نَوع آخر مِن المَصادر. ربما يكون الباحِث قد استفاد منه إفادة عامة في تَكوين فِكرة عَامة عن المَوضوع، أو في تأسيس ثَقافته حول التَّخصص، ولكنه لم يُضمّنه بَحثه فِعلاً، ولمْ يَذكره ضِمن البحث؛ الباحثون العِلميون مُختلفون نحو هذا النوع من المصادر الثانية: الذي كوّن الفكرة العامة ولكن لم يدخل في صَميم البحث. فبعضهم لا يرى بأساً في إدراجه ضِمن المصادر والمراجع، تكون مثل الكتب العامة ضمن المصادر والمراجع. وبعضهم لا يوافق على ذلك اكتفاءً بما رَجع إليه فِعلاً. والأفضل: أن لا يَكتب في البحث إلاّ ما رَجع إليه الطالب واستفاد منه فِعلاً في البحث.
وعلى كل حال، سواء اتفق الفريقان على هذا الأمر أو اختلفا فيه، فإن الفَريقيْن متّفقان على: أنه لا يَصح أن يُكتب في البَحث كُتب أو مَراجِع لم يَرجع إليها فِعلاً؛ لأن هذا نوع من الادّعاء الكاذِب. مثلا: يَكتب اسم كتاب ولم يَرجِع إليه، يُريد أن يُعلِّيَ مِن قِيمة البحث، أو يُريد أن يُكثِّر من عَدد المصادر والمراجع. يقول: أنا رجعت إلى خمسمائة مَصدر، فإذا فحصناها وغربلناها، وجدنا أنه رَجع إلى عَدد أقلَّ من ذلك؛ فإن هذا يُعَدُّ من الادّعاء الكاذِب والتَّغْرير بالقَارئ، وهو لا يَخلو من شَيء من التَّزوير. هذا مَمنوع شَرعاً ودِيناً ودُنيا، وعِلماً وحَياة. ونحن نَعلم أن الرَّسول...



١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


...-صلى الله عليه وسلم- يَقول: ((المُتَشبِّع بما ليس فيه كلابِس ثوبَيْ زور)). ويكون الذي يَفعل ذلك مِثل هؤلاء الذين يُحبّون أن يُحمدوا بما لمْ يَفعلوا؛ لأنه يُوهم القارئ أنه رَجع إلى هذه الكُتب وهو لم يَرجِع إليها فِعلاً، ويقول: مَن الذي سيَتَذكَّر هذا الكِتاب، أنني قَرأتُه أو لم أقرأه، استفدتُ منه أو لم أستفد منه؟ وأنا أكتب بَحثاً طوله خمسمائة صَفحة، فلعلّه في هامش لم يَقرأه الأستاذ... إلخ.. هذا نَوع من الخَديعة، ونَوع من التَّغْرير. وهؤلاء إذا رُزِقوا بأساتذة واعِين يَقِظين سوف يَنكَشفون أمامهم، سيَنكَشِف أمرهم أمام القَارئ المُتخصّص، وعندئذٍ لن يُفلتوا بالحُكم عَليهم بالخِداع والادّعاء وافتِقاد الأمانة العِلمية. فإذاً، اتفقنا على: أن نَكتب في المصادر والمراجع كلّ كتاب رَجَع الباحِث إليه.

كيف ننظِّم هذه الكُتب والمصادر والمراجع التي رَجع الباحث إليها؟
عندنا عدد مِن الطُّرق في تنظيم هذه الكتب. قد تَكون كتباً بالمئات؛ إذاً لا بدَّ أن يكون عندنا نِظام في تَرتيبها، في كتابتها، وهذه مسألة يَخفق فيها بَعض الباحثين للأسف الشديد، مع أنهم نَشؤوا في حَقل العُلوم الإسلامية ودَرجوا على ذلك، ولكنهم يَكتبون المَراجع بطَريقة تَدلُّ على عَدم وَعي، وعلى عَدم إدراك؛ وهذا من الأخطاء التي تُؤخذ على الباحِث، وتُقلِّل من دَرجة الجَودة للبحث، ومن التَّقدير الذي يُمكِن أن يَحصل عَليه الباحِث، لأنه لا بدَّ من تَرتيب حَسب نِظام مُعيّن. هذه الأنظمة في كِتابة الكُتب التي قد تَرجِع إلى مئات في بعض البُحوث، لدينا أكثر من وسيلة للتَّرتيب، أو من طَريقة، أو من نمط، أو نَموذج للتَّرتيب.



