٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


عزيزي اطالب، نحن هنا سنتحدث عن كتابة الهَوامِش أو الحاشية. كيف تكتب هَوامِش البحث؟ وأين تكتب هَوامِش البحث؟ وهذه مسألة تنظيمية وإجرائية مهمّة ينبغي العِناية بها وملاحظتها.
ولكي نوضّح ذلك نقول:
إنه ينبغي أن يكون لدى الباحث المَقدرة على التَّفريق بين ما يُكتب في صُلب البحث، وما يُكتب في هامِشه. فهناك معلومات مهمّة أساسية، وهذه مكانها: أن تُكتب في مَتن البحث، وصُلب البحث، أو في الجُزء العُلوي من الورقة التي يَكتب الإنسان عليها.
وهناك معلومات أخرى أقلّ أهمية، وهذه ينبغي أن توضع في هَوامِش البحث، وحواشيه.
والمقياس في هذه التفرقة هو: أنّ أيَّ فكرة أو فقرة متّصلة بالبحث اتصالاً مباشراً، توضع في صُلب البحث، أو في مَتنه، أو في الجزء العُلوي منه. أمّا ما كان يتّصل بالبحث اتصالاً جانبياً هامشياً، ليس على الدرجة السابقة من الأهمية، فإنه يوضع في هَوامِش البحث وحواشيه.
وينبغي عدم الخَلط بين الأمريْن؛ لأن ذلك يدلُّ من جهة على عَدم إدراك الباحث بين ما هو أساسي، وما هو غير أساسي؛ وهذا ليس شيئاً جيداً في حق الباحث. فلا بُدَّ أن يُفرّق بين ما هو جَوهري، وبين ما هو أقلّ جَوهرية، أو ما هو هامشي. فإذا خَلط بينهما فإنّ هذا يدل على عَدم دِرايته بما هو جَوهري في البحث، وبين ما ليس كذلك؛ ثم يؤدي هذا الأمر إذا وقع دون تَمييز دَقيق بين الأمريْن، يؤدِّي من جهة ثانية إلى إرباك القارئ عند قِراءته للبحث. والأمر الأول إذا كان يتعلق بالباحث فهو مهمّ، والأمر الثاني إذا كان يتعلق بالقارئ فهو مهمّ أيضاً؛ ولذلك ينبغي أن نُراعيَ هذه المسألة بدِقة وأن نلاحظها تماماً، حتى نَبرأ من هذيْن العيبيْن.



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


ويوضَع في الهوامش:
والذي يوضع في الهَوامِش أشياء متعدِّدة، ومن أهمها:

أولاً
أسماء المَصادِر والمَراجِع التي رَجع الباحث إليها في جَمع مادته العِلْمية؛ فتُذكر أسماء المَصادِر، وتُذكر بياناتُها، كما قلنا: اسم بلد الطبع، ومكان الطبع، والمكتبة، وتاريخ الطبع، والجزء... إلخ... فتُذكر في الهَوامِش سواء أكانت مَطبوعة أم مَخطوطة، وسواء أكانت من كُتُب، أو من وسائل حديثة، كالأقراص المُمغنطة، أو المواقِع المَوجودة على (الإنترنت). لا بُدَّ أن أكتبها حتى يستطيع القارئ الذي يُريد أن يَتوسّع في معاني هذه الكلمات، أو الذي يُريد أن يتأكّد من وجود هذه النُّصوص فيها، أو المعلومات فيها، لا بُدَّ أن أكتبها له حتى يستطيع أن يَرجِع إليها بنفسه ليستزيد، أو ليتأكّد. والباحث مُكلف بكتابتها، لا يُمكن أن يأخذ كلام الآخرين ثم يَضعه بين قَوسيْن، ولا يُبيّن المصدر الذي أخذ منه. فلا بُدَّ أن يفعل ذلك تَوثِيقاً لآرائه وأفكاره. ولكنه لا يَكتُبها في صُلب البحث، بل يَكتُبها في الهامش؛ لأنه إذا كَتب هذه البيانات في صُلب البحث سوف يَقطع تسلسل الأفكار، ويَشغل القارئ ببعض المَعلومات التي يمكن أن تُوضع في أدنى، أو في أسفل، أو حتى في آخر الفصل -كما سنتحدث عنه بعد قليل-.
فيُشار برقم في أعلى الصفحة، ويقابله في أسفل الصفحة عند مَن يَختار أن تكتب الهَوامِش في نَفس الصفحة، المَعلومات المتعلّقة بتلك...



