إخْراجُ النَّاسِ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إلى عِبادَةِ اللهِ
أَعْتَقِدُ أَنَّكَ قَدْ أَجَبْتَ عَلَى بَعْضِ الأَسْئِلَةِ، وَالآنَ لِكَي تَفْهَمَ النَّصَ اِتَّبِعِ الخَطَوَاْتِ الآتِيَةَ:
لَمَّا تَوَاجَهَ الجَيْشانِ- جَيْشُ الكُفَّارِ وجَيْشُ المسْلمينَ في مَعْرَكَةِ القادِسِيَّةِ- بَعَثَ رُسْتُمُ إلى سَعَدٍ بنِ أَبي وقَّاصٍ رضِيَ الله عَنْهُ أَنْ يَبْعَثَ إليه رَجُلا عاقِلا عالما بما يَسْأَلُهُ عَنْهُ. فَبَعَثَ إليه رِبْعِيَّ بْنَ عامِرٍ، فدَخَل عَلَيْهِ، وقد زَيَّنوا مَجْلِسَهُ بِالنَّمارِقِ المُذْهبَةِ والزَّرابِيِّ الحَريريَّةِ، وأَظْهَرَ اليَواقيتَ والَّلآلِئَ الثَّمينَةَ، والزِّينةَ العَظيمَةَ، وغيرَ ذلك مِن الأَمْتِعَةِ الثَّمينَةِ، وقد جَلَسَ على سَريرٍ من الذَّهَبِ، وَعَلَيْهِ تاجُهُ.
ودَخَلَ رِبْعِيٌّ بِثِيابٍ صَفيقَةٍ وسَيْفٍ وَتُرْسٍ وفَرَسٍ قَصيرَةٍ، ولم يَزَل راكِبَهَا حَتَّى داسَ بها طرَفَ البِساطِ ثُمَّ نَزَلَ ورَبَطَها بِبعْضِ تلكَ الوسائِدِ، وأَقْبَلَ وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وَدِرْعُهُ وبَيْضَتُهُ عَلى رَأسِهِ، فقالوا له: ضَعْ سِلاحَكَ، فَقال: إِنِّي لم آتِكم، وإِنَّما جِئْتُكم حينَ دَعَوْتموني. فَإِنْ تَرَكْتُمونِي هَكَذا وإِلا رَجَعْتُ، فَقال رُسْتُم: ائْذَنوا له، فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ فَوَقَ النَّمارِق، فَخَرَقَ عامَّتَها. فقالوا له: ما جاءَ بِكم؟ فَقال: اللهُ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شاءَ من عِبادَةِ العِبادِ إلى عِبادَةِ اللهِ، ومِنْ ضيقِ الدُّنْيا إلى سَعَتِها، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيانِ إلى عَدْلِ الإسْلامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدينهِ إلى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهم إِلَيْهِ، فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ قَبِلْنَا مِنه، وَرَجَعْنَا عَنْهُ، ومَنْ أَبَى قاتَلْنَاهُ أَبدا، حَتَّى نُفَضِيَ إلى مَوْعودِ اللهِ.
قالوا: وما مَوْعودُ اللهِ؟
قال: الجَنَّة لِمَنْ ماتَ على قِتالِ مَنْ أَبَى، والظَّفَرُ لِمَنْ بَقِيَ.
فَقَالَ رُسْتُم: قد سَمِعْتُ مَقالَتَكُمْ، فَهَل لَكم أَن تُؤَخِّروا هذا الأمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فيه وَتَنْظروا؟
قال: نَعَمْ. كَمْ أَحَبُّ إِلَيْكم؟ يَوْمٌ أم يَوْمانِ ؟
قال: لا، بل حَتَّى نُكاتِبَ أَهْلَ رَأينا وَرُؤَساءَ قَوْمِنَا.
فَقَالَ: مَا سَنَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أَنْ نُؤَخِّرَ الأَعْدَاءَ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ، فَانْظُرْ في أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ، واخْتَرْ واحِدَةً مِنْ ثَلاثِ بَعْدَ الأَجَلِ.
فَقَالَ: أَ سَيِّدُهُمْ أَنْتَ؟
قال: لا، ولَكِنِ المُسْلِمونَ كالجَسَدِ الوَاحِدِ يُجير أَدْنَاهم على أَعْلاهم.
