(1) فَضْلُ العِلْمِ وَأَهْلِهِ
لِتعرف ذلك ، اُدرُسْ هذا النَّصَ مُتَّبِعَاً الخُطَوَاْتِ الآتِيَةَ:
تَعلَّمِ العِلمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ للهِ خَشْيَةٌ، وَطلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبيحٌ، والبَحْثَ عَنه جِهَادٌ، وتَعْلِيمه لمن لا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَه لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، وهو الصَّاحِبُ في الخَلْوَةِ، والدَّليلُ على السَّرَّاءِ، والمُعينُ في الضَّرَّاءِ، ومَنَارُ سَبيلِ الجَنَّةِ.
يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْواما، فَيَجْعَلُهُم في الخير قادَةً، وسادَةً يُقْتَدى بهم، أدِلَّةٌ في الخيرِ تُقْتَصُّ آثارُهم، وتَرْغَبُ الملائِكَةُ في خُلَّتِهم، وبأجْنِحَتِها تَحُفُّهم، وَيَسْتَغفِرُ لهم كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، حتَّى حِيتانُ البَحر وهَوامُّه، وسِباعُ البرِّ وأنْعامُه، والسَّماءُ ونجومها.
والعِلمُ حَياةُ القُلوبِ مِنَ العَمَى، وَقُوَّةٌ للأَبْدَانِ مِنَ الضَّعفِ، يَبْلُغُ بِهِ العَبْدُ مَنازِلَ الأبْرارِ والدَّرجاتِ العُلى. وهو إِمامٌ لِلعَمَلِ، والعَمَلُ تَابِعهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَداءُ، ويُحْرَمُهُ الأشْقِياءُ.
عَنْ أَبي الدَّرْداءِ رضِيَ اللهُ عَنه قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليهِ وسلَّم يَقول: "مَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلْتَمِسُ فيه عِلْماً سَهَّلَ اللهُ له طَريقاً إلى الجَنَةِ، وَإنَّ الملائكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتِها لِطالب العِلْمِ رِضا بما يَصْنَعُ، وَإِنَّ العالِمَ لَيَسْتَغفِرُ له مَنْ في السَّمواتِ ومن في الأرضِ، حَتَّى الحيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ العالِمِ على العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ على سائِرِ الكواكِب، وإِنَّ العُلماء وَرَثَةُ الأنْبِياءِ، وإِنَّ الأنْبِياءَ لم يُوَرِّثوا دِينارا ولا دِرْهما، وإِنَّما وَرَّثوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍ وافِرٍ" (1).
والاشتِغالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ نَوافِلِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والتَّسْبيحِ والدُّعَاءِ لأَنَّ نَفْعَ العِلْمِ يَعُمُّ صاحِبَهُ والنَّاسَ، والنَّوافِلُ البَدَنِيَّةِ مَقْصورَةٌ على صاحِبِها، وَلأَنَّ العِلْمَ مُصَحِّحٌ لِغَيْرِهِ مِنَ العِباداتِ فَهي تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، ولأَنَّ العِلمَ يَبْقى أَثَرُهُ بَعْدَ مَوتِ صاحِبِهِ والنَّوافِلُ تَنْقَطِعُ بِمَوتِ صاحِبها، ولأنَّ في بَقاءِ العِلْمِ إِحْياءَ الشَّريعَةِ وحِفْظَ مَعالِم المِلَّةِ.
قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنه: "العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المالِ، العِلْمُ يَحْرِسُكَ، وأنْتَ تَحْرُسُ المالَ، العِلْمُ يَزْكو على الإنْفاقِ والمالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، العِلْمُ حاكِمٌ والمالُ محكوم عَلَيْهِ، ومَحَبَّةُ العِلْمِ دينٌ يُدانُ بها، العِلْمُ يُكْسِبُ العالِمَ الطَّاعَةَ في حَياتِهِ وجميلَ الأُحْدوثَةِ بَعد وفاتِهِ، وصَنيعَةُ المالِ تَزولُ بِزَوالِهِ، ماتَ خُزَّانُ الأَمْوالِ وهُمْ أَحْياءٌ، والعُلَماءُ، باقونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيانُهُمْ مَفْقودَةٌ، وأَمْثالهم في القلوبِ مَوْجودَةٌ.
والعِلمُ يَدْخُلُ مع صاحِبِهِ القَبْرَ، والمالُ إِذا ماتَ صاحِبُهُ فارَقَهُ، والعِلْمُ النَّافِعُ لا يَحْصُلُ إِلاَّ لِلْمُؤمِنِ، والمالُ يَحْصُلُ لِلْمُؤمِنِ والكافِرِ والبَرِّ والفاجِرِ، والعِلْمُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ المُلوك ومَنْ دونهم، وصاحِبُ المالِ إِنَّما يَحْتَاجُ إِلَيهِ أَهْلُ العُدْمِ والفاقَةِ، والعِلُمُ يَدْعو إلى التَّواضُعِ، والمالُ يَدْعو إلى الطُّغيانِ. والعِلْمُ يَجْعَلُ الدَّنِيءَ شَريفاً ويَزيدُ الشَّريفُ شَرَفاً.
كان عَطاءُ بْنُ أبى رَباحٍ عَبْداً مَمْلوكاً لامرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وكانَ أَنْفُهُ كَأَنَّهُ باقلاَّةٌ، وجاءَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ أَميرُ المُؤمِنينَ وابْناهُ فَجَلَسوا إِلَيْهِ وهو يُصَلِّي، فَلَمَا صَلَّى انْفَتَلَ إِلَيْهِم، فمازالوا يَسْأَلونَهُ عَنْ مَناسِك الحَجِّ، ثُمَّ قالَ سُلَيمانُ لابْنَيْهِ: قومَا، فَقاما، وقالَ: يابُنَيَّ لا تَنِيا في طَلَبِ العِلْمِ فإِنِّي لا أَنْسى ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْ هَذا المَمْلوكِ.
قال صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "مَنْ غدا إلى المَسْجِدِ لا يُريدُ إلاَّ أنْ يَتَعَلَّمَ خَيْرا أو يُعَلِّمَهُ كانَ له كَأَجْرِ حاجٍّ تامًّا حِجَتُهُ " (2). وقالَ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: " الدُّنْيا مَلْعونَةٌ مَلْعونٌ ما فيها إِلاَّ ذِكْرَ اللهِ وما والاهُ وعالما وَمُتَعلِّما"(3).
شرح المفردات:
مُلَخَّصُ ا لدَّرْسِ