١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


عزيزي الطاب، كنّا نتحدّث في المحاضرة السابقة عن شُروط الكتابة الجيِّدة، وذكرنا عدداً من الشُّروط وصل إلى عَشرة، وهي تَستوفي البَحث من جَوانِبه كُلّها: من ناحية الكتابة، من ناحية الأفكار وعَرضها، من ناحية الوُضوح، من ناحية السلامة، من ناحية الدِّقة، العلامات الإملائية، إلى كل هذه الأمور التي سَبق الحَديث عنها... وكنا نتحدث في آخِر ما تَحدثت عنه، عن إعطاء عِناية كافية لنَقل الآيات القرآنية، وكذلك نَقل الأحاديث النبوية وتَخريجِها. وأريد أن أتوقّف قَليلاً عند هذا الشرط، لأنه شَرط مُهمّ، وعلينا أن نلتَزمه التزاماً دَقيقاً وحَرفياً.

العناية بنقل القرآن:
لا يصحّ أن ينقل القرآن خَطأً، ولا أن نَتقبّل أن يقع فيه خَطأ في الكِتابة، ولا في التَّرقيم، ولا في أسماء السُّوَر، ولا في أيّ شيء يتعلّق بالكتابة لآيات القرآن الكريم، التي دَرج العُرف على كِتابتها بالخَطّ العُثماني. وفي بعض الأحيان تَنزل من على (الكمبيوتر)، وفيها شيء من التَّطوير؛ لكن المهمّ هو الدِّقة في نَقل الآيات القرآنية.
وفيما يَتعلّق بنَقل الأحاديث النَّبوية: لا بدَّ مِن العِناية بتخريج الأحاديث النَّبوية؛ بمعنى: أن يُذكر كلّ شيء يَتعلّق بهذا الحَديث النَّبوي. إذا كان رواه البخاري نكتب: رواه البخاري، كتاب كذا، باب كذا، رقم كذا إذا تيسّر.
الآن عن طريق الأقراص الممغنطة يُعْرف الرَّقم أيضاً. إذا كان قد رواه مسلم نُبيّن مَوضِعه في كتاب مسلم. هذا هو التَّخريج. لا يَصح أن أقول: "رواه الشيخان" فقط؛ هذا ليس تَخريجاً، وهو أمر لا يليق في البُحوث العِلميّة، وإنما تُحدّد المَواضع التي يُمكن لنا أن نَرجِع فيها إلى هذه ...


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


...الأحاديث في الكُتب التي جاءت فيها. وإذا قُلنا على سبيل المثال: "رواه الشيخان"، لا بُدَّ أن أحدّد أن اللفظ مُتّفق أو ليس مُتّفقاً عليه. فإذا كان اللفظ لأحدهما أحدِّده: أقول: رواه الشيخان واللفظ للبخاري، أو رواه الشيخان واللفظ لمسلم، أو رواه الخمسة إلاّ فلاناً، أو رواه الإمام أحمد في "مُسنده"، جُزء كذا، صفحة كذا، أو رواه الطبراني في "الأوسط"، جُزء كذا، صفحة كذا... إلخ...
إذاً لا بُدَّ أن أحدّد المَوضع الذي ذُكر فيه الحَديث، ولا ينبغي التهاون في هذا الأمر، وخُصوصاً في حَقل الثقافة الإسلامية، وفي حَقل العُلوم الشرعية. فإذاً لا بُدَّ من العِناية بمثل هذا الأمر. بعض الناس لا يَهتم في أقسام العقيدة، ربما يقول: أنا لَست مُتخصصاً في عِلم الحديث. لا! أنت يَنبغي أن تَتَخصص أو تَسأل المُتخصِّصين، أو تَستعين بمن يُعِينك على تَخريج هذه الأحاديث، لأنه لا يصح استخراج العَقيدة من الأحاديث الضَّعيفة، ولا من الأحاديث المَوضوعة المَنحولة كذباً على الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وبعض الناس يأتي بأمور شائعة على ألسنة الناس وهي ليست من الأحاديث، ويظن أنها أحاديث. فإذاً لا بُدَّ من الدِّراية بهذا الأمر، وحتى لو احتاج أن يأخذ دَورة في هذا الأمر، أو يَستعين بأهل الاختصاص؛ لكن أن يَترك الأحاديث مُجرّدة هكذا دون تَخريج، فهذه مَسألة لا تَليق ولا تَجوز في مَجال البُحوث الإسلامية.
ولَعلِّي ذَكرتُ هذا الأمر على هذا النحو، وربما أعود إليه مَرة ثانية عند الحَديث عن تَحقيق المَخطوطات، وهي قِسم أساسي مِن المَنهج؛ ولكنني أكتفي الآن بالقَول بأنه لا بُدَّ من عَزو الآيات القرآنية إلى مَواضِعها من المُصحف الشريف، وعَزو الأحاديث النبوية، أو تَخْريجِها. والتَّخريج مَرحلة أعلى مِن العَزو، بمعنى: أنه يَحْكُم على الأحاديث نَفسِها في غير البخاري ومسلم، فيقول: هذا حديث حسن صحيح، أو يأتي بتَخريج التِّرمذي له، أو بتخريج أبي داود، أو النسائي، أو نحو ذلك من العلماء الأعلام، أو تخريج أحاديث "إحياء علوم الدين"، أو الحاكم في...