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


...المَصادِر وبتلك المَراجِع التي رَجع إليها؛ هذا نوع من الموضوعات التي توضع في هَوامِش الصفحات.

ثانياً
ذِكر بعض الإيضاحات أو الشُّروح لِما جاء في المَتن أو النص:
كأن يكون في النص كلام عن عَلَم من الأعلام، شخصية من الشخصيات، فيَكتب في الأسفل تَعريفاً بهذه الشخصية، أنه: فلان الفلاني، أن مؤلفاته كذا، وأنه وُلد في الوقت الفلاني، أنّ شيوخه: فلان وفلان، أنه التقى بفلان، أن من أهمّ آرائه الرأي الفلاني، ... إلخ. فنَكتب هذا في أدنى الصفحات، ثم نَكتب المَراجِع التي أخذنا منها هذه المَعلومات.
ربما تمّ ذلك أيضاً مع شرح معنىً لغوي. وهذه طريقة سوف نتحدّث عنها مع طُرق أخرى مُتاحة وممكنة، وللباحث أن يَختار منها ما يشاء.
ربما يأتي معنى اصطلاحي، والمعنى الاصطلاحي يحتاج إلى إيضاح، وإلى بيان، كأن يأتي مثلاً: في عِلم أصول الفقه: "مسالك العِلّة"، ما معنى "مسالك العِلة"؟ أو عندما يأتي أي مُصطلح من المصطلحات: "السَّبْر"، "التقسيم"، "تَنقيح المَناط"، مثلاً، هذا في عِلم أصول الفقه.
ـعندما يأتي تخريج الأحاديث، فيقال عنه: "حديث مُنْقطع"، يُعَرَّف الحديث المُنْقطع في أدنى الصفحات، أو "حديث مُضطرب"، أو "حديث فيه إدراج".
يَكتب هذا الكلام في أسفل الصفحات، ولا يَكتبه في مَتن الصفحة نفسها؛ لأنّ هذا يقطع السياق، ويمنع التسلسل، ويؤدّي إلى الإثقال على...



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


...المَتن بما حقّه أن يوضع في أدنى الصفحات، أو في هَوامِش الصفحات.
وربما يأتي برأي من الآراء لشخصية يتحدّث عنها، فيَكتب في الهامش "أنّ هذا الرأي سبق لغَيره"، "أن قال به مثل فلان، انظر: كتابه كذا"، أو "تأثر بهذا الرأي فلان، انظر كتابه كذا".
وهكذا يُعطي مَعلومات إضافية، ليست من صُلب البحث، ولكن هي مُهمّة، وإنما تُوضع في الهَوامِش التي تُعدّ إكمالاً واستكمالاً لتلك المعلومات الأساسية التي جاءت في البحث. ومثل هذه الأفكار كما هو واضح، ومثل هذه الأمور، ينبغي وضعُها في الهامش حتى لا تُؤدّي إلى قَطع التَّسلسل، أو إزالة الارتباط بين الأفكار.

ثالثاً
إحالة القارئ إلى مكان آخَر من البحث، سواء أكان المكان فيما سبق، أو فيما سيأتي. كأن يتحدث عن فِكرة ويقول: "درسْنا هذه الفِكرة"، أو "دَرست هذه الفِكرة بالتفصيل في الصفحات كذا في الفصل الأوّل"، أو "تَمَّت دِراسة"، لا نقول: "دَرست". ونحن كُنا نَتحدث قَبل قَليل عن عَدم استعمال ضمائر المُتكلّم، يقول: "سبقت دراسة هذه الفكرة في الفصل الأول"، "انظر: صفحة كذا"، أو "ستأتي مناقشة هذه الفكرة في الفصل القادم. انظر: صفحة كذا"، وهكذا...
وبطبيعة الحال، لا يَتمكَّن الباحث من تحديد صفحات هذه الإحالة بدِقّة، إلا عند كتابة البحث بصورة نهائية، لكن يَكتب أرقاماً مؤقّتة، لأنه لا...



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


... يَدري ربما يَزيد فكرة فيما سَبق، وربما يَحذف مما سيأتي، ربما تُحذف الفكرة نفسها أصلاً. المشرف يقول له: "لا نحتاج إلى هذه الفكرة"، فيُلغي هذه الإحالة أصلاً في الهَوامِش، وهكذا؛ ولكن عليه أن يَتذكّر أنّ الفِكرة إذا نُوقِشت في مكان، عليه أن يُشير إلى المكان الذي تَمَّت فيه مُناقشة هذه الفِكرة.