فَاجْتَمَعَ رُسْتُمُ بِرؤساءِ قَوْمِهِ فقال: هَلْ سَمِعْتُمْ قَطُّ أَعزَّ وَأَرْجَحَ مِنْ كَلامِ هَذا الرَّجُل؟
فَقَالوا: مَعاذَ اللهِ أَنْ تَميلَ إلى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَتَدَعَ دِينَكَ إلى هَذَا (الكَلِبِ) أَما تَرَى ثِيابَهُ؟
فَقَالَ: وَيْلَكُمْ لا تَنْظُروا إلى الثِّيَابِ، وانْظُروا إلى الرَّأْيِ والكَلامِ والسِّيرَةِ. إِنَّ المُسْلِمينَ يَسْتَخِفُّونَ بِالثِّيابِ والمَأكَلِ، وَيَصونون الأَحْسابَ.
ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ سَعَدٌ رسولا آخَرَ بَطَلَبِهِ، وهو المُغيرةُ بن شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَلَمَا قَدِمَ عَلَيْهِ جَعَلَ رُسْتُمُ َيقول لَهُ: إِنَّكُمْ جِيرَانُنُا وكُنَّا نُحْسِنُ إِلَيْكُمْ وَنَكُفُّ الأَذى عَنْكم، فارْجِعوا إلى بِلادِكم، ولا نَمْنَعُ تِجارِتكم مِنْ الدُّخولَ إلى بِلادِنَا، فَقَالَ لَهُ المُغيرَةُ: إِنَّا لَيْسَ طَلَبُنَا الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هَمُّنَا وَطَلبَنُاَ الآخِرَةَ، وقد بَعَثَ الله إِلَيْنَا رَسولا بِدينِ الحَقِ لا يَرْغَبُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلا ذَلَّ، وَلاَ يَعْتَصِمُ بِهِ إِلاَ عَزَّ. فَقَالَ رُسْتُمُ: فَما هو؟ فقال: أَمَّا عَمودُهُ الّذِي لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلاَّ بِهِ فَشَهادُةُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهَُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، والإقْرارِ بما جاءَ مِنْ عِنْدَ اللهِ. فَقال: مَا أَحْسَنَ هَذا! وَأَيُّ شَْيءٍ أََيْضا؟ قال: وَإِخْراجُ العِبادِ مِنْ ِعِبادَةِ العِبَادِ إلى عِبَادَةِ اللهِ.
قال: وَحَسنٌ أَيْضًا. وَأَيُّ شَيْءٍ أَيْضا ؟
قال: والنَّاس بَنُو آدَمُ، فَهم إِخْوَةٌ لأَبٍ وَأُمٍ.
قال: وَحَسَنٌ َأيْضاً.
ثُمَّ قالَ: أَ رَأَيْتَ إِنْ دَخَلْنَا في دينِكُمْ أَتَرْجعونَ عَنْ بِلادِنَا؟
قال: إِي واللهِ، ثُمَّ لا نَقْرَبُ بِلادكم إِلاَّ في تِجارَةٍ أو حاجَةٍ.
قال: وحَسَنٌ أَيْضا.
ولما خَرَجَ المغيرَةُ مِنْ عِنْدِه ذاكَرَ رستم رؤساءَ قَوْمِهِ في الإسْلامِ، فَأَنِفوا مِنْ ذلِكَ، وَأَبَوا أَنْ يَدْخلوا فِيهِ - قَبَحَهم الله وأَخْزاهم -.
شَرْحُ المفْرَداتِ:
الكَلِمَة
مَعْناها
اعتصم بِهِ
لَجَأَ إِلَيْهِ.
عَمُودُ الأَمْرِ
قِوَامُهُ الِّذِي لا يَسْتَقيمُ إِلا بِهِ، ج أَعْمِدَةٌ، وعُمُدٌ، عَمَدٌ.
قَرِبَ الشّيْءَ
قُرْبا وَقُرْبانا: دَنَا مِنْهُ (مِنْ بَابِ سَمِعَ).
إي.
