أَعْتَقِدُ أَنَّكَ قَدْ أَجَبْتَ عَلَى بَعْضِ الأَسْئِلَةِ، وَالآنَ لِكَي تَفْهَمَ النَّصَ اِتَّبِعِ الخَطَوَاْتِ الآتِيَةَ:

 
 

   وقتُ الإنْسانِ هو عُمُره في الحَقيقَةِ، فما كانَ مِنْ وَقْتِ الإنسانِ للهِ وبِاللهِ فهو حَياتُهُ، وغَيرُ ذَلِكَ لَيْسَ محسوبا مِنْ حَياتِهِ، فَإِذَا قَطَعَ وقَتَهُ في الغفلَةِ والأمانِي الباطِلَةِ والنَّومِ والبَطالَةَ، فَمَوتُ هذا خيرٌ له من حياتِهِ.

   قال صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَتان مَغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاسِ: الصَّحَةُ والفَراغُ " (1).

   وقال عُمَرُ بن الخطابِ رَضِيَ الله عَنه: "إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أَرى أحَدَكم سَبَهْلَلا لا في عَمَلِ دُنْيَا ولا في عَمَلِ آخرة".

   والعاقِل الموفَّقُ هو الَّذي عَرَفَ شَرَفَ زَمانِهِ، وقَدْرَ وَقْتِهِ، فاغتَنَمَ عُمُرَهُ في عِلْمٍ نافِعٍ يَحْفَظُهُ، أو عَمَلٍ صالح يَحْتَسِبُهُ، أو حاجَةٍ مِنْ حَوائجِ الدُّنْيا يَكْتَسِبُها، يَسْتَعينُ بها على طاعَةِ اللهِ.

   قال عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضَيَّ اللهُ عَنْهُ: ما نَدِمْتُ على شيءٍ نَدَمي عَلَى يَومٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ نَقَصَ فيه أَجَلي، ولم يَزِدْ فِيهِ عَمَلي. وَقَالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: يا ابنَ آدم إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، فَإِذا ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ. وقالَ أَيْضا: أَدَرَكْتُ أَقْواماً كَانُوا عَلَى أَوْقاتِهم أَشَدَّ مِنْكُمْ حِرْصاً عَلَى دَراهِمِكُمْ ودَنانيرِكُمْ.

   وقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ومَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ مِنَ الخَلَفِ رَحِمَهم اللهُ أَحْرَصَ النَّاسِ على كَسْبِ الوَقْتِ وَشُغلِهِ بِالخَيْرِ، فَكانَ عَبْدُ الرَّحمنِ ابنُ أَبي حَاتمٍ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَسألُ وَالدَهُ وَيقرأُ عَلَيْهِ وهو يَأْكُلُ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ وهو يَمْشِي، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ، ويَقرأُ عَلَيْهِ إِذَا دَخَلَ البَيْتَ في طَلَبِ حَاجَةٍ، وكانَ الإمامُ سَليمٌ بنُ أَيّوبِ الرَّازِيِّ يُحاسِبُ نَفْسَهُ على الأَنْفاسِ، ولا يَدَعُ وَقْتاً يَمْضِي عَلَيْهِ بِغَير فائِدَةٍ، إِمَّا يَنسَخُ وإِمّا يُدَرِّسُ وإمَّا يَقْرَأُ، ويَنْسِخُ شَيْئاً كَثيراً، وإِذا قَطَعَ عَنِ الكِتابَةِ بِسَبَبِ إصْلاحِ الأَقْلامِ، حَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَقَرأَ القُرآنَ أو سبَّحَ وذَكَرَ اللهَ، لِئَلا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمانٌ وهو فارِغٌ.

   وقالَ الإمَامُ أَبو الوَفاءِ عَليٌ بنُ عَقيلٍ الحَنبَليّ رحمه الله - وكانَ مِنْ أَذْكِياءِ العَالم -: إِنَّي لا يَحِلُّ لي أَنْ أُضَيِّعَ ساعَةً مِنْ عُمُري، حَتَّى إذا تَعَطَّلَ لِسانِي عَنْ مُذاكَرَةٍ أو مُناظَرَةٍ، وبَصَري عَنْ مُطالَعَةٍ، أَعْمَلتُ فِكْري في حالِ راحَتِي وأَنا مُسْتَلْقٍ، فَلا أَنْهَضُ إِلاَّ وَقَدْ خَطَرَ لي ما أَكْتُبُهُ، وَإِنَّي لأَجِدُ مِنْ حِرْصِي عَلَى العِلْمِ وَأَنَا في الثَّمانينَ أَشَدَّ مِمَّا كُنْتُ أَجِدُهُ وأَنا في العِشْرينَ.