رابعاً
الإشارة إلى مَصادِر أخرى، ومَراجِع أخرى غنيّة بمعلومات يَرى الباحث أنها مهمّة للموضوع بصفة عامة، وإن لم تَكن لها نفس هذه الأهمية بالنسبة لبحثه الخاص. يَعني: معلومات مُهمّة، لكن مهمّة بصفة عامّة، وليست مهمّة لبحثه خُصوصاً. إذا كانت مهمّة لبحثه خُصوصاً توضع في المَتن، في أعلى، لكن إذا كانت مهمّة بصفة عامّة، فإنه يُمكن الإشارة إليها في الهَوامِش: "يُمكن التَّوسع في هذه الفِكرة في الكُتب كذا وكذا وكذا، صفحة كذا وصفحة كذا"، فيُعطي للقارئ مَزيداً من المَراجِع. وهذه تُعطي فرصة لمن يشاء التوسع في دارسة هذا الموضوع، أن يَرجِع إلى هذه الكتب التي تفضّل بها الباحث عليه، وقدَّمها له هَديّة مجانية، يستطيع أن يتابع فيها البحث إذا شاء. كما أنها تدلُّ أيضاً على سِعة معارف الباحث نفسه، وقُدرته على التركيز وحُسن الاختيار.



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


خامساً
شُكر الباحث لهؤلاء الذين عاونوه في إجراء بحثه، في نقطة معيّنة من البحث، سواء أكانوا أشخاصاً، أم مؤسسات عِلمية. فلنفترض أنه قام "بعَمليّة إحصاء" مثلاً، أو قام "بعَملية في المَعمل"، ووجد أناساً يساعدونه على إنجاز هذه المُهمّة، يَكتب في الأسفل، أشكر الذين ساعدوني في إنجاز هذا الأمر. ربما مثلاً قدَّم له أحد زملائه أو الأساتذة مَخطوطاً، يقول: تَفضّل الأستاذ الفلاني عليّ بإعطائي المخطوط، الذي لولا أنّ الأستاذ أعطاه له ما كان بالإمكان أن يَرجِع إليه.

وهناك ملاحظات ينبغي أن تراعى، منها:
أنّ الغَرض الرئيس للهَوامِش هو: التَّوضيح، وليس إضافة مَعلومات جَديدة أو استطرادات لا يحتاجها البحث. فيجب الاقتصاد قَدْر الإمكان في وضْع الهَوامِش، حتى لا نُشتِّت ذِهن القارئ عن متابعة البَحث. يعني: بعض الناس يَكتب هَوامِش طويلة، وقد تَزيد إلى صفحة وصفحتيْن، ويكون المَتْن مُعلّقاً في الهواء سطراً أو سطريْن في المَتن، والباقي مجموعة من الهَوامِش؛ هذا لا يدلُّ على كَثرة في العِلم، ولكن يدلُّ على سوء في التنظيم، وعلى محاولة للاستعراض في العِلم، والعِلم يحتاج إلى التركيز، ويحتاج إلى التدقيق، ويحتاج إلى الاقتصاد، ويحتاج إلى الاختصار قَدْر الإمكان؛ فلا يَكتب الإنسان لا في المَتن ولا في الهَوامِش أيّ معلومة يُمكن الاستغناء عنها. ولا ينبغي أن يكون الأمر مجرّد استعراض للمعلومات؛ فإنّ ذلك يجعل القارئ ينظر نظرة ريبة إلى هذا الباحث. ولعلّ الأمر يؤدّي عند القارئ إلى عَكس المَقصود الذي قَصد إليه الباحث.


٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


ثم إذا كان البحث يتضمّن بعض القوائم، والإحصاءات والجداول والنصوص الكبرى التي يرغب الباحث في إثباتها كاملة، فإنّ أمام الباحث الوسيلة إلى إثبات هذه الأمور كلّها، ولكن في مَلاحِق خاصة في آخِر البحث. لا يُثقل على البحث بها، ولا يُثقل على الهَوامِش بها؛ ولكنه يَكتبها في نهاية بحثه، ثم يذكر في الهامِش أنه سيَستَكمل هذا الموضوع في مَلاحِق توضع في آخِر الرسالة.