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


..."المستدرك"، أو الطبراني في كذا، أو كتب الأحاديث وهي كثيرة، ما أكثرها! وزادها الله بَركة، وزاد علماءنا فضلاً، وتَقبَّل الله منهم أعمالهم، لكن لا بُدَّ من الإفادة من هذه الجُهود، وعَدم ذِكر الأحاديث مُجرّدة من غير تَخريج، أو عَزوٍ لها على الأقل؛ لأن هذا يُعطي البحث متانة وقوّة، ويُؤسس الأدلة على براهين قَوية. ومعنى ذلك: أنه لا بُدَّ من العِناية البالغة بهذا الموضوع.
وإنّ ممّا يُؤسَف له في بعْض الأحيان، عندما تُناقش بعض الرسائل، أنه لا يكون الباحثون قد أعطوا هذا الجانِب عِناية، يقول: أنا باحث في اللغة العربية، فما لي وللحديث؟ لا! أنت مُكلّف بهذا الأمر. مثلا: أنا باحث في التاريخ الإسلامي، ولماذا أوثّق كذا وكذا؟ نعم. أنت مُكلّف في مثل هذا الأمر. مثلاً: في "السَّقيفة" عندما يتردّد القول بين المتحدِثين فيها، ربما يأتي حديث:((الأئمة من قُريش))، فلا بُدَّ من تَخريجه، ولا يمكن أن يُذكر هكذا بدون تَخريجه، كأننا نتحدث عن كلام أي شخص؛ بل إننا في كلام أيّ شخص لا بُدَّ أن نُوثِّقه بذِكر المَرجِع والمَصدر، فمِن باب أوْلى أن يُوثَّق حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهذه مسألة لا بُدَّ من العِناية بها.
التّأكّد مِن مُطابقة التَّرقيم الذي في الأصل أو في المَتن، مع تَرقيم الهوامش في الصفحة نَفسها. يعني: عندي في الصفحة خمسة هوامش، خمسة في المتن؛ فلا بُدَّ أن يكون عِندي خَمسة هوامش، أو الخامس سيكتمل في الصفحة التي تليها. لا يكون عندي فوق خمسة، وعندي تحت أربعة؛ لا بُدَّ من إقامة هذا التَّوازن. يعني: نتأكّد من تَنفيذ الهوامش التي وضعنا لها أرقاماً، فربّما نكون قد وضعْنا رقماً لا هامش له. فإذا اكتشفنا مثل هذا الأمر، فلا بُدَّ من إدراجه وإكماله في الصفحة نفسها كما يرى البعض، أو في آخِر الفصل كما يرى البعض، أو في آخِر البحث على حَسب ما يرى البعض، على حَسب الطُرق الثلاث التي تَحدثنا عنها من قبل.