١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


الأول
النموذج الأول: الترتيب الهجائي الألفبائي لأسماء المُؤلِّفين: نَبدأ بالمؤلف مَبدوءاً باسم الشُّهرة أو اللقب، ثم الاسم، ثم بَعده تُذكر أسماء الكُتب. فنَبدأ بالمُؤلف، ثم أسماء الكُتب. هذه طَريقة. وإذا كان للمُؤلّف الواحد أكثر مِن كِتاب، كالمُؤلِّفين الكِبار من أمثال الغزالي -الإمام أبي حامد- صاحب "إحياء علوم الدين"، وفخر الدين الرازي، وابن تَيمية، وابن القَيم، وابن كَثير، وأمثالهم من العُلماء، فإنّ مؤلفاتهم تُرتبُ هي الأخرى تُرتيباً ألفبائياً بعد كِتابة اسمهم. ولا يَصح أن تُكتب كَيفما اتفق، تُكتب الميم قَبل الألف، وتُكتب العين قَبل التاء، هذا كَلام لا يَنفع ولا يُجدي، لا بدَّ من التَّرتيب.
وبعض الباحثين لا يُراعي عند التَّرتيب كلمة "أبو" أو كلمة "ابن"، ولا "ألِف ولام" التَّعريف، يعني: يُسقِطها كأنها غَير مَوجودة، لا بأس، لكن يقول هذا في الهامش تحت، يقول: نحن لا نُراعي كلمة: "أبو"، كلمة "ابن"، "ألف ولام" التعريف، بل يَحتسب في التَّرتيب الحَرف الأول الذي يَلي هذه الأمور. فابن القَيم مثلاً، يُمكن أن يأتي في: "ابن"، ويُمكن أن يأتي في حرف القاف من: "القيّم". فبعض الناس يَتجاهل، أو يَستبعد "ابن"، ويَستبعد "ألف ولام" التَّعريف، فَيكتب "ابن القيم" في حرف القاف، فيُذْكَر في حَرف القاف، و"ابن خلدون" في حرف الخاء، و"أبو هلال العسكري" في حرف الهاء، وهكذا... ـ ومن حق الباحث أن يختار، ولكن إذا اختار قاعدة ينفّذها، فلا يكتب مرة كلمة "ابن" يُراعيها، ومرة لا يُراعيها، لا بدَّ أن يأخذ القَاعدة وأن يُنفّذها تَماماً. وعليه أن يَلتزم نَمطاً واحداً وطَريقة واحدة في الكِتابة. وهكذا، إذا لاحظ كلمة "ابن"، يُلاحِظها في كلّ مَن اسمه "ابن": ابن كثير، ابن القيّم، ابن تيمية، ابن فلان، هكذا... لا بدَّ أن تُراعَى في هذه الأمور كلّها. وإذا استبعدها...



١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


...يَستَبعدها من الجَميع.

الثاني
الطريقة الثانية هي: مَقلوب هذه الطريقة الأولى: الترتيب بحسب عَناوين المؤلّفات؛ فتبدأ بعُنوان الكتاب، ثم تَذكر اسم المؤلف، ثم بَقية المَعلومات، دون أن تُراعيَ في الكتابة التَّخصصات، أو سَنوات النَّشر. فالكُتب المَبدوءة بحرف الألف تأتي أوّلاً، مثلاً: "إحياء علوم الدين"، "إلجام العَوام عن عِلم الكلام"، "الإبانة في أصول الديانة" لهؤلاء المؤلّفين، فتَكتب بحَسب تَرتيب الحرف الأول من عنوان الكتاب. ويمكن أن تُراعيَ "الألف واللام"، ويمكن أن لا تُراعيَ "الألف واللام"، كما تَشاء. ولكن تَأخذ نَمطاً وتُنَفِّذه. ثم تأتي بعد ذلك الكُتب المَبدوءة بحرف الباء، مثل: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، ثم "البَدء والتاريخ" للمقدسي، "بدائع الزهور" لابن إياس، وهكذا، وهكذا... تَنتقل إلى الكُتب المَبدوءة بحرف التاء، الثاء... إلخ... وهكذا تُرتّب حَسب عُنوان الكتاب، ثم تذكر اسم المؤلف.
وهاتان الطريقتان هما أشهر طريقتيْن في كتابة قَوائم المصادر والمراجع. لكن هناك طُرق أخرى فيها بعض الصُعوبات والتَّعْقيدات، ومحتاجة إلى الفَرز والتَّصنِيف، لكن لا بأس من أن نُشير إليها. وهي أقل شُهرة، وأقلّ استعمالاً إلاّ في بعْض المَجالات.