طُرق كتابة الهوامش:
إذا وصلنا إلى هذه النقطة فيما يتعلّق بالهَوامِش من حيث تحديد الموضوعات التي تذكر في الهَوامِش، فلننظر إلى الكيفية التي تُكتب بها الهَوامِش، فإننا نقول:
إنّ أمامنا ثلاث طُرق لكتابة الهَوامِش في البحث، كلّ واحدة منها لها مَزايا ولها عُيوب، والباحث حرّ في اختيار الطريقة التي يَستريح إليها من بين هذه الطُّرق؛ لكن عليه إذا ما اختار إحدى الطّرق أن يَلتزمها، لا يَتنقل بين الطُّرق.

الطريقة الأولى
وهي: أشهر الطُّرق، هي: تَدوين الهَوامِش بأسفل كلّ صفحة؛ يعني: كلّ صَفحة لها مَتنها ولها هامِشها. وهي طريقة لها طُرق فرعية كثيرة منها:
أن تُكتب أرقام الهَوامِش الخاصة بكلّ صفحة على حِدة، بمعنى: أن يبدأ ترقيم الهَوامِش برقم (١) في كلّ صفحة، يعني: نبدأ برقم (١)، ثم...


٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


...نُضيف إليه الأرقام على حَسَب الحاجة. يعني: إذا كان عندي هامش (١)، إذاً تكون الصفحة فيها هامش (١)، ويُكتب الهامش في أسفل الصفحة، إذا كان الصفحة فيها هامشان فيُكتب: رقم (١)، (٢) في أعلى الصفحة، ويُكتب الهامشان في أسفل الصفحة، إذا كان ثلاثة نَكتب: (١)، (٢)، (٣)، ونَكتب الهَوامِش (١)، (٢)، (٣)، في أسفل نفس الصفحة. فإذا انتهت هذه الصفحة، وانتقلنا إلى صفحة أخرى، فإننا نَبدأ الصفحة التالية، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، برقم (١). وهكذا مع كلّ صفحة جَديدة.
فإذا اخترنا هذه الطريقة فإنه يَجب أن نُخصّص جُزءاً في أسفل الصفحة يَكفي لكتابة هَوامِشها، على أن يُفصل بينه وبين المَتن أو ما هو في أعلى بخطّ أفقي، ثم يُكتب في الهامش المعلومات الخاصّة بكلّ رقم موضوع في المَتن. فالرقم (١) في المَتن يُقابله الرقم (١) في الهامش، رقم (٢) في المَتن يُقابله رقم (٢) في الهامش، وهكذا...
ويُستَحسن أن يَتّسع الجُزء المُخصّص للهَوامِش في الصفحة لكتابة كلّ الهَوامِش الخاصة به. أحياناً بعض البُحوث تحتاج إلى هَوامِش كثيرة جداً، قد تَزيد على عَشرة أو على خمسة عشر هامشاً في الصفحة الواحدة، فعندئذٍ لا بُدَّ أن نراعيَ تَخصيص مساحة تَكفي لكلّ هذه الهَوامِش. لا يَصحّ أن نَكتب أرقاماً في صفحة وهَوامِشها في صفحة ثانية، أو ثالثة... إلخ؛ بل يجب أن يَتّسع الجُزء المُخصّص للهَوامِش والصفحة لكتابة كل الهَوامِش الخاصة بها.
وقد كان ذلك يُمثِّل مُشكلة في أدوات الطباعة القديمة، لكن الآن أصبح الأمر مَيسوراً في أجهزة (الكمبيوتر) التي فيها ضَبط المسافات، والمساحات؛ وبذلك يكون عندنا هذا التنظيم للمَتن وللهَوامِش على حدٍ سواء.


٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


لدينا بعض الأمثلة التي نقولها على سبيل الإيضاح:
باحث في أوائل الطريق العلْمي يقول مثلاً للأستاذ المشرف: أودّ أن أبحث بعض الموضوعات، مثل: "تأثير الفقه المالكي على القانون الفرنسي". فلا يستطيع أن يكون في أوّل الطريق ويقوم بمثل هذا الموضوع؛ لأنه موضوع صعب عليه، ويحتاج إلى لغات، ويحتاج إلى دراسات مقارنة، ويحتاج إلى موازنات. ومثل هذا قد لا يتيسّر للطالب في أوائل عهده بالبحث العلْمي.
وإذا تبقّى في بعض الحالات جُزء من هامش مثلاً، يعني: الصفحة فيها ثلاثة هوامش، كُتب منها في أسفل الصفحة هامشان ونِصف، وبَقي نِصف الهامش الثالث، فيُمكن كتابته في الصفحة التالية، مع كتابة رمز أو "علامة التابعيّة" (=) التي هي مثل "علامة يساوي" تُكتب مَرتيْن: مرة في نِهاية الصفحة الأولى، ومرة في بِداية الصفحة التي تَليها؛ وهكذا كما تحدثنا عند بيان علامات الترقيم، نستخدم هنا "علامة التابعيّة".
في داخل هذه الطريقة نفسها التي نتحدّث عنها، يُمكن أن تعطي رقماً مُتسلسلاً لكلّ هوامش الفصل مرة واحدة، يعني: تبدأ صفحة أُولى بهامش رقم (١)، ثم يتلوه (٢)، (٣)، (٤)، (١٣)، (.٢)، (.٣)، (٣٥)، (.٤)... إلخ، كلّ الفصل من أوّله إلى آخره بتَرقيم مُتسلسل لكل فَصل على حِدة.
ويُمكن أيضاً استعمال طريقة أخرى: أن تكتب رقماً متسلسلاً في مَتن الرسالة للرسالة من أوّلها إلى آخِرها، كأنها فصل واحد، يعني: تبدأ برقم (١)، وتنتهى برقم (...١)، وتكتب كلّ هذا مرة واحدة، ثم يَستمر إلى نهاية الرسالة كلّها. وفي هذه الحالات الثلاث التي قُلتها الآن تُكتب الهوامش في أسفل الصفحات، يعني: إذا كان هامش يبدأ برقم (٢٥) يَصير تحت هامش رقم (٢٥)، (٣٨)، يبدأ بـ (٣٨) وهكذا، سواء...


٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


...كَتبت كل صفحة على حِدة، أو كل فصل على حِدة، أو كل الرسالة مرة واحدة؛ ففي هذه الطريقة الأولى التي أتحدث عنها الآن، تُكتب الهوامش في أسفل الصفحات. وهي الطريقة الأيسر، والطريقة الأكثر تَداولاً، لأنّ الهامش يَكون قَريباً من المَتن فأراجِعه بِسُرعة. ويَستطيع القارئ أن يَنظر إلى أعلى الصفحة وإلى أسفلها، فيجد المَعلومات مُتكاملة، ويَجد تَوثيقاً للمعلومات، أو شَرحاً للأمور الغامِضة، أو المصطلحات، أو الشُّكر؛ وهذا على خِلاف طُرق أخرى سيأتي الحديث عنها. ومنها:

الطريقة الثانية
وهي: كتابة الهوامش في نِهاية كلّ فَصل، لا تكون في أسفل الصفحات، ولكن يَكتب المَتن فقط، ويُعطيه الأرقام المُتسلسلة من أوّل صَفحة في الفَصل إلى آخر صَفحة؛ ولكنّ الهوامش لا تُكتب في أسفل الصفحة، وإنما تُكتب بعد انتهاء الفصل كلِّه، فتقرأ ثلاثين صفحة، أو أربعين صفحة كلّها من المَتن، ثم تنظر فتجد الهوامش المتعلّقة بهذا الفصل الذي سبق. وعلى هذه الطريقة، لا تُترك أيّ مساحة في أسفل الصفحات لعدم الحاجة إليها؛ لأن الهوامش ستُكتب في آخِر كل فصل. هذه ميزة، يعني: فيها بعض المَيزات، لا شك في ذلك.
ولكن فيها عُيوب، ومن العُيوب: أن الإنسان يظل ينظر في المَتن، ثم يبحث عن الهامش المتعلّق به بعد ثلاثين أو أربعين صفحة؛ وهذا نوع من الإثقال، وربما يؤدِّي إلى عَدم الرجوع إلى الهوامش، فيَذهب على القارئ فرصة التوثيق، وفُرصة التأكّد، وفُرصة الجمع بين المعلومات الأصلية الأساسية، وبين المعلومات التَّكميلية التي يُريد الباحث أن يُلحقها بالبحث.


٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


الطريقة الثالثة
كتابة الهوامش متّصلة في الرسالة كلّها من أوّل رقم إلى آخِر رقم، ولكن يُخصّص الجزء الأخير من الرسالة لكتابة الهوامش كلّها دَفعة واحدة؛ فكأنّ الرسالة كلّها مَتن في الأول، ثم تكون هوامش في الجُزء الأخير. وفي هذه الطريقة أيضاً، ليس الباحث مُحتاجاً إلى أن يَترك هوامش في أسفل الصفحات. ومثلما قلنا في الطريقة السابقة، لكلّ طريقة من هذه الطُّرق محاسن ومزايا، ولها عُيوب أيضاً.