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


أن يُعنَى الباحث عِناية فائقة بالمُقدّمة، لأنّ المُقدمة هي أوّل ما يَلتقي به القارئ، هي: عُنوان البحث لأنّ فيها تَوضيحاً لأهمية البحث، وأسباب اختياره، والنتائج المَرجوّة من وراء القيام به. طَبعاً نحن لا نَكتب في المقدمة النتائج النهائية، وإنّما النتائج النهائية تُذكر في الخَاتمة؛ إنما يقول: أنا أسعى إلى تَنفيذ كذا، أو إلى الوصول إلى كذا، أو إلى بَيان كذا؛ فهذا هو الذي يُعْطَى في المُقدّمة. فلا بُدَّ من العِناية بالمُقدّمة جِداً. والمُقدمة -كما يَنبغي العِلم- هي آخر ما يُكتب من البحث. بعد أن يكون البحث قد استقر، وعلى طَريقة خَاصة، ووصَل إلى ثَبات، بعد القراءة حتى من المُشرف، لا بُدَّ أن نَعود لكي نَكتب المُقدمة كِتابة تَتلاءم مع البحث الذي كَتبته، وتَكون مُعبِّرة عَنه تَماماً، بحَيث لا أكتب فيها شيئاً لا يأتي في البحث، ولا أذكر فيها مَوضوعات لا تَرد في البحث.
وإذا جاءت أقلّ من البحث، فإن ذلك يؤخذ أيضاً على الباحث؛ فلا بُدَّ من العِناية بالمُقدمة عِناية بالِغة، لأنها أوّل ما يَلتقي به القَارئ، وهو يُعْطي تَقديراً أوّلياً للباحث عِند قِراءته للمُقدمة. فإذا لم تَكتب بعِناية فإن القارئ يُعرض عن البحث، وربما لا يُحسن تَقديره تَقديراً حقيقياً فيما بعد. هذه مسألة خَطيرة، وشَديدة الأهمية في الحقيقية.
ثم عليه كذلك أن يَهتم بخَاتمة البحث، التي تَتركّز فيها أهم النتائج، وفيها يَظهر بجلاءٍ ما أضافه الباحث من نتائج وإضافات عِلمية جَديدة للبحث العِلمي. ومن الطبيعي، مثلما اهتممنا بالمُقدّمة، أن نَهتم بخَاتمة البحث أيضاً، لأنها هي التي تَتركّز فيها أهم النَّتائج، وفيها يَظهر بجَلاء ما أضافه الباحث من نتائج، وما قدّمه من جديد للبحث العلمي. وربما يكتفي بعض القرّاء من غير المشرفين، وغير الأساتذة المُحكَّمين في البحث فيما بعد ذلك، بأن يقرأ مُقدّمة الرسالة وآخر الرسالة؛ ولذلك لا بُدَّ من العِناية بهما جداً، لأنهما هما الصورة الحقيقية التي يظهر عليها البحث، وما بين...