١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


الثالث
الطريقة الثالثة هي: تَرتيب المُؤلّفات حَسب المَوضوعات، فتُرتّب مَصادر التَّفسير وَحدها، ثم مَصادر الحَديث وحدها، ثم العَقيدة وحدها، ثم الفِقه وحده، ثم الأصول؛ كلّ على حِدة، مع تَرتِيبها تَرتيباً دَاخِلياً. وفي الفِقه: تُرتَّب الكُتب والمُؤلفات حَسب المَصادر: فمصادر الفِقه الحَنفي وحدها، ومصادر الفقه المالكي وحدها، ومصادر الفقه الشافعي وحدها، والحنبلي وحدها، وهكذا... وتُطبِّق هذا على كل المَوضوعات.
بالنسبة للتاريخ، تُقسِّم حَسب الأماكِن، والبُلدان؛ فالتاريخ المَشرقي غير التاريخ المَغربي، أو العصر المَملوكِي غير العصر العباسي، غير العصر الأموي، غير عصر الراشدين... إلخ... وهكذا في كل التَّخصصات. وهذه الطَّريقة فيها بعْض الصُعوبة، لأن الكِتاب الواحد قد يكون فيه أكثر من مَوضوع أو أكثر مِن تَخصّص، فيحتار الباحث في تحديد المكان الذي يَضعه فيه. لكن على كل حال، بعض الناس ينفذ هذا، والباحثون في الحُقوق يستعملون هذه الطَّريقة كَثيراً، أو في التربية يستعلمون هذه الطريقة كثيراً... إلخ...

الرابع
الطريقة الرابعة: يُمكن تَرتيب القوائم بحَسب طَبيعتها، فتُوضع المصادر الأساسية معاً، وتُوضع المراجع أو المصادر الثانوية معاً، وتوضع الدوريات والمقالات العِلمية معاً، وتوضع المخطوطات وحدها معاً. ولا يخلو الأمر هنا من صعوبة أيضاً؛ لأن الكتاب الواحد قد يكون مَصدراً ومَرجِعاً في وقت واحد، مثل: "تفسير ابن كثير" فهو مصدر فيما يتعلّق بآراء ابن كثير، ولكنه مرجع فيما يذكره من آراء الطبري، أو الإمام البخاري، أو...

ومن ثَمَّ يُمكن القول بأن الطريقة الأولى والثانية -أي: الترتيب بحَسب اسم المؤلف، أو بحَسب اسم الكتاب- هي أكثر الطُرق تَداولاً واستخداماً. ويُكْتَب في كلّ الأحوال بيانات كَامِلة عن كل مَصدر من هذه المصادر والمراجع، أو المَواقِع، أو البُحوث العِلمية... إلخ... تُكتب كل البيانات على النحو الذي سَبَقت الإشارة إليه.

١٠.٢ كيفية كتابة قائمة المصادر والمراجع


...نحوهما... وقد يُضطَر الباحِث الذي يَستخدم هذه الطريقة لِوضع الكِتاب في أكثر من مَوضع بسبب ذلك.

الخامس
الطريقة الخامسة: وهي طَريقة عَجيبة، ولكنها مَوجودة: طَريقة التَّرتيب الزَّمني حَسب تَواريخ النَّشر، وهي طريقة صَعبة، لأن بعض الكتب قد لا يذكر فيها تاريخ النَّشر.