في الطريقة الأولى: التي يُكتب فيها المَتن في أعلى والهوامش في أسفل الصفحة نفسها، هي أكثرها سهولة، حيث يجتمع المَتن والهامش في صفحة واحدة، كما أنّ من المُمكن دون صُعوبة كبرى وخُصوصاً بالنسبة لأدوات الطباعة الحديثة، إضافة هامش في الصفحة نفسها، هامش جديد. يعني: افرض أنني أراجِع، بدا لي أن أكتب هامِشاً طَرأ لديّ عِلم به، أو اقتُرح عليّ أن أكتبه، فعندئذٍ ليس هناك صُعوبة في أنني أضيف هذا الهامش في الصفحة نفسها، ولا أضطر إلى تعديل (...١) هامش مثلاً، لأن عندي ثلاثة هوامش، تُصبح أربعة، فأضيف رقم (٤)، أو أضيف رقماً بين (١) و (٢) أجعله رقم (٢)، ورقم (٢) أجعله رقم (٣)، يُمكن أن أضيفه في المَتن وفي الهامش دون صُعوبة، وخُصوصاً بعد استعمال أدوات الطباعة الحديثة، في حين أن الطريقتيْن الأخريَيْن التي تُكتب فيها الهوامش كاملة في نهاية الفصل، أو تُكتب الهوامش كاملة في نهاية الرسالة، سوف تكون الصعوبة فيهما أكثر عند إضافة أيّ هامِش لأن ذلك سيؤدي إلى تغيّر الترقيم المسلسل من أوّل هذا الهامش المضاف إلى نهاية الفصل على حسب الطريقة الثانية، أو إلى نهاية البحث على حسب الطريقة الثالثة. كما أن على القارئ -من الصعوبات أيضاً- أن ينتقل من المَتن في مَوضعه...



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


...إلى الهامش الذي يأتي بين عشرين أو ثلاثين صفحة، أو إلى آخر الرسالة بعد (..٢، أو ..٥) صفحة لأنّ بعض الرسائل حجمها يكون كبيراً، فيقرأ في صفحة (١٥)، ثم يَرجع إلى الهوامش في صفحة (..٥)، ويظلّ واضعاً مَتن الرسالة واقفاً هكذا يَذهب مَرة هنا، ويَذهب مَرة هناك. وقد يتكرر هذا في الصفحة الواحدة أكثر من مرة، وهذا يؤدِّي إلى عدد من الصعوبات، وهي صعوبات حقيقية تدعو إلى الضَّجَر والضِّيق والمَلل؛ ولهذا فيُفضّل استخدام الأمر الأول، أو الطريقة الأولى. وللباحث -على كلّ حال نحن لا نَفرض عليه رأياً في المسألة-، ولكن من حَقه أن يَختار، لكن إذا اختار أن يُفضِّل طَريقة مُعيّنة فإنه يَلتزم بهذه الطريقة، ولا يَصحّ له أن يَدَعها إلى غَيرها، فيَكتب فَصلاً بطَريقة، ويَكتب فَصلاً آخر بطريقة أخرى، لأن هذا من الخَلط الذي لا يَنبغي الوقوع فيه.

أسماء المصادر والمراجع:
وعلى الباحث أن يَعلم أن كِتابته للهوامش بما فيها من أسماء المَصادِر والمَراجِع، لن تُغنيه عن كتابة المَصادِر والمَراجِع في آخر البَحث مرة ثانية. وللمَصادِر والمَراجِع عند كتابتها بالهامش أهمِّيّة كَبيرة جداً، لأن المَصادِر والمَراجِع كما أصبح مفهوماً هي: الرَّوافِد والمَعين الذي يستمد منه الباحث مادّة بحثه. هي الثروة، أو المادة الخام، وهي تكون قِسماً كبيراً من البحث، لا سيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية. نحن لا نستطيع أن نَستغنيَ عن المَصادِر والمَراجِع أبداً، وقد يَصل حَظّها من البحث إلى نِسبة عالية جداً؛ ولذا تَجب العناية البالغة بها.