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


...ذلك هو تَطبيق للمُقدّمة وتَمهيد للخَاتمة.
فإذاً لا بُدَّ من الاهتمام بهذا المَوضوع، لأن الخَاتمة هي الجُزء النِهائي من نُصوص الرسالة، وهو آخِر ما تَقع عليه عَين القارئ من صَميم البَحث، وهو الذي يُحْدث الانطِباع الأخير لَدى القَارئ. يعنى: آخر ما يَنطبع في ذِهن القَارئ؛ ومن ثَمَّ تَحتاج إلى عِناية شَديدة في ترتيب الأفكار وجَودة الصِّياغة، واختيار الجُمل والعِبارات المُعبِّرة، وإيضاح النتائج التي تَوصّل الباحث إليها، كما أنه قد يَكون بَعض التَّوصيات التي تُوصي باستمرار البَحث في هذا المَجال، أو اقتراح بَعض المَوضوعات التي قد يَستفيد منها الباحث نفسه أو غَيره من الباحثين. وطبعاً القارئ الذي يَقرأ البحث صَبر طَويلاً إلى أن يصل إلى هذه النقطة لكي يحصل في النهاية إلى شيء له قيمته، فلْيجتهد الباحث في إشباع رَغبة القارئ وإعطائه انطباعاً حَسناً عن البحث، من حَيث الأهمية، ومن حَيث الأفكار، ومن حَيث الصِّياغة، ومن حَيث النتائج، ومن حَيث التَّوصيات.
ولعلّ هذه الشروط التي تَحدثتُ عنها هي أهمّ الشروط التي يَنبغي تَوافرها في البحث العِلمي، لتحقيق مُستوىً جَيّدٍ من الكتابة. فعلى الباحث أن يَزن بَحثه بهذه المَوازين، كل مَوضوع على حِدة، الأسلوب جيّد أو ليس بجيِّد؟ الصِّياغة حَسنة أو ليست حَسنة؟ المنهج مُطّرد أو غير مُطّرد؟ البحث فيه استطراد، أو ليس فيه استطراد؟ المَوقف من الآخرين جيّد أو فيه حِدَّة؟ شخصية الباحث ظاهرة أو ليست ظاهرة؟ النتائج التي ذُكرت، ذُكرت بعِناية أو بدون بعِناية؟ هذه كلّها مَوازين، إذا عَلِمها أوّلاً، وضعها نُصب عَينيه وهو يَكتب، وكان حَريصاً على تَطبيقها وعلى تَأكيدها، فإن ذلك سَوف يُؤدِّي به إلى أن يُقدِّم عَملاً جيداً. فإذا راعى هذا كلّه، طبّق هذه المعايير والقَواعد كلّها، فإنه يَستطيع أن يتقدّم بعَمله إلى مُشرفه بقَلب ثابت، لأنه يَعْلم الجُهد الذي بَذَله، ويَعْلم المَعايير التي لاحَظها، والضَّوابِط التي نفَّذها، وكَتب كل ما أمكنه له أن يُدْركه من شروط...


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


...البحث العلمي؛ فعِندئذٍ يتقدّم -كما نَقول- بقَلب جَريء إلى المُشرف ليَنظر في عَمله نظر الأستاذ المُتمرِّس الحَريص على هذا الطالب، الحَريص على أن يَكون عَمله مُشرِّفاً له وللمُشرف أيضاً.
طَبعاً، ربما يَرى -وهذا طَبيعي- ما لا يَراه الباحِث نَفسه، وربما يَستطيع أن يُدرك بَعض الفَجوات، أو بعض الأخطاء، أو بَعض النَّقص المَوجود في المَصادِر، أو في المَراجِع، أو المُعالجة العِلمية، ولكن نحن نقول: إذا كان الباحث على صلة وثيقة ومستمرة بأستاذه في أثناء كتابة البحث، ويَعْرض عليه الأمور أولاً بأول، ويُعرّفه بالمشكلات التي يُواجهها، ويأخذ منه بعض الحُلول أو المُعاونات لحَلّ هذه المُشكلات، ثم كان الطالب على دِراية جيّدة بطَريقة أستاذه في الكتابة ومَعْرفة الأمور التي يُركِّز عَليها، والطُرق التي يَهتمّ بها، والتيارات والخُطوط التي يَسعى إلى تَثبيتها وتأكيدها، لأن الأستاذ يَتكوّن لديه مَدرسة عِلمية، فكلما اقترب الطالب منه، أصبح على دِراية بشخصية أستاذه، وبمعرفة ما يُركِّز عليه. فإذا كان الأمر كذلك فإنّنا مِن المُتَوقَّع أن نجد تَوجيهات أستاذه أو ملاحظات أستاذه قَليلة، لأنه رأى البحث وهو يُولد خطوة خطوة. أمّا إذا حَدث العَكس، فإن له أن يَتوقع مُلاحظات كَثيرة جِداً.
بعْض الباحثين يُسجّل المَوضوع، ثم يَذهب فلا يَراه المُشرف إلا بعد سَنتيْن، أو بعد سَنة، أو بعد سِتة أشهر، أو يأتي له بالبحث كاملاً. بعض النُّظم في الجامعات تَسمح بذلك، يعني: أن يَغيب عن الأستاذ كلّ هذه الفَترة الطويلة، فهذا يَرعى في خَلاء، ليس له مَن يَقوده ولا مَن يُوجِّهه. لكن عندما يكون قَريباً من المُشرف يَتعلّم، ويَتعوّد، ويَستكشف، ويَحضر المُناقشات العِلمية، ويَرى كَيف يُعامل الطَالِب في أثناء مُناقَشته بأن يَحضر رسائل ماجستير، ورسائل الدكتوراه، والحَلقات العِلمية، و المجالس العلمية، والدورات... إلخ... هذا يُزوِّده بخِبرات ومَهارات لا يُمكن...