   وَقَدْ أَلَّفَ أَبو الوفاءِ كُتُباً كَثيرَةً في أَنْواعِ العلومِ، نحو العِشْرينَ، وأَكْبَرُ تَصانيفَهُ كِتَابَ الفُنونِ، وهو أَكْبَرُ كِتابٍ عُرِفَ في الدُّنْيا يَقَعُ في ثمانمائةِ مُجَلَّدٍ، فيهِ فَوائدٌ كَثيرةٌ جَلِيلَةٌ.

   وَلَمَّا حَضَرَتِ الوَفاةُ أَبا جَعْفَرِ بنِ جَريرٍ الطَّبَرِيِّ رحمه الله، ذُكِرَ له حَديثٌ لا يَعرِفُهُ، فاسْتَدْعى مَحْبَرَةً وصَحيفَةً وكَتَبَهُ، فَقيلَ له: أَفي هَذِهِ الحالُ؟ فقال: يَنْبَغِي لِلإنْسانِ أَنْ لا يَدَعَ اقْتِبَاسَ العِلْمِ حَتَّى الْمَماتِ.

   وكانَ الخَطيبُ البَغْدادِيُّ رحمه اللهُ يَمْشِي وفي يَدِهِ جُزْءٌ يُطالِعَهُ.

   والعِلْمُ مَرْغوبٌ سامٍ ومَحْبوبٌ غالٍ، وشَرَفٌ رَفيعٌ، وهو صَعْبُ المَسَالِكِ، كَثيرُ العَقَباتِ، لا ينال بِراحَةِ الجِسْمِ.

   فَقَدْ ارْتَحَلَ بَقِيٌّ بنُ مَخْلَدٍ رحمه اللهُ لِطَلَبِ العِلْمِ رِحْلَتَيْنِ إلى مِصْرَ والشَّامِ والحِجَازِ وبَغْدَادَ، امْتَدّتْ الرِّحْلَةُ الأُولَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ عاماً، والثَّانِيَةُ عِشْرينَ عاماً، وذَلِكَ مِنَ الأَنْدَلُسِ، مَشْياً على الأَقْدامِ.

   وَإِذا تَعِبَت النَّفْسُ وكَلَّ القَلْبُ، وجَبَ تَرْويحُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الَّلهْوِ المُباحِ الْمُقَدَّرِ بِقَدْرِهِ، حَتَّى يَكونَ المَرءُ أَقْدَرَ على مواصَلَةِ عَطائِهِ، وأَكْثَرَ اسْتِفادَةً مِنْ وَقْتِهِ، قالَ أَبو الدَّرْداءِ رضَيَ اللهُ عَنْهُ: إِنِّي لأَسْتَجمُّ قَلْبِي بالشيءِ مِنَ اللَّهْوِ، لِيَكونَ أَقْوى لي عَلَى الحَقِ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعودٍ رضِي اللهُ عَنْهُ: لا تُكْرِهْ قَلبَكَ، إِنَّ القَلَبَ إِذا أكْرِهَ عَمِيَ.

 

شرحُ المفرداتِ

 
الكلمةُ معناها

النَّهْجُ

الطَّريقُ الواضِحُ، وكذَلِكَ المَنْهَجُ والمِنْهاجُ، ج نهوجٌ. ونَهَجَ فلانٌ الطريقَ: سَلَكَهُ.

الخلاءُ

الفضاءُ الواسعُ الخالي. وهو كَذِلِكَ كِنايَةٌ عَنِ المِرْحاضِ.
استَلقى على ظَهْرِهِ أو قَفاهُ رقَدَ، فهو مُسْتَلْقٍ.

اسْتَجَمَّ فلانٌ

اسْتَراحَ فَذَهَبَ إعياؤه. واسْتَجَمَّ نَفْسَه: أراحَها. والمَصْدَرُ: اسْتِجْمامٌ.

غَبَنَهُ فِي الْبَيْعِ غَبْناً

مِنْ بابِ ضَرَبَ - : خَدَعَهُ. ومَعْنَى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "نِعْمَتانِ مَغْبونٌٌ فيهِمَا كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ " أنّ مَنْ لا يَسْتَعْمِلُ الصِّحَةَ والفَراغَ فيمَا يَنْبَغِي فَقَدْ غُبِنَ لِكَوْنِهِ باعَهُمَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ.
 
مُلَخَّصُ ا لدَّرْسِ