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


أولاً: لأنها هي اللَبِنات الأساسية التي لا بُدَّ من العناية بتجميعها لدوْرها في تكوين البحث العلمي. مثلا: أنت ستكتب عن الإمام الشافعي، أو الإمام أحمد بن حنبل، أو الطبري، أو ابن تيمية، أو ابن كثير، أو ابن خلدون، أو عن أي شخصية، لا تستطيع أن تكتُب بدون مَصادِر، لا بُدَّ أن ترجع إلى المَصادِر والمَراجِع في المادة العِلمية والأخبار والمعلومات التي تتعلّق بهذه الشخصيات محل الدراسة. فَهي مُهمة لأنها تُمثّل اللَبِنات الأساسية في بناء البحث، ثم لأنها هي الشَّرارة التي تُضيء عَقل الباحث وتوجّهه إلى بعض التعليقات النقدية، أو الأفكار المبتكرة التي ما كان لها أن تَخطر على ذهن الباحث لولا قراءته للمَصادِر والمَراجِع وفحْصه لها، وتفكيره فيها وفي المَعلومات المُقتبَسة منها. وما دام الأمر كذلك، فمن الضَروري العِناية بها، والإشارة إليها في البحث وهوامشه: كلّما اقتبس الباحث نصاً من نُصوصها، أو فكرة من أفكارها. وتكون الإحالة في الهوامش إلى المصادر والمراجع بطريقتيْن مشهورتيْن، على حين توجد طُرق أخرى أقلّ شُهرة وأقلّ استعمالاً، سنشير إليها فيما بعد أن نبيّن هاتيْن الطريقتيْن.

الطريقة الأول
فهي طريقة التوثيق الكامل بالهامش، وذلك بذكر كلّ المعلومات المُتاحة عن المصدر أو المرجع، بذكْر: اسم المؤلف والكتاب كاملاً، وبيانات الطباعة كاملة، رقم الطبعة، مكان الطبعة، البلد الذي تَمت فيه الطبعة، رقم الجزء، سنة الطّبع، إلى آخر هذه البيانات. يعني مثلاً: إذا أخذت نصاً من كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي، تقول: الشافعي محمد بن إدريس، كتاب الرسالة، تحقيق الأستاذ أحمد شاكر، طبع مطبعة كذا، سنة كذا،...



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


...في بلد كذا، رقم الجزء كذا، رقم الصفحة كذا. تكتب هذا عند ورود هذا المصدر لأوّل مرّة فنكتب جَميع البيانات، ثم تكتفي بعد ذلك إذا ذُكر الكتاب مرة ثانية بعد صفحتيْن، أو عشر صفحات، أو نحو ذلك، تكتفي بذكْر اسم المؤلف أو لقبه، ثم اسم الكتاب. وإذا كان الكتاب طويلاً، فإنه يمكن الإشارة إلى اسم مختصر له يتبعه الباحث فيما بعد. وهنا نسأل: هل يكتب اسم المؤلّف أولاً، أو اسم الكتاب؟
الإجابة: إنّ لديْنا طريقتيْن:
بعض الناس يبدأ باسم المؤلف، وبعض الناس يبدأ باسم الكتاب، ولا حرج في الطريقتيْن، وكلاهما يؤدّي نفس الغرض ونفس المعنى؛ لكن يفضّل فيما يتعلّق بالأعلام القدامى، أن يُبدأ بالاسم، ثم يكتب اللقب، لأن الكتب القديمة قد اتّبعت ذلك، مثلاً: كتاب "تاريخ بغداد" مُرتّب على حسب الحروف (أ، ب، ت، ث)، ولكنه بدأ بأحمد ومحمد أولاً تشريفاً وتعظيماً لاسم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم يلتزم بعد ذلك بالأسماء بأحمد وإبراهيم، وكذا يُوضَع إبراهيم قبل أحمد... إلخ.... وفي كتاب مثل كتاب "وفيّات الأعيان"، وكتاب "الوافي بالوفيّات" ونحوها، يتمّ هذا الأمر ويُتَّبع ذلك عادة إلاّ إذا كان العَلَم مَشهوراً بلَقبه، كالجُويني مثلاً لا يَعرفه كثير من الناس باسمه الأول، الغزالي ربما لا يَعْرفون اسمه الأوّل، السيوطي، السرخسي، الزمخشري، السبكي، أمثال هؤلاء، فنبدأ باللقب، ثم نَكتب الاسم بعد ذلك. ويُمكن استخدام هذه الطريقة مع أسماء الأعلام المُحْدَثين إلاّ إذا كانت شُهرتهم بالاسم أكثر، بحيث يستطيع القارئ أن يعلَم أنّ هذا الكتاب هو لفلان الفلاني. هذه هي الطريقة الأولى.