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


...يُمكن اكتسابها إلاّ بهذه الطَّريقة. فإذا كان الأمر كذلك كان قَريباً من المُشرف، ستكون مُلاحظات المُشرف قَليلة جِداً، ويقول له: اذهب على بَركة الله واطبعْ، أو أجْر تَعْديلاً يَسيراً في المَكان الفُلاني، أو احذف الصفحة الفُلانية، أو المَرجِع الفُلاني أو نحو ذلك... على سبيل المثال.
لكن العَكس خَطير، إذا ابتعد عن الأستاذ، وابتعد عن القِسم، وابتعد عن مُناقَشة الرسائل العِلمية للآخرين، فله أن يَتوقّع أن تَكون التَّعْديلات كَبيرة، وقد تَقْلِب البَحث رَأساً على عَقِب، وقد يَقْترح عَليه الأستاذ المُشرف إضافة فَصل كامِل، أو باب كامِل، أو حَذف فصل كامِل أتعب نَفسه في قِراءته وجَمْع المادة العِلمية له، وصِياغَته، وطِباعته، وتَصحيحه... ولكن يبدو في النهاية أنه ليس ذا أهمية كَبيرة، لأنه تَصرّف على غَير التزام بالخُطة، وكان بَعيداً عن المُشرف؛ فالمُشرف سَوف يُطالِبه بالتَّعْديل، وبالتَّغْيير وبالزيادة وبالنُّقْصان... وعلى أية حال، العَلاقة بالمُشرف مُهمّة جِداً، وعندما يُقدّم له عمله مَكتوباً في النهاية، سوف تَكون تَعليقات المُشرف على حَسَب عَلاقة الطالب أو الباحِث به؛ فإذا كانت علاقة قَريبة ستكون المُلاحظات قَليلة، وإذا كانت العلاقة بعَيدة فإن المُلاحظات ستكون كَثيرة جداً. وكما قُلت مُنذ لَحظة، قد يَنْقَلب الأمر رأساً على عَقِب. وهكذا فالباحِث على كلّ حال مُكلّف بأن يَستَمع إلى نصائح أستاذه وتَوجيهاته، وأن يَعْمل على تَطبيقها، ويُمكن له أن يُناقِشه فيها، وأن يُقْنعه برأيه إذا كان له رأي يُريد الدِّفاع عَنه، ولكنه لن يَستطيع أن يُلزِم المُشرف بقَبول رأي ليس لَديه مِن الحُجج ما يُؤكِده، ولا من الأدلة والبَراهين ما يُؤيّده. فعلى كل حال، من حَقّه أن يُناقِش، ومن واجِب الأساتذة والمُشرفين أن يَستمعوا، ولكن في حُدود المُواصفات والمَواضعات العِلمية.
وبعد أن قرأ الأستاذ المُشرف البحث، وكتب مُلاحظاته وتَوجيهاته، وقدَّمها للباحِث، فعلى الباحِث أن يَتأمّل هذه المُلاحظات، وأن يُنَفّذ هذه التَّوصِيات، وأن يُعدِّل على حَسب ما طَلب المُشرف مِنه. فهو مُكلَّف بهذا، وعليه أن يُنَفِّذه في البيت عِنده، ثم يعود بالبحث مرة ثانية إلى...