حَرْفُ جَوابٌ بِمَعْنى نعم، ويقَعُ قَبْلَ القَسَمُ نحو: إِي وَاللهِ!. قال تَعالى: (قُلْ إِي وَرَبِّي )
أَنِفَ مِنْ الشَّيءِ
أَنَفاً وَأَنَفَةً: اسْتَنْكَفَ وَاسْتَكَبَرَ.
خِزِيَ خِزْياً
ذَلَ وَهَانَ (مِنْ بَابِ عَلِمَ). وَأَخْزَاهُ الله: أَذَلَّهُ وَأَهَانَهُ.
النُمْرُق، وَالنُمْرُقَة
وِسَادَةٌ صَغيرَةٌ،ج نَمَارِقُ
الزَّرْبِيَّةُ
وِسَادَةٌ تُبْسَطُ لِلجُلُوسِ عَلَيْهَا، ج زَرابِىُّ.
اليَاقُوتُ
حَجَرٌ مِنْ الأحْجَارِ الكَريمَةِ. واحِدَته أو القِطْعَةُ منه: ياقوتَةٌ،ج يَوَاقِيتٌ.
اللُؤْلُؤ
الدُرُّ، وهو يَتَكَوَّنُ في الأَصْدافِ، واحِدَته: لُؤْلُؤَةٌ، ج لآلِئ
صَفُقَ الثَّوْبَ صَفَاقَةً
كَثُفَ نَسْجُهُ فهو صَفِيقٌ. عَكْسُهُ: سَخُفَ سَخَافَةً أَيْ رَقَ نَسْجُهُ فهو سَخِيفٌ.
التُّرْسُ
مَا يُتَوَقّى بِهِ فِي الحَرْبِ، ج ترَِسَةٌ، وَتُرُسٌ، وتِراسٌ.
دَاسَ الشَّيءَ
بِرِجْلِهِ دَوْساً وَدِيَاساً وَدِيَاسَةً: وَطِئَهُ شَدِيداً بِقَدَمِهِ.
البِسَاطُ
ضَرْبٌ مِنْ الفُرُشِ يُنْسَجُ مِنْ الصوفِ ونحوه، ج بُسُطٌ.
البَيْضَةُ
الخوذَةُ.
الدِّرْعُ
قَميصٌ مِنْ حَلَقَاتٍ مِنْ الحَديدِ مُتَشابِكَةً يُلْبَسُ وِقايَةً مِنْ السِّلاحِ (يُذَكَّرُ وَيُؤَنَثُ)، ج دُروعٍ.
الرُّمْحُ
قَناةٌ في رَأسِها سِنَانٌ يُطْعَنُ بِهِ، ج رِمَاحٌ.
خَزَقَ الشَيءَ خَرْقاً
شَقَّهُ ومَزَّقَهُ (مِنْ بَابِ ضَرَبَ).
جَارَ يَجُورُ جَوْرًا
ظَلَمَ.
أَفْضَى إِلَيْهِ
وَصَلَ.
الظَّفَرُ
الفَوْزُ. ظَفِرَ بِهِ: فازَ بِهِ وَنَالَهُ.
وَدَعَ يَدَعُ
تَرَكَ. والأمْرُ: دَعْ. (ماضِيَّهُ قَليلُ الاسْتِعْمَالِ).
مَعَاذَ
مَصْدَرٌ مِيمِى مِنْ عاذَ يَعوذُ. وهو مَنْصوبٌ في"مَعاذَ اللهِ " على المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وهو نَائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ، فَمَعْناهُ: أَعوذُ بِاللهِ، أو نَعوذُ بِاللهِ.
وَيْلٌ
كَلِمَةُ عَذَابٍ. يُقَالُ: وَيْلُهُ، وَوََيْلُكَ، وَوَيْلِي. تَقُولُ: وَيْلٌ لزَيْدٍ، ووَيلً لِزَيدٍ، فَالنَّصْبُ عَلَى إِضْمَارِ الفِعْلِ، وَالرَّفْعُ عَلَى الابْتِداءِ. هَذَا إذا لم تُضِفْهُ. فَأَمَا إذ أضَفْتَ فَلَيْسَ إلاَّ النَصْب.. (الصِّحاح).
مُلَخَّصُ الدَّرْسِ