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


الطريقة الثانية
فهي التَّوثيق المُختصَر المُباشِر، وفيها يُكتب في الهوامش في أسفل الصفحة: اسم المؤلف، أو اسم الشُّهرة، ورقم الجزء والصفحة، مثل: الطبري مرة يكتب: تفسير الطبري، مرة واحدة، ثم بعد ذلك يقول الطبري (١/١٥)، ابن خلدون (٢/٣٢٤)، القارئ يعْلم أنه يتحدّث عن "مقدّمة ابن خلدون"، ابن الأثير يعني: "تاريخ ابن الأثير" (٣/.٢١)، وهكذا... الخطيب البغدادي (٥/٧٥) يعني: "تاريخ بغداد"، وهكذا... هذه طريقة مُختصرة لا تُذكر فيها كلّ المعلومات، ولكن يُكتفى بما يَدل على الكتاب، دون ذِكْر لكلّ التفصيلات. ثم تَكتَمل هذه الطريقة بأن يَكتب في قائمة المَصادر في نهاية البحث، -ليس هنا الآن في أثناء الكتابة، لكن في نهاية البحث- يَكتب جَميع المعلومات على الطريقة التي سبق الحديث عنها. وللباحث أن يَختار الطريقة التي يشاء، ولكن -كما نقول دائماً- يَلتزم هذه الطريقة التي يَختارها على مَدار البحث كلّه، فلا يَمزِج أو يُزاوج بين الطريقتيْن، لأن ذلك دليل على الارتباك وعَدم الوضوح . وهناك طُرق أخرى أقل شهرة وأكثر صعوبة؛
فمن ذلك:

طَريقة التوثيق بالأرقام فَقط، في الهوامش، وهي طريقة لا تَخلو من صُعوبة لأنها تتطلّب، حَصر قائمة جميع المَصادِر والمَراجِع التي رجع الباحث إليها في البحث كلّه، ثم تَرتيب هذه المَصادِر والمَراجِع، ثم إعطاء كلّ مَصدر ومَرجع رقماً خاصاً يكون هو المُستعمَل للدلالة على هذا المرجع أو المصدر على طول البحث؛ وعندئذٍ يُعطي كلّ كتاب رقماً، لكن بعد أن يُحصي جَميع المَصادِر والمَراجِع. ومعنى ذلك: أنه لا يستطيع أن...



٩.٢ ضوابط كتابة الهوامش أو الحواشي


الطريقة الثانية
يَكتب الهوامش في أوّل البحث إلاّ إذا جَمع جَميع المَصادِر والمَراجِع ثم رتَّبها، وأعطى كلّ واحد منها رقماً، ثم يَكْتفي في الهوامِش بذِكر الرقم. يقول: (٢/٧٥) مثلاً، فالذي يريد أن يعرف (٢) أيّ كتاب؟ يرجع إلى القائمة في آخِر البحث لكي يرى رقم (٢) يَنطبق على أيّ كتاب، فيعرف منه أنه هو الكتاب الفلاني، وهكذا... ومن الواضح أنّ هذه الطريقة لا تَخلو من صُعوبة كما بيَّنّا.
إنه لا بُدَّ من الحَصر لجَميع المَصادِر والمَراجِع، وهذا لا يتمّ إلاّ بعد الانتهاء من البحث، فكيف يُمكن أن يُشير إلى مَصادر وإلى مَراجع في أوّل البحث عند الكتابة، وربما يَبدو له كتاب جَديد صَدر وهو يَكتب بحثه، فيحتاج إلى الرجوع إليه،؛ فهذا يَحتاج أن يُوضع في تَرتيبه في آخِر البحث، ليأخذ رقماً مَوضع أو محل كتاب آخر، وهذا يُؤدِّي إلى تَغيير كلّ الأرقام التي تأتي عَقب هذا الكتاب، وهذا يؤدِّي إلى تَغيير كلّ الهوامش الموجودة في البحث؛ إذاً هذه طريقة صَعبة جِداً، ولا يكاد يَلجأ إليها الناس إلاّ في أقلّ القَليل، نسبة لا تكاد تصل إلى نصف في المائة. والذي يَفعل هذا الأمر، يكون مَوضع تَعجّب في بعض الأحيان، ومَوضع سؤال في بعضها الآخر.