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


...إلى المُشرف لكي يتأكّد المُشرف من تَطبيق التوجيهات العِلمية التي قدَّمها له. يعني: لا يصحّ أن يَخْدع المُشرف، يقول: أنا فَعَلت، وأنا طبّقت، وأنا نَفَّذت، وهو لم يفعل ذلك؛ لأن البحث العلمي لا يقوم على الخَديعة. ولا يَصحّ من المُشرفين أن يَتركوا الأمر للطالب، لأن الطالب يُريد أن يُنهيَ العمل، في بعض الأحيان يُريد أن يُنهيه على أي نحو كان. ربما كان وقته ضَيقاً، ربما كان مُرتبطاً بمَواعيد إذا انتهت سيُلغى بَحثه، أو نحو ذلك... لكن لا بُدَّ من المُشرف أن يتأكّد من تَطبيق التوجيهات التي قدَّمها للطالب. وليس من الغَريب أن يُقال هنا: إن بعض الطلاب يَكتبون بُحوثهم مرتيْن وثلاث مرات، وربما أكثر. وقليل من الطلاب مَن يَكتبون بُحوثهم من أوّل مرة... لكن على أية حال لا بُدَّ من متابعة المُشرف إلى أن يقول: البحث صالِح للمُناقَشة؛ عندئذٍ سوف يَقوم الأستاذ المُشرف بإعطاء ما يسمَّى: إذن الطَّبع على البَحث. يعني: يَكتب على صَفحة العُنوان: "البحث صالح للطباعة"، ويُعطي إذناً بطِباعة هذا البحث، فيذهب الطالب لكي يُنفّذ المرحلة الأخيرة من المراحل التي سيَلتَزم بها حتى يَنتهيَ العَمل.
وينبغي أن تلاحظ أنه ليس هناك حَجم مُحدّد للبَحث، ولكنه يَزيد ويَنقص على حَسب مَوضوعِه، وعلى حَسب المادة العِلمية التي تمّ جَمعها، ونَوع التَّخَصص الذي يَتِم البَحث فيه. البُحوث العِلمية التي تتمّ في المَجالات العِلمية، يعني: في كلية العُلوم، الطب، والهندسة، ونحوها... في الكيمياء، والطبيعة والجيولوجيا، والفلَك... إلخ... تكون البُحوث ذات حَجم صَغير في العادة، يعني: ليست ذات أحجام كَبيرة. أمّا البَحث في المَجالات الأدبية فيَكون في العَادة أكبر من ذلك، وأكبر من الأحجام المَوجودة في العِلمية (العُلوم).


١٠.١ تكملة شروط البحث الجيِّد


وإذا كان الباحث يُحقّق مَخطوطاً على سبيل المثال، فقد يكون المَخطوط كَبيراً جِداً، وقد يَصل البَحث إلى آلاف مِن الصفحات. المَفروض طَبعاً: أنّ الباحِث والأستاذ المُشرف يَتنبهان من البِداية إلى أن الحَجم يَنبغي أن يَكون مَعْقولاً أيضاً، حتى يُمكن أوّلاً جَمْع مادّته والقِيام بشُروطه، ثم يُمكن قِراءته فيما بعد ذلك، ويمكن للباحِثين الكِبار الذين سيُحكّمون في البحث أن يَقرؤوه بسُهولة. فلا يُعْقَل أن يَكتب واحد رسالة دكتوراه ثلاثة آلاف صفحة، هذا يَحدث في بعض الأحيان، وهذا أمر شَديد المَشاقّ على الناس جَميعاً: على الطالب، وعلى الأستاذ، وعلى لِجنة المناقشة. ومثل هذا العَمل الكَبير يُمكن أن يُقسّم أقساماً وأن يَتولّى القِيام به عَدد من الباحِثين.
فليس هناك حَجم مُحدّد على كل حال، والأساس والمَدار في الأمر كُلّه على التزام التَّركيز في العَرض، والبُعد عن الإطناب والإسهاب؛ وهذا مِعيار هام من مَعايير الجَودة، التي يَنبغي ملاحظتها في تَقويم البُحوث العِلمية. ولعل بَحثاً مُركزاً ذا حجم متوسط، يعني: (مائتا صفحة، أو ثلاثمائة صفحة) على سبيل المثال في البُحوث الأدبية، يَكون أكثر قِيمة وجَودة من بَحث طَويل مليء بالاقتباسات، والاستطرادات، التي تؤدّي إلى تَرهُّل البَحث وعَدم تماسُكه. فليست العِبرة بالكَم، ولكن بالكَيف، والجَودة والدِّقة، والتَّركيز، ومقدار الإضافات العِلمية التي يَتوصّل الباحِث إليها في بحثه؛ وهذا ما ينبغي أن يحرص عليه الباحِثون.